رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيادة الرئيس محمود عباس.. رئيس السلطة الفلسطينية: أدنت عملية القدس البطولية الأخيرة التي نفّذها الشهيدان، غسان وعدي (أبوجمل)، الرئيس صاغ مساعدوك الإدانة بشكل ساوى فيه بين العملية الفلسطينية، التي تعتبر حقا مشروعا للدفاع عن النفس والأرض المحتلة، وبين عدوان المستوطنين وجريمة الإرهابي باروخ غولدشتاين مقترف مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994. من خلال القول: إن الرئيس عباس يدين عملية القدس كما يدين الاقتحامات الإسرائيلية للقدس والأقصى، إدانتك مفهومة لو جاءت من رئيس حكومة دولة إسكندنافية، أو دولة أخرى محايدة في النظرة للصراع الفلسطيني العربي – الصهيوني، غير أنها ليست مقبولة، بل مدانة، كونها جاءت من رئيس مفترض أنه فلسطيني وزعيم للفلسطينيين.
تدرك يا أبا مازن، أن جنديا صهيونيا قادرا على إيقاف موكبك الرئاسي وحجز سيارتك، وتفتيشك بدنيا، وقادر على إعادة سيارتك من حيث أتيت، وقادر في الأخير على اعتقالك ووضعك مقيد اليدين والقدمين في السيارة الخاصة بنقل المعتقلين.
تدرك أيها الرئيس أن قوات الاحتلال الصهيونية تدخل عاصمة السلطة رام الله لتعتقل من تعتقل، وتغتال من تغتال، وتهدم ما تريد من البيوت على مرأى ومسمع من أجهزة السلطة الأمنية المتعددة، التي أنشأتها دون تدخل من هذه الأجهزة الأخيرة...التي درّبت واشنطن قادتها وأفرادها. وفقط على قمع الفلسطينيين! رغم كل ذلك، تدين أيها الرئيس العملية البطولية لمناضلين من أبناء شعبك، عذبا طويلا في السجون الصهيونية، ومكثا طويلا فيها، احتل العدو منزليهما ومدينتهما وأراضيهما ووطنهما واتخذ نتنياهو قرارا بهدم منزلي أهليهما، والمستوطنون وقطعانهم يمارسون اقتحامات يومية لمدينتهما وللأقصى، وقوات الاحتلال تنكل بأهليهما وشعبهما، وتقتل بدم بارد أصدقاءهما وأبناء وطنهما.
أتطرّق إلى أسماعك ماذا فعلت قوات الاحتلال بأهليهما بعد العملية؟ ألم تر مقطعا مصورا للطريقة الهمجية لاقتحام قوات الاحتلال للمنزلين وما عاثته من فساد فيهما؟ ألم تشاهد اعتقال 12 فردا من عائلتيهما وذويهما؟ ألم تفكر قبل إدانتك لبطولتهما، بأنهما استشهدا عن سابق إصرار وقناعة بالمقاومة (وليس يأسا) كونها الطريقة الوحيدة التي يفهمها هذا العدو النازي الفاشي المرتكب الدائم للمجازر؟ ألم تفكر في أن كلا منهما ذهب إلى العملية وهو يدرك أن هذا الفعل البطولي سيكون الأخير له في الحياة الدنيا، وأنه سيتشهد؟ ألم يخطر على بالك ما فكر فيه كل منهما في طريقه إلى الاستشهاد الحتمي: الأم، الزوجة والأبناء إن وجدوا، حب الحياة، الطموحات، الأحلام الشخصية، تحرير الوطن؟ ومع ذلك ذهبا غير نادمين فداءا للوطن ومن أجل رد الاعتبار للكرامة العربية الفلسطينية (بما فيها كرامتك) المنتهكة على أيدي وجرائم وموبقات ومذابح قوات الاحتلال في كل ثانية وساعة؟
