رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ اللحظات الأولى للثورة المصرية المجيدة وارتفاع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، تصاعد الجدل الشعبي حول البديل القادم إذا ما نجحت الثورة وسقط هذا النظام.. فقد كان الجميع يدرك أنه بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي الذي كان يحكم مصر، حيث شخصية الرئيس هي المسيطرة وهي التي تملك كل الصلاحيات، فإن اختفاءها يعني وجود فراغ سياسي كبير خاصة في ظل عدم وجود مؤسسات سياسية أو إدارية قادرة على ملء هذا الفراغ.
وحتى لحظة سقوط النظام وتنحي الرئيس حسني مبارك يوم 11 فبراير، تم طرح العديد من الأسماء التي يمكن أن تحل مكان الرئيس المخلوع وكان أبرزها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى والعالم المصري الدكتور أحمد زويل وكذلك الدكتور محمد البرادعي رئيس هيئة الطاقة الذرية السابق.
لكن مع نجاح الثورة واتجاهها إلى تحقيق أهدافها، خاصة بعد أن حققت الهدف الأول منها والمتمثل في إسقاط رأس النظام الحاكم، توسع النقاش الشعبي حول مدى قدرة هذه الشخصيات المطروحة على تحقيق تلك الأهداف وليس فقط مجرد شغل المنصب والإحلال محل الرأس الطائر.. وتعمق هذا النقاش بطروحاته الجديدة مع تشكيل لجنة جديدة لصياغة إعلان دستوري مؤقت يتم على أساسه إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، ويرأس هذه اللجنة المستشار طارق البشري.
فقد بدأت تظهر تيارات مناهضة للترشيحات التي تم طرحها خلال أيام الثورة والتي كانت تركز على شخصيات معروفة بهدف شغل منصب رئيس الجمهورية خوفا من الفراغ وليس أكثر.. خاصة بعد بدء التسريبات الإعلامية التي تزيل الهالة المقدسة التي كانت تحيط بهذه الشخصيات وتجعل فكرة ترشيحهم شيئا صعبا إن لم يكن مستحيلا.. حيث بدأت مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام على الشبكة العنكبوتية تشهد الكثير من التسريبات التي تشير إلى علاقة أحد الشخصيات المطروحة بالنظام السابق الذي خدمه لعشرات السنين في مواقع مهمة وكذلك ما يتعلق بشخصية أخرى لها علاقتها القوية بالدولة الإسرائيلية التي زارها أكثر من مرة لتسلم جوائز علمية أو للمشاركة في تطوير أسلحة ليزرية.
إضافة إلى أن التعديلات التي أقرتها "لجنة تعديل الدستور" بشأن الصفات المرجوة في الشخصيات المرشحة للانتخابات الرئاسية، جاءت لكي تساهم هي الأخرى في إقصاء بعض تلك الشخصيات المطروحة، حيث نصت مواد الدستور المعدلة الخاصة بشروط الترشح للمنصب الرئاسي على ضرورة ألا يكون المترشح أو أحد والديه يحمل جنسية أخرى غير الجنسية المصرية أو أن يكون متزوجا من أجنبية، وهو ما يعني استبعاد شخصيتين من الشخصيات المطروحة وهما الدكتور أحمد زويل الذي يحمل الجنسية الأمريكية وكذلك الدكتور البرادعي.
في مواجهة هذه التطورات بدأ الكثيرون يفكرون في ترشيح شخصية تكون محل إجماع وطني لتكون بديلا حقيقيا يستطيع أن يساعد في تحقيق أهداف الثورة.. وهنا بدأت تظهر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تطرح المستشار طارق البشري رئيس لجنة تعديل الدستور، كمرشح للمنصب الذي سيلعب دورا مهما في وضع ركائز الدولة الديمقراطية الحديثة في مصر والتي ستقوم على أسس الجمهورية البرلمانية..
لكن لماذا المستشار البشري؟
إن الرئيس القادم لمصر سيكون هو المسؤول الأول عن تشكيل البنية الأساسية للدولة الديمقراطية في مصر.. وهذه المسؤولية العظيمة تحتاج إلى رجل صاحب صفات وخبرات من نوع خاص لعل أهمها:
أولا: أن يكون بعيدا كل البعد عن النظام السابق وأزلامه وكل سياساته الإجرامية في حق مصر شعبا ودولة.
ثانيا: أن يكون مقبولا من كافة فئات وأطياف الشعب المصري.
