رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جرى العرف في بلادنا أن تعمل النخب العسكرية من وراء ستار، فلا يكاد يعلم طبيعة نفوذها أحد، ولا يكاد يدرك كنه صلاحياتها أحد، فهي لا تكاد تفتح ملفاتها على الملأ، ولا تقبل أن تعامل معاملة سائر مؤسسات الدولة من حيث الخضوع للرقابة، فلدى رجال هذه النخبة قناعة بأنهم فوق المحاسبة، يساعدهم على ذلك أنهم يضعون أيديهم على القوة المسلحة التي تتضاءل أمامها كافة القوى، فضلا عن كونهم يمتلكون ولاء أتباعهم المطلق في إطار من التراتبية الصارمة التي لا تكاد تعرفها سائر المؤسسات الأخرى.
وكذلك جرى العرف أن تتغاضى جماهيرنا عن هذه الطبيعة الغامضة للنخب العسكرية، على اعتبار أن ذلك مما يتناسب مع الخطورة "المفترضة" لما يقومون به من مهام. حتى ساد بين الناس ما يشبه القناعة بأنه لا مانع من أن تبقى هذه النخب بعيدة عن المساءلة والمحاسبة طالما ظلوا بعيدين عن السياسة واكتفوا بمواقعهم الحصينة خلف ستار الحكم.
إلا أن هذه المعادلة سرعان ما تتغير عندما تقرر هذه النخب اقتحام المشهد السياسي وتسيطر مباشرة على الحكم، أي عندما تختار أن تنتقل من مؤخرة المسرح السياسي إلى مقدمته، فعند ذلك تصبح أقرب إلى عيون الجماهير، وتخضع بشكل أكبر لمراقبتهم ومحاسبتهم. وهذا كما لا يمثل وضعا مريحا للمحكومين فإنه لا يشكل وضعا مثاليا بالنسبة للعسكريين أيضا، فتصدرهم للمشهد السياسي يعني أن أخطاءهم سوف تظهر على نحو أوضح وأن ما يتمتعون به من تأييد شعبي سوف يتعرض للتآكل على نحو أسرع.
ويبدو أن هذا هو حال النخبة العسكرية في مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو. فقبل هذا الانقلاب كان كثير من المصريين راغبين وراضين أن تظل التفاصيل التي تخص هذه النخبة محاطة بالسرية اللازمة، صحيح أن البعض كان يتساءل عن ميزانيتها وعن سبب عدم خضوعها للرقابة، إلا أن معادلة "الأمن في مقابل الصمت" كانت تفرض على الجميع أن يبتلعوا ألسنتهم وألا يعلنوا ما يفكرون فيه.
بل إنه في الوقت الذي كان ينظر فيه إلى مؤسسة الشرطة على أنها إحدى مؤسسات النظام القديم الذي قامت ضده الثورة، كان ينظر إلى النخبة العسكرية على أنها جماعة وطنية، لا تحسب على أي من القوى السياسية المتنافسة على الحكم. وقد ازداد تمسك الكثيرين بهذه القناعات عندما رأوا القادة العسكريين يعترفون بثورة يناير، ويضعون أنفسهم فيما بدا وقتها أنه موقف محايد بين الفرقاء السياسيين.
صحيح أن هذه القناعات قد تخلخلت خلال فترة حكم المجلس العسكري، إلا أن الأعذار كانت عادة ما تلتمس للعسكر عن الأخطاء الكثيرة التي تسببوا فيها. وكانت هذه الأعذار من نوعية "أنهم غير مؤهلين للتعامل مع المدنيين"، و"أن وقوع الضحايا جراء الاشتباك معهم هو نتيجة غير مقصودة أو متعمدة من جانبهم"... إلخ.
الشرخ الحقيقي تجاه هذه النخبة حدث بعد الانقلاب الأخير، فاقتحامهم للمشهد السياسي أطلق الألسنة والأسئلة، وأزال قدرا كبيرا من القدسية التي كان كثير من المصريين يخلعونها طواعية على نخبتهم العسكرية "المتجردة من الأطماع والتي لا تنحاز لأي فصيل على حساب مصلحة الوطن".
