رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الدوافع والأهداف العلمية عند المستشرقين أنهم اعتنوا بالمخطوطات عناية فائقة، حيث جمعوا المخطوطات العربية من كل مكان تتواجد فيه هذه المخطوطات، وبوسائل متعددة، والعمل على حفظها وصيانتها من التلف والعناية لها عناية فائقة، وفهرستها فهرسة نافعة تصف المخطوط وصفاً دقيقاً، وبذلك وضعت تحت تصرف الباحثين الراغبين في مقر وجودها أو طلب تصويرها بلا روتين أو إجراءات معقدة. وقد قام مثلاً "الوارد" Ahlwrdt بوضع فهرس للمخطوطات العربية في مكتبة "برلين" في عشرة مجلدات بلغ فيه الغاية فناً ودقة وشمولاً، وصدر هذا الفهرس في نهاية القرن الماضي ـ التاسع عشر ـ واشتمل على فهرس لنحو عشرة آلاف مخطوط. وقد قام المستشرقون في كافة الجامعات والمكتبات الأوروبية بفهرسة المخطوطات العربية فهرسة دقيقة. وتقدر المخطوطات العربية الإسلامية في مكتبات أوروبا بعشرات الآلاف، بل قد يصل عددها إلى مئات الآلاف. فالمستشرقون بحق لديهم صبر عجيب للبحث والتنقيب والدراسة ويتفانون في أعمالهم بشكل جدي ومتميز للمعرفة والاطلاع، ويستمعون لكل ملاحظة أو نقد يوجه إليهم في ما يدرسونه أو يبحثون عنه، وساعدتهم على ذلك إحاطتهم باللغات القديمة والحديثة. وقد أشاد بذلك العديد من العلماء العرب بهذا التفاني للعلم والرغبة في البحث الشاق بهدف المعرفة الشاملة ومن هؤلاء الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي أبدى إعجابه بصبرهم وحسن أسلوبهم وسعة اطلاعهم.
ويرى البعض أن العقلانية والحياد الذي انطبع بمسيرة الاستشراق الغربي جاء مع عصر التحول الصناعي والتنوير الفكري بعد إنهاء سيطرة الكنيسة الغربية وتجريدها من سلطتها الزمنية وتراجع فكرة التبشير والتنصير اللذين سادا فترة مع حركة الاستشراق إلى العالم العربي والإسلامي.
لكن الإشكالية أن العقلية في هذه الفترة انتكست إلى مركزية أوروبية وفكرة فوقية، وظهرت فكرة أن الإنسان الأوروبي أكثر تحضراً وعقلانية، وأرقى سلالة من الشعوب الشرقية، وهذا يعني أن هذه الشعوب أكثر تخلفاً وهمجية، لكن الكثير منهم "أصبح أكثر تسامحاً وعقلانية، غير أن الصورة العامة، بقيت أسيرة عقلانية عصر التنوير وأيديولوجية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد أصبح الدين الإسلامي ديناً عقلياً بعيداً عن الديماغوجية، بالنسبة إلى الدين المسيحي، الأكثر تعارضاً مع العقل، فالدين الإسلامي، يوفق بين الدعوة إلى حياة أخلاقية والاحترام المعقول لمطالب الجسد والحواس والحياة الاجتماعية، إنه دين أقرب إلى دين الإله المجرد الذي يدين به معظم مفكري التنوير. كما ظهرت سيرة الرسول محمد وحياته أكثر وضوحاً وتسامحاً وواقعية، ولم تعد الصورة مشوهة، كما كانت خلال العصور الوسطى وبعدها. في هذه الفترة بالذات بدأت تتحول الصورة إلى الشرق وإلى العرب والمسلمين بشكل أخص، وبرزت ظاهرة الاتجاه إلى الاستشراق الرومانسي ودراسة ما هو غريب وعجيب [exotisch] في هذا الشرق الغامض بالنسبة لهم.