ثالثا: أن يكون صاحب خبرات قانونية ودستورية تمكنه من فهم طبيعة المرحلة التأسيسية المقبلة والتي لن تقتصر فقط على بناء دستور جديد للبلاد يكون عصريا بكل ما يعنيه ذلك من ضمان قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.. ولكن أيضا مراجعة كافة القوانين التي تحكم المجتمع المصري في شتى المجالات وضمان اتساقها مع القيم والمبادئ التي سيتم تضمينها في الدستور الجديد.. هذا فضلا عن إعادة هيكلة المؤسسات ذات الطبيعة السيادية والمؤثرة في البنية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مصر لتتوافق مع النهج الجديد.
رابعا: أن يقوم بتسليم مصر "الجديدة" إلى شعب مصر "الجديد" بعد إتمام المهمة على خير وجه.
والمستشار طارق البشري هو واحد ممن يستطيعون إتمام هذه المهمة.. ولعل سيرته السابقة تؤكد ذلك.. لنقرأ:
المستشار طارق البشرى واحد من قمم الفكر في مصر والعالم العربي والإسلامي.. وواحد من قلة يحظون بإجماع كامل على الاحترام والتقدير حتى ممن يختلفون معه فكريا..
وقد عينه المجلس العسكري الأعلى في مصر رئيسا للجنة صياغة الدستور يوم 14 فبراير 2011 بعد نجاح الثورة الشعبية المباركة.. وذلك بالنظر إلى تاريخه الناصع في مجال الفقه القانوني والدستوري.. حيث إنه شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، ورئيسا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عدة سنوات، وترك ذخيرة من الفتاوى والآراء الاستشارية التي تميزت بالعمق والتحليل والتأصيل القانوني الشديد. كما تميزت بإحكام الصياغة القانونية، ولا تزال تلك الفتاوى إلى الآن تعين كلا من الإدارة والقضاة والمشتغلين بالقانون بشكل عام على تفهم الموضوعات المعروضة عليهم.
جدير بالذكر أن المستشار البشري هو سليل عائلة عرف عنها اشتغال رجالها بالعلم الديني والقانون، إذ تولى جده لأبيه سليم البشري (1828-1914م) - شيخ السادة المالكية بمصر - منصب شيخ الأزهر، وكان عمه عبد العزيز البشري من أشهر أدباء مصر (توفي 1943م)، أما والده المستشار عبدالفتاح البشري فقد كان رئيس محكمة الاستئناف حتى وفاته سنة 1951م.
وقد ذكرت إحدى الصحف المصرية المستقلة خلال تقديمها البشري قبيل صدور الكتاب الأحدث له تحت عنوان "الدولة والكنيسة".. أن ما يكتبه المستشار البشرى لابد أن يُقرأ بتأنٍ شديد، مع انتباه كبير، فلا ينفع مع كتبه الكسل أو استقطاع وقت القراءة، في نظرة إلى كتاب آخر. فهو واحد ممن اتفق عليه الجميع، حتى أن المختلفين معه يحترمون آراءه، لأنه ممن يعرفون قدر الكلام، وأهمية فعل الكتابة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4518
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2796
| 29 يونيو 2026
في القطاعات التي تتحرك بسرعة، لا يكون التأخر مجرد بطء إداري، بل قد يتحول إلى خسارة في الكفاءات والفرص والاستثمارات. وقطاع التدريب والتطوير المهني من أكثر القطاعات التي لا تحتمل الانتظار، لأنه يتعامل مباشرة مع الإنسان، ومع جاهزيته لسوق العمل، وقدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية. ومع ذلك، ما زلنا أحيانًا ندير التدريب بمنطق يراقب الإجراء أكثر مما يقيس الأثر، ويهتم بمن يقدّم البرنامج أكثر من اهتمامه بما أحدثه البرنامج في أداء المتدرب. هل وُجد التنظيم لحماية جودة التدريب، أم أصبح التدريب مطالبًا بحماية نفسه من تعقيدات التنظيم؟ لا أحد يعترض على وجود ضوابط تحمي المجتمع من البرامج الضعيفة والممارسات غير المهنية والادعاءات المضللة، بل إن القطاع يحتاج إلى حوكمة جادة ورقابة عادلة. لكن الإشكال يبدأ عندما لا تكون حدود الاختصاص واضحة، وعندما تتعدد الموافقات والتفسيرات، وتُفرض متطلبات لا يعرف المستثمر أو المدرب أساسها التنظيمي أو القانوني، فالتنظيم الذي لا يستطيع المعنيون فهمه، أو معرفة مرجعيته، أو التنبؤ بقراراته، لا يبني الثقة في السوق مهما كانت النوايا جيدة. التدريب ليس نشاطًا جانبيًا، ولا ساعات تُستكمل للحصول على شهادة، إنه جزء من بناء رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع جاهزية الشباب والموظفين. التعليم يمنح الإنسان أساس المعرفة، أما التدريب فيحوّل المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى أداء، والأداء إلى نتيجة، ولهذا لا يمكن إدارة التدريب بعقلية التعليم التقليدي، فالتدريب يقوم على المرونة، وسرعة الاستجابة، والارتباط المباشر باحتياجات المؤسسات وسوق العمل. وحين نحمّله إجراءات لا تتناسب مع طبيعته، فإننا لا نرفع جودته، بل نفقد أهم ما يميزه: السرعة والابتكار. من يملك حق الحكم على المدرب؟ من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة جادة قضية تصنيف المدربين، فالمدرب لا يصبح مؤهلًا لمجرد إدراج اسمه في قائمة، كما أنه لا يفقد كفاءته لعدم وجوده فيها. الكفاءة التدريبية لا تُقاس بعنصر واحد، بل بمنظومة تشمل التخصص، والخبرة، والقدرة على تصميم المحتوى، وإدارة القاعة، ونقل المعرفة، وسجل الإنجاز، والأثر الفعلي للبرامج. وإذا تقرر إنشاء تصنيف مهني للمدربين، فيجب أن يقوم على معايير معلنة، ومستويات واضحة، ولجان متخصصة، وآلية عادلة للاعتراض والمراجعة. أما أن تتحول بعض المبادرات أو الإجراءات الداخلية تدريجيًا إلى متطلبات ملزمة على السوق من دون توضيح سندها واختصاص الجهة التي فرضتها، فإن ذلك يستحق الوقوف عنده. فالمبادرة تظل مبادرة، ولا تتحول إلى تشريع بمجرد تكرار تطبيقها. المستثمر ليس خصمًا للجهة المنظمة كما أن مركز التدريب المرخص ليس خصمًا للجهة المنظمة، بل شريك في تنمية المهارات الوطنية، فهو يستثمر في المقرات والتقنيات والكوادر وتطوير البرامج، ويوفر فرصًا للمدربين والمتخصصين. والمستثمر الجاد لا يطلب العمل بلا رقابة، بل يطلب أن تكون الرقابة واضحة ومتوازنة، وأن يعرف مسبقًا ما له وما عليه. لا يمكن أن نتحدث عن دعم القطاع الخاص، ثم نضع أمامه متطلبات متغيرة أو إجراءات يصعب التنبؤ بها. ولا يمكن أن نطالبه بالابتكار، ثم نحاصر كل فكرة جديدة بسلسلة طويلة من الموافقات. الرقابة الذكية لا تعطل السوق، بل تميز بين الملتزم وغير الملتزم، ولا تعاقب الجميع بسبب أخطاء البعض. ولا تقيس جودة التدريب من أوراقه فقط، بل من أثره ونتائجه. ما الذي يحتاجه القطاع؟ ما يحتاجه القطاع اليوم ليس مزيدًا من التعقيد، بل مزيدًا من الوضوح، من خلال تحديد الجهة المختصة بتنظيم التدريب، والفصل بين التعليم الأكاديمي والتطوير المهني، ونشر المعايير والاشتراطات، وعدم تحويل المبادرات الاختيارية إلى متطلبات ملزمة إلا بسند معلن، وإشراك المراكز والمدربين في تطوير السياسات المنظمة للقطاع. إلى صانع القرار إن مراجعة منظومة التدريب ليست مطلبًا لفئة محدودة، بل استثمار في قدرة الدولة على تنمية رأس مالها البشري. فكل إجراء غير واضح قد يؤخر برنامجًا يحتاجه موظفون، وكل اشتراط غير مدروس قد يدفع كفاءة متميزة إلى مغادرة القطاع، وكل تداخل في الصلاحيات قد يربك مستثمرًا ويضعف الثقة ويحد من الابتكار. الدول التي تتقدم في الاقتصاد المعرفي لا تنظر إلى التدريب باعتباره ملف تصاريح، بل باعتباره بنية أساسية للتنمية. هل منظومتنا التنظيمية الحالية قادرة على صناعة قطاع تدريب يواكب طموحات الدولة، أم أنها ما زالت تدير قطاع المستقبل بأدوات الماضي؟ هذا السؤال ليس انتقادًا لجهة، بل دعوة إلى مراجعة وطنية مسؤولة. لأن مستقبل التدريب لا يخص المدربين والمراكز وحدهم، بل يخص كل شاب يستعد لسوق العمل، وكل موظف يحتاج إلى التطور، وكل مؤسسة تسعى إلى رفع إنتاجيتها، وكل دولة تراهن على الإنسان بوصفه أعظم استثماراتها.
2031
| 28 يونيو 2026