رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أما وقد هيمن العقل الأمني فليتنا نوسع الدائرة كي نرى استحقاقات الدفاع عن الأمن القومي من منظوره الكلي، الذي تقنعنا شواهده بأن المسؤولية فيه أكبر بكثير من أن ينهض بها رجال الأمن وحدهم.
(١)
أمضى رامي بن براك ٣٥ عاما في المخابرات الإسرائيلية الخارجية (الموساد) حتى صار نائبا لرئيس الجهاز. وخلال سنوات خدمته اعتبر الرجل «نجما» في محيطه، الأمر الذي أهله لكي يترأس شعبة العمليات «قيساريا» التي تعد أهم شعب الجهاز. وبعدما أحيل إلى التقاعد تحدث قبل أسبوعين إلى القناة التلفزيونية الثانية، وفاجأ الجميع بشهادته التي أدلى بها أمام الصحفي داني كشمارو حين كشف بعضا من خلفيات العمليات التي قام بها واعتبرت بطولات وإنجازات.
قال الرجل إن أهم عنصر في النجاحات التي حققها هو وفريقه تمثل في الفجوة التكنولوجية التي تفصل إسرائيل عن «أعدائها» الذين استهدفتهم. تحدث في هذا الصدد عن أن الموساد يعتمد في المهام التي يقوم بها على توظيف قدرات تكنولوجية تفوق بكثير ما هو متوافر لدى خصومها. أضاف أن إسرائيل تحقق عوائد إيجابية هائلة من وراء التطور الكبير الذي حققته في مجال التقنيات المتقدمة، وهو ما سمح لها ليس فقط بتقليص الاعتماد على القوى البشرية، بل أفضى إلى تحولات جذرية على مقومات القوة العسكرية الإسرائيلية. وفي شرحه لهذه النقطة قال إنه نظرا لأن إسرائيل باتت ثانى أكبر منتج للطائرات من دون طيار في العالم، وبسبب الاستخدامات العسكرية والأمنية والاستخباراتية الكبيرة والمتعددة التي باتت تضطلع بها تلك الطائرات، فإن الجيش قرر توظيف ذلك التميز على نحو آخر ــ إذ قرر تقليص الاعتماد على الطيارين والاتجاه بدلا من ذلك إلى الاستعانة بشباب مهمتهم تشغيل الطائرات بدل طيار من قواعد ثابتة وآمنة في عمق إسرائيل كما ذكرت صحيفة ميكور ريشون في ١٣/٦/٢٠١٥. وهو ما أورده أحد خبراء الشؤون الإسرائيلية، الدكتور صالح النعامي في مقالة اعتمدت عليها ونشرتها صحيفة «العربى الجديد» تحت عنوان «صناعة البطولة من دون مخاطر».
(٢)
شهد الدكتور النعامي بأنه منذ العام ٢٠٠٤ ومرورا بالحروب التالية على غزة (في الأعوام ٢٠٠٨ و٢٠١٢ و٢٠١٤) فإن معظم الشهداء في الجانب الفلسطيني سقطوا من غارات شنتها الطائرات من دون طيار. ونقل عن الصحفي الإسرائيلي عمير رايبويورت الذي زار إحدى قواعد الطائرات من دون طيار، قوله إن مجندا ومجندة في عمر ١٩ عاما ينفذان من مقصورة تحكم غارات عديدة بالضغط على زر. مشيراً إلى أن استخدام تلك الطائرات يقلص المخاطر التي يتعرض لها العنصر البشرى. وقد باتت إسرائيل تستخدمها في هجمات داخل سوريا، وهو ما حدث في اغتيال القيادي في حزب الله اللبناني جهاد مغنية واغتيال آخرين من قادة الحرس الثوري الإيراني في الجولان قبل ثلاثة أشهر. وبسبب إسهاماتها الميدانية الاستخباراتية عكف الجيش الإسرائيلى منذ عامين على تزويد كل كتيبة مقاتلة بطائرة من دون طيار. كما أنهم يتجهون في المستقبل إلى تزويد كل كتيبة بقمر صناعي أيضا.