ويرجع البعض إلى أن الثورة الصناعية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية في الغرب دفعت البعض إلى الهرب من هذا الواقع الصارم والمادي والنفعي الخالص، والاتجاه إلى حضن الطبيعة والفطرة التي ما زال الشرق يتلحف بها. وتولدت عن ذلك التوجه الأنثولوجيا الرومانسية، مثلما تولدت الرومانسية الإنجليزية التي توجهت إلى الشعر البدائي الجاهلي، ويقال إن الشاعر الألماني جوته تأثر بكتابات بعض المستشرقين المنصفين للإسلام، ومن هؤلاء المستشرق الهولندي "هادريان ريلاند" من خلال كتابه (الديانة المحمدية)، حيث عرض طرحاً منصفاً للإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب. ففي هذه الفترة القرن الثامن عشر كان التحول كما تمت الإشارة آنفاً في مواقف المستشرقين تجاه الإسلام والشرق أبان الثورة الصناعية وحركة التنوير الغربية التي ابتعدت كثيراً عن الأفكار والآراء الكنسية وأحكامها المسبقة عن الشرق عموماً والعرب والإسلام على وجه الخصوص، وكان دافعهم في هذه الفترة في الأغلب الأعم المعرفة عن الشرق وسحره وغموضه في نظرهم ومهد الديانات والحضارات.. إلخ.
وقد استفاد "جوته" في قراءاته هذه في التعرف على معارف الشرق من خلال قراءة ترجمة القرآن الكريم. في مرحلة مبكرة كذلك موسوعة "بارتيلمي دربيلو" الشهيرة "المكتبة الشرقية" (بالإنجليزي) لغزارة معلوماتها عن الشرق والعرب والإسلام، على الرغم أنها لم تكن منصفة حسب تقدير بعض الباحثين.. وإذا أردنا تتبع الدوافع والأهداف التي اضطلع بها المستشرقون لدراسة الشرق والعرب والإسلام، لاحتاجت إلى مباحث طويلة ومتعمقة لمناقشة هذا الجانب. لكننا في بحثنا سنتتبع جهود المستشرقين العلمية في كشف التاريخ العربي كما أشرنا في فصـل آخر. ورغم أهمية نقد الاستشراق ونقده "المعكوس" ودفاعه الناقد على النقد الموجه إليه، فإنه من العدل ألا نجعل كل الاستشراق في سلة واحدة ، لمجرد الأخطاء الصادرة عنه في بعض جوانب دراساته وأبحاثه أو نتيجة لأطماع الاستعمار وأهدافه المشبوهة في هذه الدراسات والأبحاث. "إلا إذا خلطنا بين النقد العلمي وبين النقد السياسي أو النقد الثقافوي البحت". وبالمقابل فإذا كان الحفر السوسيولوجي في طرق مواجهة المعرفة والسياسة والثقافة الشرقية (العربية هنا) للاستشراق والعلوم الاجتماعية مهماً وملحاً، فإن مزيد الحفر في النظام المعرفي للاستشراق حفراً سيوسيولوجياً يبدو لا يقل أهمية وإلحاحاً. فالنقد الموجه للاستشراق التقليدي، وبخاصة من خلال اتهامه بالمركزية، واحتكار العقلانية والإنسانية، لم يتدعم في أغلب الأحيان بتحليل علمي يرتكز على أسس موضوعية".
