رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شاهدت على شاشات المحطات الفضائية من وقائع القتل الممنهج والشديد القسوة من قبل قطعان بني صهيون في قطاع غزة ما يندى له الجبين الإنساني. وبالطبع هم مجردون من كل إنسانية ولا يهمهم مثل هذا الخطاب. وهو ما يؤكده وجودهم غير الشرعي في فلسطين. كل فلسطين. منذ أكثر من قرن مارسوا فيه أبشع أشكال الاغتصاب للحقوق والانتهاك للأرض والحجر والشجر.
هل رأيتم في التاريخ الإنساني وقائع تشبه وقائعهم؟ لا أظن. وما صرخ به غير فلسطيني وفلسطينية فقدوا أحبتهم شهداء أو جرحى أو فقدوا مأواهم الوحيد في القطاع لا يعبر سوى عن بعض الألم لكن كل الألم مازال مستورا في الأفئدة سيخرج يوما عندما تهب رياح انتفاضة حقيقية أو حراك شعبي حقيقي منظم ومرتب له ليقتلع جذور هذا الاحتلال الأسود والهمجي والدموي والذي لا ينهض أو يستمر إلا على جماجم الفلسطينيين خاصة أطفالهم ونساءهم وكبارهم وبالتأكيد شبابهم مثلما شاهدنا من عمليات إبادة جماعية في مناطق خزاعة والشجاعية ورفح وغيرها من مناطق ومدن قطاع غزة الأسطوري في صموده.
كانت صرخات رجال ونساء غزة موجهة إلى العرب. الأشقاء العرب. متسائلة عن سر غيابهم عن المشهد. عن مبرر لوقوفهم عاجزين عن أي فعل إيجابي ينقذهم مما هم فيه. عن شهامة كانت سائدة في الأزمنة القديمة وفي التاريخ القريب. لكنها الآن باتت مغيبة إلا من بيان هنا أو استنكار هناك. أو حتى إرسال كميات من الأغذية والأدوية إلى سكان القطاع وأحسب أن هذه التساؤلات والصرخات صحيحة لأن الأشقاء العرب لم يقدموا منذ عقد الاجتماع الطارئ لوزراء خارجيتهم في القاهرة بعد اندلاع العدوان في الثامن من يوليو الماضي بحوالي أسبوع. ما يمكن اعتباره رادعا لعدوان قطعان بني صهيون على غزة إن لم يسهم في إطالة أمده بما نتج عنه من قرارات هزيلة انصبت في أغلبها. فضلا عن المطالبة اللفظية بوقف العدوان. على التوجه إلى الولايات المتحدة والأمم المتحدة لممارسة الضغوط على الكيان لوقف عدوانه.
لقد جاء إلى المنطقة جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة وأخذ يتحرك بين القاهرة ورام الله والقدس المحتلة وباريس. وهو الأمر نفسه ما فعله بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة . وإن لم يشارك في اجتماع باريس ولم تسفر جهودهم وجهود غيرهما من الأطراف الدولية التي توصف في العادة بأنها تمتلك أدوات التأثير في المشهد الإقليمي إلا عن "تهدئات إنسانية"
لا تستمر سوى بضع ساعات وفي بعض الأحيان أقل من ذلك بكثير ثم يسارع قطعان بني صهيون إلى خرقها وممارسة آلة القتل والتدمير في شعب أعزل ومنازل غير محصنة.
