رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أدري كم منكم من كان وما زال يستمتع بالإنصات لدروس الشيخ الشعراوي - رحمه الله - أو خواطر الدكتور محمد راتب النابلسي أو خطب الجمعة للشيخ عبد الحميد كشك - رحمه الله - أو الأحاديث العلمية في برنامج العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود - رحمة الله عليه - وأمثالهم كثيرون ممن حباهم الله مهارة فائقة في إيصال ما بأنفسهم وأذهانهم إلى الآخرين، وبصورة شائقة جاذبة؟
لا شك أن كل أحد منكم ينجذب لهذا العالم أو ذاك الخطيب أو ذلكم المتكلم، إما لبراعة في الإلقاء أو سلاسة في إيصال المعلومة أو عمق في العلم الشرعي أو الدنيوي، أو سهولة في تعابير وأساليب الخطاب أو غيرها من أسباب.
لعل أغلبكم سمع أو قرأ الحديث الذي تحدث عن ذاك الرجل، قاتل التسع والتسعين نفساً، الذي أراد أن يتوب عن جرائمه السابقة، حيث ذهب إلى واعظ من الوعاظ في قريته وسأله إن كانت له توبة، فكانت إجابة الواعظ غير سارة للقاتل، وبالطبع كانت غير حميدة للواعظ الذي صار بعد كلماته غير الجاذبة أو الملهمة للقاتل، الضحية رقم مائة!
ذهب القاتل بعد ذلك إلى فقيه إحدى القرى وأعاد عليه التساؤل السابق، فكانت إجابته هي التي يبحث عنها القاتل، وبالطبع صدرت تلك الإجابة عن علم وفقه أولاً، ومن ثم براعة في الاحتواء والتأثير، فكانت كلماته باعثة على الاطمئنان والهدوء، حتى إذا ما تحقق ذلك في نفس القاتل، طلب الفقيه منه بعد ذلك الارتحال عن قريته، من منطلق أن تغيير البيئة المحيطة أحياناً ربما يكون هو حل لمشكلة مستعصية، فما كان من قاتل المائة إلا ورحل عن قريته يبتغي بيئة جديدة وفي نيته توبة صادقة، فمات في منتصف الطريق، وجاءت ملائكة العذاب وفي الوقت نفسه ملائكة الرحمة، فاختصم الفريقان أيهما يتولى أمر الرجل، أوحى الله إلى الأرض أن تُقرّب القرية الجديدة من موقع موت القاتل، فصار بالتالي أقرب إلى الخير، ما يعني أنه في نطاق ملائكة الرحمة، التي تولت أمره ونجا بفضل الله.
الشاهد من هذه المقدمة الطويلة، مدى تأثير العلم والفقه بالشيء على التعامل مع الآخرين، بالإضافة إلى كيفية نقل ذلك العلم والفهم إلى الغير، إذ ليس كل من تمظهر بمظاهر الدين يُسمع له ويُنصت إليه، لأن هذا الإنصات يستحقه وبالضرورة، كل من له علم من الكتاب، صادق مع الله قبل الناس.. وهذا هو المدخل لموضوع اليوم.
كيف ينصت إليك الآخرون، بل ويحدث فهم وإدراك لما يصدر عنك من أقوال وعبارات؟.
القول اللين في علاقاتنا
لم يظهر مجرم في البشرية مثل فرعون موسى، ظالم عنيد، ومتكبر جبار، لا يسمع ولا ينصت إلا لنفسه أو من تهواه نفسه، ورغم ذلك حين أمر الله موسى وهارون بالذهاب إليه، أمرهما أن يستخدما أسلوب اللين معه ﴿فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى﴾ إشارة إلى ما للكلم الطيب من تأثير عميق بليغ على النفس، مهما تكن النفس متجبرة متكبرة أو صلبة قاسية مثل نفس فرعون.
إنَّ فشل كثيرين في الوصول إلى الآخرين، وإيصال ما بأنفسهم إلى الناس من رسائل وقيم ومعان، إنما سببه عدم الإلمام بمهارة استخدام ما بأنفسهم من كلمات ومعان بالصورة المثلى والمؤثرة، فتراهم يُخرجون الكلمات من صدورهم بلا روح أو حرارة العاطفة الإنسانية، فتخرج باردة باهتة، لا لون لها أو طعم، وبالتالي لن يكون غريباً في الأمر إن لم تجد تلك الكلمات آذاناً صاغية أو قلوباً واعية.
الله عز وجل يدعو عباده أن يتجملوا في القول، ويختاروا الأطيب من العبارات والكلمات ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾، هذا هو ما نسميه فن أو مهارة إخراج ما بالنفس وإلقائها على القلوب قبل المسامع، التي وإن كانت تلك المهارة هبة من الله، إلا أنها تبقى مهارة، شأنها شأن أي مهارة أو موهبة أخرى يمكن اكتسابها بالعلم والتدريب الجاد المستمر، حتى إذا ما وجدت نفسك تريد أن تجادل أحداً، فليكن الجدال بالحسنى، وإن وعظت أو مدحت، تقول الأفضل والأجمل والأبلغ من الأقوال والعبارات، ولكن بالحق، لا تجامل أو تنافـق أو تداهن أو ما شابه من أفعال الكلام غير المحبذ.
الآية إذن تدعو الإنسان أن يظهر مهاراته في إبراز القول اللين بل الأحسن، ويتفنن ويبدع في تجميل الأقوال لكي تنفذ مباشرة إلى القلوب قبل الآذان، ولنا في رسولنا الكريم - صلى الله عليه والسلام - القدوة الطيبة والحسنة في هذا المجال.