السؤال الأخير الذي نتوجه به إليك: ألم تفكر قبل إدانتك للعملية بأن معهد "هارنوف" الديني المتطرف الذي يربي الفاشيين المتطرفين أمثال: مائير كاهانا، رحبعام زئيفي، عوفوديا يوسف، نفتالي بينيت، أفيغدور ليبرمان، بنيامين نتنياهو وغيرهم من الحاقدين... على كل ما هو إنساني، وكل من هو غير يهودي. والذين يؤمنون "بأن العربي ليس أكثر من عبد لليهودي، وأن العربي الجيد هو العربي المقتول"... ألم تفكر للحظة أن هذا المعهد مقام على أرض قرية دير ياسين الفلسطينية العربية الكنعانية، التي ارتكبت عصابات القتل الصهيونية مذبحة مروعة بحق أهلها ومسحتها نهائيا عن الخارطة؟ نحب أن نقول لسيادتك: إن سامحت بحقك في مدينتك صفد، فإن عشرات الآلاف من أهلها ما زالوا يتمسكون بحقوقهم ويصرون على العودة لها، ونقول: إذا كنت قد نسيت مذبحة دير ياسين وأنت الحائز على درجة الدكتوراة في "الحركة الصهيونية" من أحد معاهد موسكو المتخصصة، فسنذكّرك ببعض منها:
دير ياسين قرية من قرانا الفلسطينية الوادعة.. أهلها طيبون وبسطاء بساطة أرضنا وسهول ساحلنا معطاءون مثل كل بيادر قمحنا تقع القرية غربي مدينة القدس وعلى مسافة قصيرة منها. وقعت المجزرة في الساعة التالثة من فجر التاسع من أبريل عام 1948. عندما اجتاح إرهابيو عصابتي "شتيرن" و"الأرغون" الصهيونيتين. مثل داء الكوليرا الرهيب كانوا مثل طاعون قاتل... بربريين... يقتحمون أرضا غنّاء! أهل دير ياسين طيبون مثل كل أهل ريفنا الفلسطيني العربي الأصيل، وثقوا بالاتفاقية التي كانوا قد وقّعوها قبل أسبوعين فقط من تاريخ المجزرة! كان زعماء المستوطنات اليهودية المجاورة للقرية قد أعدوا مذكرة "حسن جوار" بين المستوطنات والقرى الفلسطينية المجاورة، تنص على "السلام" بين الطرفين وعدم الاعتداء! وقعها زعماء القرية ومخاتيرها بكل صدق ووفاء وطيبة، اجتاح الغازون الهمجيون من الانكشاريين البرابرة بيوت القرية بعد مقاومة بسيطة من بعض أهلها، ممن امتلكوا بنادق صدئة من مخلفات الحرب العالمية الثانية وتمكنوا من قتل أربعة من المهاجمين، بنادق اشتروها بعد بيع ذهب زوجاتهم، استشهد الأربعة الذين حملوا البنادق. بدأت العصابات... القتل، أطلقت الرصاص على الجميع.. كان من بين الضحايا نساء كثيرات، شيوخ من كبار السن وأطفال أطلق عليهم الرصاص...نياما، الحصيلة 366 ضحية من الفلسطينيين الأبرياء المعتدى عليهم وعلى أراضيهم ووطنهم.
غادرت العصابات القرية وقد ارتوت جزئيا من دماء أهلنا فهم متعطشون ونهمون.. وما زالوا لدمائنا... أشبعوا بعضا من شهيتهم للّحم الفلسطيني بدلا من عبق رائحة البن في أجواء القرية... انتشرت رائحة المذبحة والدماء والجريمة الهمجية. في الصباح.. سار من بقي حيا من أهالي القرية بمساعدة أهالي القرى المجاورة في تشييع جثامين الشهداء، هذا هو العدو الصهيوني... وهذه هي إسرائيل! نود إهداء ما سبق... للرئيس (المناضل) محمود عباس. ونتوجه إليك بالسؤال الأخير: ألم تدرك كل ذلك يا سيادة الرئيس؟ وأصررت على الإدانة؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6363
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2778
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2490
| 02 يونيو 2026