رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المراجعات مطلوبة في زمن رسم الخرائط الجديدة للمنطقة، والسؤال الآن هو: هل نحن جاهزون لذلك أم لا؟
(١)
في الثلاثين من شهر يوليو الماضي نشرت جريدة "الشروق" مقالة للأستاذ جميل مطر ــ المحلل السياسي ــ انتقد فيها غياب مصر عن الخرائط الجديدة التي تشكلت في المنطقة، خصوصاً في علاقاتها بإيران، وقال صراحة إنها التزمت بصداقات دولية وإقليمية جعلتها تصطف في الجانب المخاصم لإيران، مشيراً إلى الدور الذي لعبته واشنطن في ذلك. وكانت النتيجة أن مصر رغم وزنها الكبير ابتعدت عن متابعة ما يحدث من تطورات داخلية في إيران على مختلف الأصعدة. ودعا الكاتب في ختام مقالته إلى مراجعة مصر لموقفها وتصوير الخطأ الذي وقعت فيه خلال العقود الثلاثة الماضية، بحيث يصبح في مقدورها أن تسهم في تشكيل بيئة إقليمية جديدة في الشرق الأوسط.
هذا الكلام الجديد نسبياً بين المحللين السياسيين المصريين كان له صداه السريع في الساحة السعودية. فقد نشرت صحيفة "الحياة" اللندنية مقالة مؤيدة له يوم ٢ أغسطس للكاتب السعودي البارز داود الشربان، قال فيها ما يلي: ما قاله جميل عن كسب مصر خصومات دول بسبب انحراف سياستها الخارجية وراء صداقات دول كبرى ينطبق على آخرين (لاحظ الإشارة).. ومن يقرأ تاريخ العلاقات العربية التركية والعلاقات العربية الإيرانية خلال العقود الخمسة الماضية سيجد أن تلك العلاقات تتذبذب صعودا وهبوطا استنادا إلى تأثر هذه العلاقة بمصالح ورغبات دول أخرى.. ولك أن تتخيل حال الوضع في الشرق الأوسط والخليج تحديدا، لو أن مصر والسعودية ظلتا على علاقة منفتحة مع إيران وتركيا خلال العقود الماضية. لكن الذي حدث أن البلدين فرطا بهذه الفرصة من أجل دول كبرى، وأحيانا دول شقيقة صغيرة تحرض على إيران في العلن، في حين تقيم معها علاقات تصل إلى حد الشراكة، وختم الكاتب مقالته بقوله إن انفتاح السعودية على مصر وإيران والتفاهم معها بشكل مباشر يصب في مصلحة الأمن القومي للبلدين والأمن الإقليمي في المنطقة. فضلا عن أن انفتاح القاهرة على طهران يجب ألا يثير حساسية سعودية، وانفتاح الرياض على أنقرة يجب ألا يغضب مصر، طالما أن البلدين جناحان في جسد واحد.
(٢)
هذه لغة جديدة في الإعلام المصري والسعودي تتجاوز الخطوط الحمراء التي استقرت في وسائل الإعلام. صحيح أنها لا تعني حدوث أي تغير سياسي في مواقف البلدين، وأن الكاتبين يعبر كل منهما عن رأيه الخاص ولا يحسب على دوائر صنع القرار في مصر أو السعودية، إلا أننا نعلم جيدا أن إطلاق دعوات من ذلك القبيل الذي عبر عنه الكاتبان لم يكن مرحبا به أو غير مسموح به بين السياسيين فضلا عن المثقفين. ناهيك عن أن الاقتراب من الملف زاوية التقارب ومد الجسور ظل بمثابة مغامرة تكلف صاحبها الكثير وتفتح عليه أبواب التشكيك والتنديد والاتهام، ولا ينبئك في ذلك مثل خبير. وحين تصدر الدعوة عن كاتبين مستقلين نجا كل منهما من لعنة التصنيف وأختام الاعتماد والتنميط، فإن ذلك له أهميته الخاصة التي لا تخفى دلالتها. في هذا الصدد أزعم بأن الدعوة التي تم إطلاقها تستدعي عدة ملاحظات منها ما يلي:
* إن مفاجأة الاتفاق بين واشنطن ومعها الدول الكبرى من ناحية وطهران من ناحية ثانية هزت بعض أعراف السياسة الخارجية في الدول العربية والخليجية منها بوجه أخص. وأحدثت الهزة حالة من الإفاقة لدى الجميع، نبهتهم إلى أن ثمة خرائط وتوازنات جديدة في المنطقة، الأمر الذي فتح الأبواب واسعة لمراجعات شملت ما بدا أنه أعراف أو «ثوابت» في المرحلة السابقة. وما عبر عنه الكاتبان يدخل ضمن تلك المراجعات.
