رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الاتحاد أمنية قلبية أم واقع تفرضه التحديات؟ مجلس التعاون لم يرق إلى الطموحات والتطلعات الخليجية معظم التجارب الوحدوية فشلت في العالم العربي؟!
من الخارج تبدو الأصوات توحدت في معظم الصحف ووسائل الإعلام الخليجية التي تطالب أغلبها هذه الأيام إلى تطبيق الكونفدرالية (Confederation) بين دول مجلس التعاون. الحل الكونفدرالي فرضته الأوضاع الجديدة التي تعصف في المنطقة العربية وتغيير من أوضاعها الجيوسياسية الجيوستراتيجية والجيوقتصادية الحالية والمستقبلية، بالإضافة إلى مواجهة مخاطر الأطماع الخارجية المتزايدة نحو التدخل في شؤون بعض الدول الخليجية والتصدي للتهديدات المختلفة لأمنها وسيادتها واستقلالها وهو ما بدا واضحا في ساحة الأحداث البحرينية الأخيرة، والكشف عن الشبكات التجسسية والتخريبية النائمة في الكويت، ومواصلة فرض الأمر الواقع في وضع اليد واحتلال الجزر الإماراتية ورفض اللجوء إلى التحكيم الدولي. الاقتراحات التي يتم تداولها تتباين بين رابطة أعضاؤها دول مستقلة ذات سيادة والتي تفوض بموجب اتفاق مسبق بعض الصلاحيات لهيئة أو هيئات مشتركة لتنسيق سياساتها في عدد من المجالات، وفيها يتم توحيد السياسات الأمنية والدفاعية والخارجية، بحيث تكون هناك وزارة واحدة للخارجية تتولى تنظيم علاقات مجلس التعاون بالدول الأخرى وتمثل كل دول المجلس لدى الدول الأخرى بسفارة واحدة، كما سيعهد إلى أجهزة الاختصاص إصدار جوازات سفر موحدة لمواطني الخليج. بالإضافة لتوجه لتحويل قوات "درع الجزيرة" إلى قوة تدخل سريع مع تعزيزها وتطوير قدراتها التسليحية والقتالية والتعبوية لتصبح قوة عسكرية ضاربة أكثر قدرة على ردع التهديدات الإقليمية وإحباط أي مؤامرات أو خطط لإثارة الفتن والقلاقل في أي من البلدان الستة. وتوحيد التدريبات القتالية مع إجراء مناورة عسكرية كبرى وموسعة تضم كل القوات البرية والبحرية والجوية وتشارك فيها مختلف القطاعات العسكرية على أن تقام سنويا في إحدى دول مجلس التعاون بالتناوب كما ذكرت صحيفة "السياسة" الكويتية.
لكن رغم المطالب الشعبية بممارسة دور اكبر لدول مجلس التعاون في خضم عواصف الثورات العربية، إلا أن تصريحات كبار المسئولين تشير أن الأمر غير مطروح على طاولة البحث، وهو أمنية قلبية وليس واقعا يفرض نفسه. وهناك من يقلل من حجم الفكرة وتأثيرها، فالدور الذي يقوم به مجلس التعاون الخليجي هو أشبه ما يكون بالاتحاد الكونفدرالي بل هو تجاوز حتى صلاحيات الكونفدرالية كما حصل في أحداث البحرين باستخدام قوته الدفاعية في التدخل لحفظ الأمن الداخلي لإحدى دوله في ممارسة أقرب لممارسات فدرالية متحدة؟! وخلال الثلاثين سنة الماضية من تأسيس منظومة مجلس التعاون الخليجي مازالت التحديات الرئيسية تطرح نفسها دون وجود قرارات مصيرية حقيقية من الناحية السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، واختلاف المواقف نحو القضايا الإقليمية والعربية والدولية، والخوف على انتقاص السيادة الوطنية والمشاركة في صناعة القرارات وتقديم التنازلات السياسية، وقناعة بعض دول الخليج في الانفراد في التحركات الداخلية والخارجية وانكماش دول أخرى داخل منظومتها الوطنية دون انفتاح على العالم الخارجي، بالإضافة إلى عرقلة تنفيذ عملية التكامل الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل للمنظومة الاقتصادية لكل دولة خليجية وتعطل ظهور العملة الخليجية المشتركة نتيجة مصالح خاصة لبعض الدول. والنزاعات الحدودية البرية والبحرية التي مازالت قائمة حتى بعد العقود الطويلة من استقلال كل دولة بحدودها وهو ما يعطل إنشاء جسر يربط بين دولة خليجية وشقيقتها.
