رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قدم وزير خارجية روسيا السيد لافروف أهم درس في العلاقات الدولية يوم الاربعاء 3 مارس الجاري، حين قال: إن الأعضاء القاريين في مجلس الأمن وقعوا بيانا في يناير الماضي يلتزمون فيه بدفن الحرب الباردة إلى الأبد، وبأن الحدود المكتسبة بعدها هي آمنة ومعترف بها، ولذلك لا نقبل مغامرة رئيس أوكرانيا بالحصول على السلاح النووي على حدودنا. ومن جهة أخرى ففي عالم الفكر السياسي قامات عالمية وعلمية تعلمت منها وما زلت أتعلم لأنها لو اتفقت على موقف فإن ذلك الموقف هوالأصح، واليوم أقرأ في بعض المواقع ما تردد عن الداهية الدبلوماسي الأمريكي (هنري كيسنجر) وعن رائد الجرأة السياسية المفكر عالم الألسنيات (ناحوم شومسكي)، وعن الفيلسوف الفرنسي المجدد لفلسفة الحضارة (ميشال أونفراي) رأيهم ونتيجة قراءتهم للحرب في أوكرانيا حيث اتفقوا على أن هذه الحرب ما كانت لتندلع لولا أخطاء في التقدير خطيرة وغير مسؤولة من الجانبين: جانب الغرب والولايات المتحدة وحلف الناتو بمواجهة جانب روسيا بقيادة فلاديمير بوتين. يرى هؤلاء المتأملون بزادهم العلمي الثري أن بايدن وبوتين على وجه الخصوص يجران العالم إلى معاناة حرب "عبثية وزائدة عن اللزوم" ويرون بأن التوازن الجيوستراتيجي القائم منذ سقوط جدار برلين هوالأفضل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونشأة الحرب الباردة ثم موت نفس هذه الحرب الباردة بتأسيس اتحاد الجمهوريات الروسية بدون 15 جمهورية اختارت شعوبها الاستقلال عن الراعي السوفييتي وإعلان دولها المستقلة وذات السيادة. إذن يتساءل هؤلاء المفكرون الكبار: "ماذا وقع حتى يختل التوازن الضامن للأمن والسلام الدائمين؟ وما الذي اضطر الإدارة الأمريكية إلى اختيار المواجهة عوض المفاوضة والصدام عوض الكلام، وما الذي اضطر بوتين إلى الإسراع لغزو أوكرانيا عوض الاستمرار في النهج الدبلوماسي؟
في تقييم هؤلاء الثلاثة وغيرهم كثيرين، أن تفاقم الأخطاء من الجانبين أصبح مهددا للسلام العالمي لأن التاريخ أثبت بأن الحربين العالميتين (14-18) و(39-45) بدأتا من شرارات شبيهة بهذه وبأن البشرية دفعت فيهما أكثر من 80 مليون ضحية دون فائدة ترجى سوى فرض هيمنة هذه أوتلك من القوى العظمى! ونذكر أنه على مدى أشهر نفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التخطيط لغزو أوكرانيا لكنه الآن مزق كل اتفاق سلام وأرسل قواته عبر الحدود إلى المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية من أوكرانيا، وبينما ترتفع حصيلة القتلى يواجه بوتين اتهامات بأنه يهدد السلام في أوروبا وأن ما يحصل في الأيام القادمة قد يهدد أمن القارة الأوروبية برمتها وتتقدم القوات الروسية حاليا في العاصمة الأوكرانية كييف من عدة اتجاهات بعد أن أمر الزعيم الروسي بالغزو. وقبل لحظات من بدء الغزو ظهر الرئيس بوتين على شاشة التلفزيون معلنا أن روسيا لا تستطيع أن تشعر "بالأمان والتطور" بسبب ما وصفه بالتهديد المستمر من أوكرانيا الحديثة. وفرضت دول غربية عديدة عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا خلال الأيام الماضية بسبب غزوها الأراضي الأوكرانية وصممت العقوبات بطريقة تعوق الاقتصاد الروسي وتعاقب الحكومة بسبب قرارها شن الحرب في أوكرانيا. وكما نعلم فإن العقوبات هي وسيلة تستخدمها الدول لمعاقبة دول أخرى أو قادة دول أخرى أوسياسيين بسبب قيامهم بخرق ما يعتبرونه "القوانين الدولية" في محاولة لمنع استمرار ذلك، وتكون العقوبات مصممة