والإشكالية التي وقع فيها الاستشراق – التقليدي منه والحديث - أن آراءهم في الإسلام والعرب ـ في أغلبها ـ كانت نظرة قاسية وغير عادلة ومنطلقة من زاوية أيديولوجية ارتجاعية، وكادت أن تغمط مكانة الاستشراق في جوانب كثيرة، وهي مكانة تستحق التقدير والإشادة، لما طرحته من آراء منصفة وجادة وبعيدة عن الأحكام المسبقة التي كانت عند بعض المستشرقين تجاه الإسلام والعرب، وهذه الرؤية ـ كما قال هشام جعيط ـ اتسمت برؤية سيكولوجية جامدة للإسلام وبنزعة مركزية للأنا والآخر تكاد تنسف فكر وحضارة، بل وعقلية الآخر المختلف. وهذه قللت كثيراً من وضعية الاستشراق وربما مكانته، إذ صور أنه ملأ الفراغ الذي وجده في فترة من الفترات وهي فترة ضعف العرب والمسلمين وتراجعهم العلمي والثقافي وكذلك فترة الاستعمار ونتائجه السلبية. وهذه الرؤية الجامدة أيضاً في بعض منطلقاتها ضخمت "الأنا" بصورة لا عقلانية، وتخالف ما يطرحونه للآخر المختلف بأنه "لا عقلاني" ناهيك عن قدراته وملكاته العقلية والفكرية وإقصاء الآخر وتهميشه فكرياً وثقافياً، والعمل على تأسيس ذاكرة تاريخية ثقافية محورها "الأنا" الغربي وتميزه وتفوقه بصفات وخصائص يفتقدها الآخر عقلياً وحضارياً وعرقياً.
وهذا التهميش والإقصاء والمركزية "الأنا" وتجريد الآخر المختلف من كل صفات النبوغ والتحضر والعقلانية، تخالف وتناقض جهود شريحة مهمة من المستشرقين الذين تحدثوا عن حضارة عربية إسلامية أصيلة ومتميزة، وكشفوا عن تاريخ وآثار تنم عن تصور غير مسبوق لحضارات عريقة في مصر والشام والعراق والجزيرة العربية، وهذا ما جعل الكثير من الباحثين الغربيين ينتقد هذا التحيز والتحامل والتعصب. وهذا ما طرحه "تيري هانتش" في كتابه (الشرق المتخيل) الذي اعتبر أن التاريخ الغربي شوه بالفعل حقائق من خلال الاستشراق، وسكت بشكل نسقي عن كل العطاءات العلمية والحضارية العربية وغيرها من المنجزات العلمية والفكرية الشامخة. ويرجع هانتش هذه الأسباب ـ وهي واهية ـ أن الغرب منفصم "بين الإعجاب بالعلم العربي والعنصرية المناهضة للإسلام" فهل يمكن أن يكون هذا التبرير مسلكا للتحامل والتزييف للحقائق التاريخية وكأبحاث ودراسات للحضارة الإسلامية؟
ولذلك وجدنا بعض الباحثين العرب من يعتقد أن الاستشراق شب وترعرع في حضن النظام الفكري الغربي الذي ساد أوروبا في القرن التاسع عشر، وأن المستشرق الذي ينكب على دراسة الشرق، سكانه وأحواله وحضارته لا يمكن أن يبقى بمعزل عن التأثر بشكل أو بآخر بهذا الفكر، حتى المستشرق الذي لم يعمل من خلال المؤسسات الاستعمارية، لا بد أن يتأثر بهذا النظام الفكري والمركزية الغربية التي ترى تفوقها وأحقيتها بالهيمنة وأنها مركز العالم وحضارته، وهذا يستتبع في رأيهم عدم الإنصاف والتحيز والعنصرية في بعض الأحيان.
لكننا نرى أن التعميم قد ينتج عنه خطأ في التقدير والتقييم، ولذلك فإنه من الحق أن نقول إن بعض المستشرقين أنصفوا العرب والحضارة العربية الإسلامية، وقدموا خدمات جليلة وعظيمة لهذه الحضارة لا يمكن نكرانها، بغض النظر عن التقييم في الدوافع والأهداف التي جعلتهم يتصفون بهذه الصفات، وفي حماسهم وتفانيهم وإخلاصهم لهذا العمل العلمي والبحثي في الحقول التاريخية والثقافية العديدة.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12039
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
5028
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
2817
| 22 أكتوبر 2026