إضافة إلى ذلك فإن إسرائيل حسنت قدراتها الاستخباراتية عبر توظيف الحرب الإلكترونية، حيث لم يعد جلب المعلومات السرية الحيوية ممكنا فقط من خلال العناصر البشرية أو عبر توظيف آليات التنصت والتصوير المتقدمة، وإنما بات ذلك ممكنا من خلال تطوير برامج اختراق المنظومات المحوسبة. وقد منحت هيئة أركان الجيش الإسرائيلي في مطلع عام ٢٠١٣ وساما لضابط في وحدة التجسس الإليكتروني المعروفة بـ«الوحدة ٨٥٠٠» لتمكنه من الحصول على معلومات استخباراتية غاية في الأهمية لطرف «عدو»، وقد تطور توظيف الإسرائيليين للفضاء الإليكتروني حتى بات الشعار المرفوع هو: الفيروس بدل الصاروخ، وذلك بعد النجاحات التي حققتها الهجمات الإليكترونية التي شنتها بالفيروسات خلال عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٢ واستهدفت المنشآت النووية الإيرانية، الأمر الذي أوقع بها أضرارا جسيمة.
الملاحظة المهمة التي نبه إليها الباحث أن القدرات الكبيرة التي حققتها إسرائيل في المجالين التقني والإليكتروني تعود أساسا إلى نظام التعليم السائد، الذي يخطط له لكي يخدم تلك الأهداف. في هذا الصدد ذكر أن وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بنات أطلق قبل ثلاثة أشهر ما سماها «ثورة الرياضيات»، التي تهدف إلى زيادة أعداد الطلاب الإسرائيليين الحاصلين على المستوى الخامس في الرياضيات بالثانوية العامة، وكان الوزير الذي قاد وحدة خاصة في الجيش قد أدار بعد تقاعده شركة تقنيات ناجحة. وهو يعتبر أن استيعاب علم الرياضيات متطلبا إجباريا لتحقيق إنجازات حاسمة في صناعة التقنيات المتقدمة بشقيها العسكري والمدني.
(٣)
أكثر ما يهمنا في الأمر أن التطورات الحاصلة في العالم الافتراضي باتت تهدد بنية أى مجتمع، وهي أبعد وأخطر بكثير مما تتصور. يشهد بذلك الإنفاق الهائل الذي بات يوجه إلى أنظمة أمن المعلومات في الشرق الأوسط بوجه أخص. إذ قدر الإنفاق الذي جرى ضخَه في هذا المجال بأكثر من ٣٢ بليون دولار وفق مؤسسة آي. دي سي الدولية المتخصصة في خدمات تكنولوجيا المعلومات. وفي ظل التطورات التي حدثت فإن احتمالات الدفاع أو الهجوم من خلال العالم الافتراضى أصبحت واردة. يذكر في هذا الصدد أن استونيا تعرضت لهجوم من ذلك القبيل. ذلك أن تلك الدولة الصغيرة التي تقع في منطقة بحر البلطيق (كانت تابعة للاتحاد السوفييتي وانضمت لاحقا للاتحاد الأوروبي) فوجئت في عام ٢٠٠٧ بعد ساعات من صدور قرار رئيسها بنقل تمثال يخلد ذكرى الجيش السوفييتي بأن البلد أصيب بالشلل. إذ تعرض لهجوم إليكتروني عطل أنظمة الكمبيوتر المعرفية والخدمات الحكومية والأنظمة الحيوية في الدولة، الأمر الذي عزلها عن العالم الخارجى.
قرأت مقالة في الموضوع للأكاديمى والكاتب الأردنى موسى برهومة (نشرتها صحيفة الحياة اللندنية في ١١/١١/٢٠١٥). ومما ذكره أن جندي المستقبل المتطور لم يعد مضطرا لحمل بندقية على كتفه وإنما أصبح يزود بجهاز كمبيوتر، لاسيَّما أن الهجمات الإليكترونية التي يطلق عليها «دبدوس» وهى هجمات جيوبوليتيكية، قد زادت منذ مطلع عام ٢٠١٥ بمعدل ٣٠٠ في المائة. وهي تستهدف حجب الخدمة عن المؤسسات الحيوية في الدولة، وربما تتطور في المستقبل إلى استهداف الأنظمة الاستخباراتية الحساسة، وحركة الملاحة وأنظمة المستشفيات والمياه والكهرباء أو النفط والغاز والمصانع التي تستخدم المواد الكيماوية.
في هذا الصدد ذكَر الكاتب بما أذاعه مسؤولون إيرانيون في عام ٢٠١٤، عن إحباط محاولة استهدفت موقع (إي آر ٤٠) النووى بالقرب من مدينة أراك وسط البلاد. وسبق ذلك تعرض مفاعل «نظنز» الإيرانى لتخصيب اليورانيوم لهجوم بفيروس عام ٢٠١٠، أدى إلى حدوث توقف مؤقت لأجهزة الطرد المركزى، وهو ما حملت طهران مسؤوليته في الحادثتين إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
الشاهد أن قواعد الصراع وأدواته باتت تشهد انقلابا شاملا يستدعي إعادة النظر ليس فقط في خطط التفكير الاستراتيجى والتسليح، وإنما أيضا إعادة النظر في خطط ومناهج التعليم لتسويغ التعامل مع متغيرات أدوات الصراع التي تجاوزت كل الحدود المتعارف عليها.