الإلقاء موهبة وفن
الإلقاء، سواء على شكل خطبة أو محاضرة أو مداخلة أو نقاش عام، إنما هو عمل يحتاج إلى كثير صبر ومثابرة قبل الخروج على الملأ، إن صاحب أي موهبة مثلاً، يحتاج إلى سنوات من التدريب المستمر، وتعلم فنون ومهارات وأساليب متعلقة بموهبته، حتى يصل إلى مستوى من التميز والإبداع، يشهد عليه بذلك المتابعون أو المستفيدون منه.
الأمر نفسه مع المتحدث الماهر المبدع، الذي ما أن تسمع عن مشاركة له في محاضرة أو ندوة أو مهرجان جماهيري أو في البدعة الإعلامية الجديدة المسمى "clubhouse" وما شابه، إلا وسارعت إلى الحضور والمشاركة من أجله هو لا غيره. وهناك كثيرون، تمتلئ القاعات أو المساجد أو المسارح من أجلهم، والذين لم يأتوا إلا لشخوص أولئك المتحدثين البارعين، حتى وإن لم تكن الموضوعات المطروحة بذات الأهمية للجمهور، لكن جمال وحلاوة أسلوب المتحدثين، صار هو الجاذب الأول قبل الموضوع، والسبب أنهم أدركوا كيفية توصيل ما بأنفسهم إلى نفوس المستمعين، ولمثل هؤلاء، نتطلع أن نراهم في جوامعنا وجامعاتنا ومسارحنا وغيرها من مواقع الحديث أو الإلقاء.
حين تتكون لديك الرغبة في أن تلقي كلمات إلى الجمهور، فهذا يعني أنك تحمل هماً معيناً بغض النظر عن طبيعة هذا الهم، إن كان جميلاً أم كئيباً أم غيرهما، فإنه سيظل في نهاية الأمر هماً لا يجعلك تشعر بالراحة الداخلية حتى تخرجه من صدرك، وهذا ما يعطي حرارة وقوة إلى كلماتك التي تريد إخراجها إلى الجمهور، ولعل هذا يمكن اعتباره شرطاً أولاً لإلقاء جيد، أما الشرط الثاني في جعل إلقائك جيداً ومقبولاً، هو أن تعرف الطريقة التي بها تنقل ما بنفسك إلى المستمعين، فالعبرة ليست بما تقول وإنما بالطريقة التي تقولها.
ما الأسلوب المؤثر إذن؟
هل شاهد أحدكم يوماً محاضراً ألقى نكتة لم يضحك لها كثيرون؟ وهل شاهد أن ألقى النكتة نفسها محاضر آخر، انقلب الجمهور على قفاه من الضحك؟ لماذا لم يضحك الجمهور عند الأول وضحك مع الثاني؟، لا شك أنه الأسلوب في توصيل الرسالة إلى الآخرين.
الأسلوب المؤثر الذي أتحدث عنه، هو أن تتحدث إلى الجمهور بشكل مباشر دون تصنّع وتكلّف في الإلقاء، هذا الجمهور لا يريد منك التقعر والتشدد في الألفاظ، بل هو يريد منك الحديث الأخوي المباشر، يريد حديث القلب إلى القلب، لا تحاول أن تتميز عليهم بكلامك، مهما كان هذا الكلام قوياً ومؤثراً، أرسل كلماتك مع حرارة نفسك إلى نفس وقلب الجمهور، وسيجدها بالفعل حارة مؤثرة، يتفاعل معها بنفس القوة.
أشعرهم بأنك تتحدث إليهم هم فقط، وأنك ما جئت إلا إليهم، وأنك لا تتميز عليهم بشيء، أشعرهم بالرباط الأخوي الإنساني بينك وبينهم، مهما يكن وضعك الأكاديمي أو الأدبي أو الاجتماعي، تحدث بشكل طبيعي كما أنت في حياتك العادية اليومية، لا تحاول أبداً أن تشعرهم للحظة واحدة أنك أتيت إليهم من أجل إبراز عضلاتك في الإلقاء بالصوت ولغة الجسم، إنك إن فعلتها، سيكون أمر انكشافك أمام الجمهور سهلاً لا يحتاج لكثير جهد.
لهذا وأنت تتحدث إلى الجمهور، وكخلاصة للحديث، حاول أن تجعله يخرج وقد استوعب ما تحدثت عنه، هذا هو الهدف الأسمى الذي عليك أن تضعه نصب عينيك، وها هنا قد تتساءل: هل يعني من هذا ألا أهتم بفنون الإلقاء؟ بالطبع ليس هذا الذي أعنيه، لا أقول إن مهارات وفنون الإلقاء غير مطلوبة، بل على العكس هي مهارات ستساعدك على توصيل ما بنفسك من رسائل ومعان، لكن القصد هو عدم التركيز على ذلك وإظهارها بتكلّف ملحوظ، ولكن بدلاً من ذلك، تتحدث بصورة طبيعية كما أنت، وحينها ستجد الجمهور ينتبه للمعاني والرسائل المرسلة منك، بل ويستمتع وهو يستمع إليك وينصت، وربما بدرجة كبيرة، سيخرج وقد وعى وفهم وهضم ما سمع.. أليس هذا هو مرادك من الحديث؟.
جرب وانظر ماذا ترى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4149
| 23 سبتمبر 2026