لقد فشلت كل المحاولات التي فرضت من فوق قمة الهرم في توحيد الدول الأوروبية منذ الإمبراطورية الرومانية إلى إمبراطورية شارلمان الفرنكية والإمبراطورية الرومانية المقدسة رغم أنها استمرت لمئات السنين، إلى سيطرة نابليون في القرن التاسع عشر، ووصولا إلى أربعينيات القرن العشرين تحت مدافع النازية ألمانية. الوحدة وان تم الترويج لها من قبل النخب السياسية والثقافية لم يكن لها إلا وجود لفترات تاريخية قصيرة وانتقالية ثم تلاشت واختفت وغالبا ما يلعنها التاريخ. إلا أن جاء الإيمان "عملا ونية" بدور الإنسان الحر في عملية الاختيار، وحرية الشعوب في تقرير المصير. لقد تم إحياء الروح الجديدة في الوحدة عن طريق الاستحقاقات الإنسانية لبناء اتحاد ديمقراطي حضاري، وتم الإجماع على الشروط الذهبية في تفعيل مبدأ الوحدة الأوروبية في منظومة الاتحاد الأوروبي ودستور غير مكتوب يسمح بالتنوع والتناغم، فسياسيا: على الدولة المترشحة للعضوية أن تتمتع بمؤسسات مستقلة تضمن الديمقراطية وعلى دولة القانون أن تحترم حقوق الإنسان وحقوق الأقليات. واقتصاديا: وجود نظام اقتصادي فعال يعتمد على اقتصاد السوق وقادر على التعامل مع المنافسة الموجودة ضمن الإتحاد. وتشريعيا: يجب على الدولة المترشحة للعضوية أن تقوم بتعديل تشريعاتها وقوانينها بما يتناسب مع التشريعات والقوانين الأوروبية التي تم وضعها وتبنيها منذ تأسيس الإتحاد. ورغم كل ذلك هناك مخاوف من أن تصبح أوروبا مقسمة، ويتحول الاتحاد إلى قيادة تقتصر على الألمان والفرنسيين وغياب الدول الأخرى في المنظومة، وتلاشي الشرعية الديمقراطية على المدى الطويل الأمر الذي قد يؤدي في النهاية لتحول الاتحاد إلى مجرد اتفاق تجارة حرة، بالإضافة إلى عدم وجود نماذج أوروبية يتبادل فيها الناس اللغة والثقافة والاهتمامات ويعطون شرعية لاتحاد أوروبي ديمقراطي.
اشعر أن دول الخليج تتهرب من الاستحقاقات التي تفرضها طبيعة المرحلة الحرجة في العالم العربي في مواجهة التحديات والدخول في عملية التغيير قبل أن يفرض عليها وهي كلها مسألة وقت لا أكثر؟! وبدل من الانفتاح وإطلاق العملية السياسية لكل دولة، وتفعيل الخيارات الديمقراطية وإنشاء البرلمانات المنتخبة أو الغائبة منها في أكثر الدول أو المعطلة والمحاربة في دول أخرى، وتعزيز دور المشاركة الشعبية ودور المؤسسات والمجتمع المدني، وضمان دولة القانون واحترم حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، ووجود نظام اقتصادي عالمي قادر على التعامل مع المنافسة الموجودة، يتم الحديث عن أمنيات يتم من خلالها توظيف عامل الخوف والهواجس من الآخر في الداخل والخارج، لكي تطرح على الأجندة السياسية والإعلامية، علا وعسى أن يتم تناولها في يوم ما على طاولة متخذي القرار في كل دولة حتى لو تم معها حرق جميع المراحل واستحقاقاتها! الجانب الذي يغفل في خضم حفلات الزار السياسية والإعلامية أن جل التجارب الوحدوية فشلت في العالم العربي لان الإنسان في هذه الدول ليس له حرية اختيار مصيرية ومناقشة حاضره وتحديد مستقبله؟!
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4611
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3309
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1275
| 28 سبتمبر 2026