فمنذ اللحظة الأولى من عمر الانقلاب ظهر انحياز القيادة العسكرية لفصيل دون آخر، وبدا واضحا أن للعسكر تفضيلاتهم السياسية، وأنهم ليسوا فوق الخلافات الحزبية كما كانوا يدعون، فقد اختاروا طرفا وعادوا الطرف الآخر، وحموا طرفا وسفكوا دماء الطرف الآخر، وأضفوا شرعية على طرف فيما دمغوا الطرف الآخر بالإرهاب والتطرف. فأصبحت النخبة العسكرية بفعل هذا الانحياز الواضح طرفا في العملية السياسية وليس مجرد مراقب لها، كما تحولت إلى أحد عوامل الفوضى بعد أن كان دورها المعلن هو حماية الاستقرار.
الأهم أنه بدخول العسكر إلى ساحة السياسة فقدوا تقريبا معظم مزايا كمونهم وراء الستار، فقد صار لزاما عليهم أن يخرجوا على مؤيديهم عبر الإعلام وأن يتحدثوا إليهم عن خططهم وأهدافهم. ولكنهم كلما تحدثوا أكثر أخطأوا أكثر، فالكلام ليس حرفتهم، ومواجهة الجماهير ليست الفن الذي يبرعون فيه. حتى أصبحت القاعدة أن المزيد من تصريحات قادة الانقلاب سوف يسفر لا محالة عن المزيد من المشاكل.
من ناحية أخرى أصبح الناس الآن أكثر فضولا لمعرفة ما يخص هذه القيادة الانقلابية التي فرضت نفسها عليهم بالقوة، فأطلقوا لأنفسهم العنان في التساؤل حول علاقتها بمؤسسات العهد القديم، ودورها في إطار الدولة العميقة، وهل كانت بالفعل تختلف عن مؤسسة الشرطة أم أنهم يمتلكون نفس العقيدة الأمنية؟ كما صار عوام الناس يتناقشون حول ميزانيتها وكيف تنفق، وعن المساعدات الأمريكية وفيم تخصص، وكيف يعاد تدويرها داخل الاقتصاد الخاص بهذه النخبة. وارتفع حاجز الجرأة فبدأ البعض في التساؤل حول ما إذا كان الأجدى أن تتحول المعونة التي تخصص لشراء سلاح لا يستعمل إلى شراء القمح أو بناء المصانع، وحول ما إذا كان ما تحتاجه البلاد هو المزيد من الأسلحة المعقدة أم الحصول على مساعدات مدنية ومنح لتدريب موظفي الدولة على نظم الحكم والإدارة.
كما تفجرت تساؤلات تحاول أن تفهم سر الصداقة الغريبة بين أفراد من هذه النخبة ونظرائهم من قادة "العدو الصهيوني"، وعن تفسير خروج المتحدث باسم النظام الانقلابي على التلفزيون الإسرائيلي لكي يؤكد ما تقول به إسرائيل من أن المقاومة الفلسطينية هي تنظيم إرهابي.
كل ما سبق يشير إلى معنى واحد وهو أن النخبة الانقلابية قد فعلت الأسوأ، ليس فقط بالنسبة للبلاد ولمستقبلها ولكن بالنسبة لهم ولمستقبلهم أيضا.
فقد وضعوا أنفسهم تحت مجهر كانوا بمنأى عنه، وصار انتقادهم حقا مكتسبا بعدما كان مجرد التفكير فيه أمرا مستبعدا.
لقد كان رصيد هذه النخبة لدى الجماهير نابعا من انغلاقها على نفسها وبعدها عن الأضواء، لكن أما وإنهم قد أبوا إلا أن يتصدروا المشهد السياسي فقد أصبح عليهم أن يواجهوا انتقادات لم يعتادوا على مواجهتها، وسخطا لا يتوقع أن يتمكنوا من إرضائه، خاصة في ظل أدائهم الحالي الذي تردى بالبلاد إلى أسوأ مما كانت عليه وقت أن قاموا بانقلابهم.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2317
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
933
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
828
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026