رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أبارك للجميع بالعيد السعيد وأشعر هذه المرة بفرحة حقيقية ربما لم تعشها الأمة منذ مائة سنة إذ يأتي العيد هذه المرة بطعم الحرية والوحدة والثورة ، وبرائحة الأمل أن يكون حاضر الأمة خيرا من ماضيها وأن يكون مستقبلها خيرا من حاضرها وأعز وأفضل، وأن ما كانته الأمة من الضعف وتحكم أعدائها فيها لم يعد بعد الثورات العربية الواعدة ممكنا أن يبقى أو يستمر.
جاء العيد والأمة تقدم القرابين من فلذات كبدها ومن خيرة أبنائها لتستعيد ما تبدد من شرفها ولتستدرك ما فات من خيراتها .. جاء العيد والأمة تحقق الإنجازات في شق هويتها المعنوي والعقدي والثقافي الذي يتأسس عليه كل أمل.. جاء العيد وهي تتحرر من طواغيت أفسدوها (وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)..
جاء العيد وقد كسرت الشعوب خوفها وأسقطت طواغيت ومعهم معادلات بقائهم وظلمهم.. بعد أن ظن أولئك الساقطون أن لهم الملك من دون الناس وأن الملك ما كان ولا وجد إلا لهم ولجوقتهم وبعد ظنوا أنهم باقون للأبد وأنهم يملكون القدر .. ولماذا لا يبقون والقوى الأجنبية والاستعمارية راضية عنهم ولا تفكر في تغييرهم أو في تثوير الناس عليهم وهي تسرح وتمرح وتتمتع بمقدرات الأمة دون رقيب ولا حسيب؟ ولماذا لا يأمنون على أنفسهم وعروشهم والجيوش مرقوبة أنفاسها ومحسوبة ترقياتها؟ ولماذا يقلقون والانقلابات قد توقفت منذ ثلاثين سنة أو يزيد؛ والانتخابات مسيطر عليها وعلى تزييفها، والرقابة الدولية مرفوضة باسم الوطنية والاستقلال والسيادة، والأحزاب المعارضة مدجنة كل منها قد رضي أن يلعب في إطار الاعتياد النمطي للمسموح؟ أما إن فكر الشعب في الثورة والتمرد فقوى الأمن والجيش ومن حولهم البلطجية والشبيحة جاهزون بمئات الألوف وما أعدوا إلا لمثل هذا اليوم وما تربوا ولا بنيت عقيدتهم الأمنية إلا على الولاء الشخصي للرئيس وابنه وحزبه وأذنابه .. ( وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ .. ) .
جاء العيد على الليبيين هذه المرة بدون معمر وبدون ابنه سيف الإسلام ؛ بدون معمر الذي لم يعمر في ليبيا إلا ليقهر شعبه ويذله ويعزله عن أمته وقضاياها .. وإلا بقدر ما يتراكم غضبهم ويتحضروا لطرده ومطاردته ويلجأوه إلى أخدود من الأرض أو للتلفع بثوب امرأة يتخفى فيه .. لم يعمر إلا بقدر ما يتهيأ الليبيون ويتأهلوا للاقتصاص منه ومن أبنائه وأذنابه .. جاء العيد بدون ابن القذافي سيف الإسلام الذي توعد شعبه بالويل والثبور وعظائم الأمور ، ولم يكن سيفا إلا للباطل وإلا للشيطان .. ومن يشابه أباه فما ظلم .. جاء العيد بدون هذا ولا ذاك ولا أولئك ..
جاء العيد على المصريين وقد خلعوا وها هم يحاكمون المتسمى حسني مبارك الذي لم يكن لشعبه وأمته إلا قبحا لا حسن فيه وإلا خسرانا لا بركة معه .. وها هم يطاردون فلول حزبه الذي تلاشى بعد أن تكاثر على المصريين بملايين النفعيين وخفافيش الظلام والدراكولات مصاصي الدماء وعملاء الصهيونية .. تلاشى كسراب بقيعة (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) ..
جاء العيد على التونسيين بعدما اقتلعوا الطاغوت وحاكموه وفضحوا عمالته للأجنبي وإدمانه المخدرات وسرقته أموال البلد وتحكم امرأة وأهلها فيه .. ذاك المسمى علي زين العابدين والذي ليس له في العلو والرفعة قدم ولا ساق ، ولا له في العبادة قيام ولا قعود ولا ركوع ولا سجود ، ولا تذكره الأمة إلا معطلا للحج محاصرا للمساجد ملاحقا للعبّاد قاتلا للدعاة مهجّرا للعلماء مانعا للحجاب ناشرا للفساد..