* إن المراجعات لا تعني بالضرورة اتفاقا في السياسات، لكنها تعني أمرين بالدرجة الأولى هما إعلاء المصالح الإستراتيجية العليا من ناحية، وترشيد أسلوب إدارة الاختلاف من ناحية ثانية، كما أنها تحتمل من ناحية ثالثة القبول بالاتفاق فيما هو مرحلي مع استمرار الاختلاف حول ما هو نهائي. وهو الحاصل الآن مثلا في علاقة واشنطن مع طهران التي ينطبق عليها ذلك التوصيف. إذ رغم اتفاقهما في الوقت الراهن إلا أن كل طرف له أهدافه المغايرة في نهاية المطاف.
* إن الكاتبين اتفقا على أن مخاصمة الدول العربية لإيران لم تتم بناء على تقدير وحسابات للمصالح العليا لدول المنطقة بقدر ما كان ذلك تجاوبا وانصياعا ــ بالدرجة الأولى ــ لسياسة واشنطن وحساباتها.
* في الحالة المصرية على الأقل فإن المؤسسة الأمنية التي كانت لها الكلمة العليا في التعامل مع الملف الإيراني ضمن ملفات أخرى حساسة، أخطأت في الحساب والتقدير، وقدمت المصالح الأمنية الضيقة على اعتبارات الأمن القومي الأمر الذي أدى إلى تهميش دور مصر وأتاح الفرصة لبناء الأمن الإقليمي في المنطقة بعيدا عنها.
(٣)
لا أستطيع أن أفصل بين رياح المراجعات التي تلوح في الأفق وبين الزيارة التي قام بها لمصر هذا الأسبوع (الأحد ٢/٨) وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ورغم أنها قدمت في الإعلام المصري بأنها استئناف للحوار الاستراتيجي الذي انطلق عام ١٩٨٨، إلا أن إشارات عدة دلت على أن الشأن الإقليمي في الزيارة كان نصيبه أوفر من الشأن المحلي، بكلام آخر فإن زيارة الوزير الأمريكي التي استغرقت يوما واحدا ركزت على علاقات مصر بدول الإقليم بأكثر مما تناولت الأوضاع الداخلية في مصر. وهو الجانب الذي أبرزته بعض الصحف المصرية. صحيح أن الرئيس المصري أصدر قانوني مباشرة الحقوق السياسية ومجلس النواب قبل ٢٤ ساعة من وصول السيد كيري (يوم السبت ١/٧)، وهو ما قد يكون مجرد مصادفة، إلا أنه يمكن أن يقرأ بحسبانه إشارة إيجابية إلى اعتزام مصر الالتزام بالنهج الديمقراطي، وهو الأمر الذي يثير لغطا من جانب بعض النواب الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي، إلى جانب ملفات أخرى تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان وسقف الحريات المتاح في مصر. وهو ما تحدث عنه كيري في مؤتمره الصحفي.
التقرير الذي نشرته جريدة «الشروق» للزميلة دينا عزت في اليوم الأول من أغسطس ربما كان الأكثر دقة في تغطية زيارة وزير الخارجية الأمريكي. إذ وصفتها بأنها بمثابة «عودة محدودة» للحوار الاستراتيجي بين البلدين الذي بلغ ذروته في تسعينيات القرن الماضي. وأشار التقرير إلى أن كيري سيبحث في القاهرة دور مصر في مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة بالتعاون مع حلفاء أمريكا الإقليميين الآخرين بما في ذلك تركيا وإسرائيل. أضاف أن كيري سيطرح على القاهرة بخاصة خلال لقائه مع الرئيس السيسي آفاقا لتعاون إقليمي يكون للقاهرة وطهران دور واضح فيه، خاصة فيما يتعلق بمحاربة تنظيم داعش. ونقل التقرير عن دبلوماسي أمريكي قوله إن الوضع الآن أكثر ملاءمة لترتيب ذلك التعاون، بعدما أخذت إيران على نفسها تعهدات واضحة في إطار التفاوض مع الدول الست بشأن عدم استهداف الأمن القومي لحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل ومصر والسعودية.