للإضرار باقتصاد الدولة المستهدفة ومواردها المالية وقادتها السياسيين، ويمكن أن تتضمن العقوبات حظر السفر وحظرا على الأسلحة وإخراج روسيا من آلية (سويفت) المالية الدولية لنقل الأموال، وهو إجراء أيضا قد يعطل نهائيا تزويد أوروبا بالغاز الروسي أوبالنفط الروسي بسبب وقف تسديد المبالغ المقررة. ومن جهة أخرى أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجيش بوضع القوات النووية الاستراتيجية في حال تأهب خاصة، وقال في اجتماع لقادة الدفاع في الكرملين: إن الغرب اتخذ إجراءات غير ودية تجاه روسيا، وذكر أن أول من نطق بالتهديد النووي كان وزير خارجية فرنسا (جون إيف لودريان) منذ أسبوع حين قال "بأن على روسيا عدم تناسي أن حلف الناتو هو حلف ذو قوة نووية رادعة"! وشمل تحذير بوتين ما وصفه بالعقوبات الاقتصادية غير القانونية في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، وقال بوتين إن القوات النووية ستوضع في حال تأهب قصوى لأن كبار مسؤولي الناتو سمحوا "بتصريحات عدوانية" تجاه روسيا.
اليوم ونحن في الأسبوع الثاني من الغز ونسجل أن الغاز الروسي ما يزال يتدفق نحوالاتحاد الأوروبي وأن الصين تساند بحذر "زميلتها أوحليفتها!" روسيا وأن السياسة البريطانية والألمانية والفرنسية الداخلية بدأت تتأقلم مع حرب أوكرانيا لتعدل ساعاتها على الحدث الأخطر من ذلك أن الرئيس الفرنسي ماكرون بصفته رئيسا للاتحاد الأوروبي دوريا وبصفته مترشحا لعهدة رئاسية ثانية (مايو2022) بدأ في تزعم حركة ردود الفعل الأوروبية ضد روسيا وتفعيل العقوبات ضدها حتى لوضحى بعديد الامتيازات الفرنسية التي تعود عليها الشعب الفرنسي بسبب علاقاته التاريخية بالإمبراطورية الروسية منذ قرون (المنطقة السياحية الأولى في جنوب فرنسا الساحل اللازوردي مأهولة إلى اليوم بعائلات روسية غنية هربت منذ عام 1917 من روسيا مع الثورة البلشيفية واستقرت في نيس وكان ومونتون)، ثم إن رئيس الحكومة البريطانية وكذلك المستشار الألماني يشعران بحرج كبير أمام ما سمته (الغارديان) بالتهور والخفة وانعدام المسؤولية لدى الرئيس الأوكراني منذ فوزه بالانتخابات عام 2015! وبنفس الانتقادات المبطنة حللت كبرى المجلات الأمريكية (فورين بوليسي) وهي عادة الناطقة الرسمية باسم الأنتليجنسيا الأمريكية لتكتب في افتتاحية عددها لشهر مارس "بأن الحرب ما كانت لتكون لولا سوء التقدير ولولا تغليب العاطفة التاريخية على العقل السياسي"، وهونفس ما نقلته لكم من تحليل بعيد النظر حكيم التأمل للقامات الفكرية التي ذكرتها. أما نحن العرب فنخبتنا المشرقية تتخبط في تشبيه أوكرانيا بسوريا والعراق! وعلى قياداتنا الحذر كل الحذر مما يحدث في أوكرانيا حتى تمر العاصفة بأقل الخسائر!
ثوابت الدبلوماسية القطرية.. جهود متواصلة من أجل السلام
تصدرت رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الموقف القطري خلال أعمال... اقرأ المزيد
171
| 02 أكتوبر 2026
أمير البلاد المفدى يرسم رؤية قطر للمستقبل
في خطاب حمل رؤية قطر لأمن المنطقة ومستقبل النظام الدولي، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد... اقرأ المزيد
189
| 25 سبتمبر 2026
الأمم المتحدة تكرم قائداً بنى وطناً وترك أثراً في أمته
لم يكن تكريم الأمم المتحدة لروح المغفور له بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
276
| 18 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10464
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3498
| 22 أكتوبر 2026