جاء العيد هذه المرة وفي اليمن وفي سوريا ثورتان واعدتان في عنفوانهما وتضحياتهما تعودان بذاكرتنا إلى جيل خير القرون الذين كان الفرق بين الحياة والموت عندهم كيقظة بعد نوم أو كنوم بعد يقظة في ساعة من قيلولة واسترخاء.. جاء العيد والثورتان تتصاعدان وينضم لهما كل يوم الحلفاء والأنصار وتتجذر شجرتهما وتورف الظلال .. ويرقبهما المسلمون ويتساءلون من التالي؟
هي المرة الأولى مرة منذ مائة عام أو يزيد تستعيد فيها الأمة ذاكرتها وهويتها وذاتها .. فاستحقت أن تفرح وأن تمرح .. أما دم الثوار وجهد الأحرار وعلى عزته وغلاوته فهو ليس أعز ولا أغلى مما تبشرنا به الأحداث ، ثم متى برئ جرح الأحرار ومتى رقأ نزفهم ؟ ألم تكن الأنظمة تسومهم سوء العذاب لأجل كلمة قالها أحدهم أو قيل إنه قالها ، ولأجل رأي أنبأ عنه أو قيل إنه أنبأ عنه؟ أو لأنه وجه نقدا أو ظن جاسوس صغير أنه وجهه؟ لكن العذاب كان عذابا بلا ثمن ؛ والدم كان دما بخسا زهيدا لا يرى حمرته إلا قلة من ثائرين يخشى الالتقاء بهم أو طرح التحية عليهم ..
الأمة اليوم تستحق أن تفرح بشبانها الذين لم يتحقق فيهم ظن القس " صمويل مارينوس زويمر " رئيس جمعيات التبشير الذي بشر أتباعه الـ1200 مندوب الذين جمعهم وقال لهم في مؤتمر القدس 1935 م : " إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها .. إنكم أعددتم نشئا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها وبالتالي جاء النشء الإسلامي مطابقا لما أراده الاستعمار لا يهتم بعظائم الأمور ، ويحب الراحة والكسل ، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب حتى أصبحت الشهوات هدفه في الحياة ، فهو إن تعلم فللحصول على الشهوات ، وإذا جمع المال فللشهوات ، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات .. إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات .. أيها المبشرون إن مهمتكم تتم على أكمل وجه .. "
فأين زويمر مما يفعله الشباب اليوم في سوريا وفي اليمن ومن قبل في تونس ومصر وليبيا .. !؟ أين زويمر ومكائده التي حاكها ونجاحاته التي زعمها ؟ أين هو من هؤلاء الشبان الذين يواجهون الموت لا يتردد أحدهم في المضي إليه ولا ينثني عن مراده وهو يعلم أنه صائر إلى مصيره ويرى نفسه لا تساوي - في نظر حكومته ورئيسه ونظامه - ثمن الرصاصة التي تقتله ؟؟
الأمة اليوم تفرح إذ ترى ثوراتها تحاصر " إسرائيل " وتخيف الاحتلال وتجبره على التعاطي مع مصر ومع تطبيقات كامب ديفد بطريقة تتماءل للندية التي لم يطمع الشعب المصري والشعوب من حوله في عشر معشار ما تحقق منها ؟ تفرح الأمة إذ ترى الاحتلال يعترف بالتغييرات ويحسب حسابها .. قالت جريدة "واشنطن بوست" الأمريكية – الأحد الماضي - 28 / 8 في تقرير أوردته على موقعها الإلكتروني على شبكة الإنترنت " إن ثمة إدراكا متناميا في إسرائيل بأن الحفاظ على علاقات مع مصر ما بعد الثورة لم يعد يعتمد على تنمية العلاقات مع قادتها، بل بتبني مواقف تكون مقبولة بشكل أكبر بالنسبة للمواطنين المصريين العاديين والقوى السياسية المختلفة الناشئة في هذا البلد بعد الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك " الجريدة نقلت أيضا عن مسؤولين " إسرائيليين " قولهم: " إنهم ينظرون بعين الاعتبار إلى الصوت الحازم الجديد للرأي العام في مصر وتأثيره على قيادة البلد " .
آخر القول : صحيح أن في هذا العيد أسى وفي الأمة دماء ودموعا وجوعا .. لكن الفرحة تغلب الأسى إذا تذكرنا أن ذلك كان يحدث دائما بدون ثمن وبدون أن يتنبه له أحد .. والفرحة تغلب الأسى إذ يصير للدماء لون الدم وريح المسك وزكاوة المعنى ، والفرحة تغلب الأسى إذ يصير قطار الأمة اليوم على السكة وما بقي إلا أن يصل .. والفرحة تغلب الأسى إذ يكتشف شبابنا ذاتهم ويكسروا خوفهم ويخرجوا عن صمتهم.. والفرحة تغلب الأسى إذ نرى الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.. قد صب عليهم ربك سوط عذاب (إن ربك لبالمرصاد) .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9402
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2223
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026