خلص التقرير المنشور إلى أن «داعش وإيران وكذلك سوريا واليمن وتطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة ستكون المحور الأساسي لما تصفه المصادر المصرية والأمريكية بالنقاشات الموسعة التي ستدور بين الوفدين المصري والأمريكي في جولة الحوار الاستراتيجي».
[* ملحوظة هامشية: في كل ما نشر عن الزيارة فإن الإعلام المصري تجاهل تماما ولم يشر بكلمة إلى دعاوى تآمر الولايات المتحدة على النظام المصري وتعاون المخابرات المركزية الأمريكية في ذلك مع التنظيم الدولي للإخوان ودعم واشنطن للجماعة، إلى غير ذلك من الدعاوى التي جرى تسويقها في وسائل الإعلام طوال العام الماضي].
(4)
هي مصادقة لا ريب، أن ترتفع بعض الأصوات في العالم العربي داعية إلى إعادة النظر في المواقف وتغليب الرؤية الإستراتيجية في التعامل مع إيران وتركيا باعتبارهما دولا كبرى محورية في المنطقة، وأن يتزامن ذلك مع جولة وزير الخارجية الأمريكي التي أثارت نفس الموضوع. وهو ما يسوغ لي أن أقول بأن ثمة استشعارا لفض الاشتباك وإنهاء العداوات والاحتراب الداخلي بين الدول المهمة في المنطقة، لأن ثمة خطرا متناميا يهدد الجميع تمثله داعش والجماعات الإرهابية المماثلة.
لا تفوتنا هنا ملاحظة أمرين من الموقف الأمريكي، الأول أن الرئيس باراك أوباما يقترب من انتهاء ولايته الثانية، وهو يسعى جاهدا لتعزيز إنجازاته السياسية التي سيدخل بها إلى تاريخ الولايات المتحدة، وهو ما تمثل حتى الآن في إعادة العلاقات المقطوعة مع كوبا منذ خمسين عاما، وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران. وهو يريد أيضا ترتيب أوضاع الشرق الأوسط بحيث تتولى دوله أمرها، لكي ينصرف للتعامل مع التحدي الأكبر الذي باتت تمثله الصين. إذ بالمقارنة فإن صراعات الشرق الأوسط باتت هما هامشيا وفرعيا إذا قورن بالهم الأساسي الذي تلوح به الصين الصاعدة بقوتها الاقتصادية وتطلعاتها السياسية في شرق آسيا.
الأمر الثاني أن الإدارة الأمريكية أدركت أن مؤشرات الصراع العربي الإسرائيلي تراجعت بشكل ملحوظ في المنطقة، وأن تفاهمات إسرائيل المعلنة وغير المعلنة مع بعض الدول العربية المهمة وصلت إلى درجة غير مسبوقة في التنسيق وتبادل المصالح، خصوصا مع مصر، حتى أصبحت إسرائيل تصنف ضمن محور الاعتدال في المنطقة. وهو ما دفع واشنطن إلى تأييد إنهاء عمل القوات متعددة الجنسيات الموجودة في سيناء لضبط الحدود المصرية الإسرائيلية (طبقا لاتفاقية السلام الموقعة عام ١٩٧٩). إذ اعتبرت أنه لم يعد هناك مبرر لاستمرار وجود تلك القوات في ظل التفاهمات الحاصلة بين مصر وإسرائيل (مصر عارضت الاقتراح).
لسنا نتحدث عن أقدار مكتوبة ولا عن أوضاع مفروضة ولكن الأكيد أننا بصدد رياح تهب وتفاعلات تلوح في الأفق وسيناريوهات تعد لمستقبل المنطقة التي نحن جزء منها، وعلاقتنا بذلك كله ــ سلبا أو إيجابا ــ محكومة بالإرادة السياسية أولا وبمقدار عافيتنا وحصاناتنا على أرض الواقع ثانيا. كما أنها محكومة أيضا بقدرتنا على تحري المصالح الإستراتيجية العليا وعزوفنا عن الاستدراج إلى التورط في الحسابات الآنية والضيقة. إلا أن السؤال الذي أكرره دائما ولا يمكن تجاهله في هذا السياق هو: هل تستطيع أن تتصالح الحكومات مع محيطها قبل أن تتصالح مع شعوبها؟
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026