(٤)
الأجراس التي ترددت أصداؤها في مختلف عواصم العالم أيقظت الأغلبية العظمى، ونبهت الجميع إلى أن النهوض بالتعليم يمثل أحد المفاتيح المهمة لتحقيق التقدم. وإذ ظلت فنلندا تحتل الأولوية بين الدول التي حققت تلك النهضة وجنت ثمارها، ولحقت بها دول غربية عدة مثل النرويج وسويسرا وكندا. إلا أن الدول الآسيوية نجحت في تحقيق القفزة المنشودة، حتى أصبح تلامذة آسيا يتصدرون تصنيف التعلم بين طلاب العالم. وتتولى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية قياس النمو في ذلك المضمار من خلال اختبارات تجريها في برنامج يحمل اسم «بيسا» أي البرنامج الدولى لمتابعة تحصيل التلاميذ، الذي أصبح بمثابة لوحة التصنيف المدرسي العالمى. وهو يركز على اختبار التلاميذ في ثلاث مواد أساسية هي: اللغة الأم والرياضيات والعلوم.
لا مجال للحديث عن موقع مصر في خرائط التصنيف المدرسي العالمي. فسمعتها السيئة في مجال التعليم لها صداها في كل محفل، وحين ذكرت «فورين بوليسي» في عام ٢٠١٣ أن جودة التعليم في مصر أصبحت صفرا فإن ذلك لم يكن مفاجئا، والأخطر من ذلك أنه لم يحدث أي صدى في الأوساط المعنية بالتعليم في البلد. وفي العام الأخير نشر موقع جريدة «الشروق» (في ٢١/٥/٢٠١٥) نتيجة تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي حول جودة المدارس الابتدائية احتلت فيه مصر المركز الأخير بين ١٢٤ دولة، وفي المؤشر العام لرأس المال البشري جاء ترتيب مصر ٨٤ بين الـ١٢٤ دولة، في حين احتلت فنلندا موقع الصدارة الأول.
احتفظ بتقرير حول التعليم في آسيا نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية (فى ٤/١٢/٢٠١٢) ضرب المثل بالنظام التعليمى بكوريا الجنوبية، الذي يفرض على التلاميذ قضاء نحو ٥٠ ساعة في الأسبوع في الدراسة، وذلك عدد من الساعات يفوق نظيره الأوروبي بـ١٦ ساعة. ذلك أنهم يدخلون الصفوف في السابعة والنصف صباحا ويغادرونها في الساعة الرابعة بعد الظهر. ومعظم هؤلاء يغادرون الصفوف لكي يلتحقوا بمدارس خاصة تعدهم لدخول الجامعة منذ انخراطهم في المرحلة الابتدائية. وقدر التقرير نفقات الأهالي على المدارس الإعدادية (في عام ٢٠١٢) بما يعادل ١٣ بليون يورو، وهو ما يعادل عشرة أضعاف ما أنفقه الفرنسيون على «المساعدة» المدرسية. وبعض التلاميذ الكوريين يستمرون في الدراسة اليومية حتى الساعة العاشرة مساء. وهذا الموعد حددته الحكومة للحيلولة دون إفراط الأهل في حمل أولادهم على الدراسة إلى ما بعد ذلك الموعد. وهذا الذي حدث في كوريا الجنوبية له نظيره في عدة دول آسيوية أخرى، منها سنغافورة التي أصبحت توصف بأنها أرض الفرص العلمية التي لا نظير لها.
إذا سألت: أين نحن من كل ذلك؟ فلن أجيب على السؤال. ولكنني أدعوك إلى مطالعة أخبار التعليم في الصحف الصباحية، وحين تجد أنها أدارت ظهرها للتعليم واشتغلت بالأمن فإنك لن تتلقى الإجابة الشافية فحسب، ولكنك أيضا ستعرف إلى أين نحن ذاهبون. وستدرك عندئذ حقيقة الثورة التي ننتظر انطلاقها للانخراط في التاريخ، وبغير النجاح فيها سنصبح خارج مجرى التاريخ. ولن نستطيع أن ندعي أن أحدا تآمر علينا في ذلك.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9405
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026