شخصيا ليس لدي ثقة في المدعو كيري أو أركان إدارة أوباما أو غيره من الإدارات السابقة واللاحقة. فكلهم عناوين فضفاضة لقوة دولية سرعان ما تنكمش أمام الوحش الصهيوني الرابض في مجموعات الضغط بواشنطن. ورجال الأعمال اليهود المتوغلين في أهم قطاعات الاقتصاد الأمريكي والقادرين على التأثير على المسارات الانتخابية سواء على مستوى التشريع أو الرئاسة. لذلك فالكل يضع اعتبارا لأموالهم وتأثيرهم. ومن ثم ليس ثمة مجال لإغضاب الكيان أو دفعه لاتخاذ خطوات تتعارض مع مشروعه الاستعماري الاستيطاني في فلسطين وفي عموم المنطقة العربية. ولا أظن أن أفضل دليل في هذا السياق يتمثل في قيام الكونجرس باعتماد المبالغ المطلوبة لتعزيز فعالية القبة الحديدية في الكيان. والتي لم تظهر بصورة أكثر نجاعة في مواجهة صواريخ المقاومة. وإن لم تخني الذاكرة. تجاوزت الـ700 مليون دولار. بالإضافة إلى الموافقة على طلب لحكومة الكيان بتزويد جيشها بكميات إضافية من الذخائر وهي بالمناسبة مخزنة في فلسطين المحتلة 1948 لحالات الطوارئ التي تتعلق بخطط الولايات المتحدة في المنطقة. لكن إدارة أوباما رأت أن يتم تقديم الكميات المطلوبة من هذه الذخائر المخزنة التي سيتم تعويضها لاحقا من مخازن البنتاجون في واشنطن وغيرها من المدن الأمريكية . فهل ثمة ما هو أبشع من ذلك. ثم تريدني أن أقتنع بمصداقية تحرك واتصالات كيري لوقف إطلاق النار. بينما إدارته تصب المزيد من الزيت والوقود والذخائر عير ما تزود به الكيان من أفتك الأسلحة والعتاد العسكري. هل هذا هو دور الوسيط النزيه الذي ارتضاه العرب للأسف منذ التوقيع على اتفاقيات السلام المشؤومة. بداية من كامب ديفيد مرورا بوادي عربة وصولا إلى أوسلو. فضلا عن ذلك فإن كيري نفسه هو الذي عجز عن تحقيق وعوده بالدخول في مفاوضات سلام ثنائية بين دولة فلسطين. والكلام من عندياتي فإدارته لا تعترف بإطلاق مسمى الدولة على السلطة الوطنية بقيادة الرئيس محمود عباس أبو مازن – والتي استغرقت تسعة أشهر. دون أن يتمكن من تحريك الموقف الصهيوني سنتيمترا واحدا باتجاه ما تم التوافق عليه من مبادئ وقواعد قبل البدء في المفاوضات. فكيف يكون قادرا وإدارته منحازة بكل هذا القدر من الانحياز وإعلانها في أوج العدوان أنها ملتزمة بأمن الكيان على تحقيق وقف إطلاق النار. بل إن أوباما هو صاحب فكرة نزع أسلحة المقاومة في غزة. وهو ما جعل منها. كبير قطعان بني صهيون بنيامين نتنياهو.عنوانا لطروحاته في معالجة الأزمة من منظوره المتطرف والمجرد من الإنسانية. على نحو تجاوز بكثير ممارسات أدولف هتلز الزعيم النازي الألماني في ثلاثينيات القرن الفائت أما بالنسبة للأمم المتحدة فإنه رغم النوايا الحسنة لأمينها العام "بان كي مون: "صاحب الابتسامة المرسومة بإتقان ولكن من دون أي حرارة ولا تعرف لمن هي موجهة. فإن معضلته الكبرى تكمن في أن يردد طروحات تساوي دوما بين الضحية والجلاد القاتل والمقتول وهو ذات الكلام الذي تسوقه الدبلوماسية الأمريكية والغربية في كل المناسبات والحروب التي وقعت بين العرب والفلسطينيين من ناحية وقطعان بني صهيون. فمن الضروري مراعاة حق الكيان في الوجود أو في الدفاع عن ذاته والمحافظة على أمنه. وعليه في المقابل أن يتوقف عن القتل المفرط وحتى عندما دكت مقاتلاته المدارس التابعة للأونروا وهي المنظمة الدولية المسؤولة عن اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة والتي تستجدي موازنتها. لم نقرأ إلا بيانات فضفاضة من قبل كي مون وغيره من مسؤولي المنظمة الدولية. دون أن يكون ثمة تهديد واضح باتخاذ إجراءات محددة ضد الكيان في حال تكراره قصف هذه النوعية من المدارس التي تؤوي آلاف النازحين عن منازلهم المدمرة في قطاع غزة.
إذا كانت ملامح أيام الدم والجمر والعدوان في غزة على هذا النحو فمن ينقذهم؟
ليس أمام الشعب الفلسطيني. سواء في ضفته أو في قطاعه إلا الاعتماد على الله ثم على نفسه. مستمرا في صموده مبدعا أشكالا جديدة من المواجهة مع العدو قد تصل في مرحلة لاحقة -إن لم تسفر اجتماعات القاهرة التي يشارك فيها وفد فلسطيني. ممثلا لكافة الفصائل بما في ذلك حماس والجهاد عن نتائج جادة لوقف العدوان على قواعد تتلامس مع المطالب المشروعة لهذا الشعب – إلى مستوى إطلاق انتفاضة ثالثة تقوم على المواجهة السلمية لإحراج العدو وهي تلوح نذرها في الأفق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2451
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1926
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1725
| 24 مارس 2026