رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
واحد وخمسون عاما مضت منذ قيام ثورة 26 سبتمبر عام 1962 واليمن لم يهدأ ولم يستقر، انقلاب عسكري يتبعه انقلاب آخر، ويذهب ضحية تلك الانقلابات أبرياء لا شأن لهم بهذا الانقلاب أو ذاك.
بعد قيام الثورة بقيادة السلال ورفاقه بقيت اليمن في حرب ضروس دامت خمس سنين عجاف، لم تبن خلالها مدرسة ولم يرصف شارع ولم يبن مستشفى، كانت سنين دامية، حرب مصرية سعودية على تراب اليمن، الأول كان إلى جانب الانقلابيين / الثورة، والثاني كان إلى جانب الشرعية الملكية المخلوعة والضحية كان اليمن.
في هذه الفترة الزمنية برزت أو أُبرزت زعامات قبلية بقيت متنفذة وتستمد قوتها من خارج الحدود عبر القوة المالية وكم مليارات من الدولارات أنفقت لتسييد طرف على طرف وفوق هذا كله لم تستفد اليمن من كل تلك الأموال التي ذهبت لكسب ولاء شيوخ القبائل، واليمني بقي على حالة ميزر وخنجر ونعال مصنوع من بقايا عَجل السيارات (كفرات).
سقط السلال ونظامه بانقلاب عسكري ونصب القاضي عبد الرحمن الارياني وكانت نهايته انقلابا عسكريا بعد سبع سنين في الحكم، عبر تلك السنين لم ينعم اليمن الشمالي بالأمن والاستقرار، وكانت نهاية الارياني انقلابا عسكريا، وجاء إبراهيم الحمدي لسنوات ثلاث كاد أن يستقر اليمن وتتحقق آماله في الأمن والتنمية ولكن باغته انقلاب عسكري واغتيل الحمدي، رحمه الله.
وتسلم السلطة أحمد الغشمي ولم يكمل عامه الأول حتى دبر له انقلاب عسكري أودى بحياته وجيء بعبد الكريم العرشي وحكم اليمن شهرا واحد وآثر الاستقالة، مدركا أن حياته في خطر وأن اليمن يسير نحو حقبة مظلمة مدلهمة لا يستطيع تقديم أي إنجاز للشعب اليمني،
بعد تلك الانقلابات تسلم القيادة علي عبد الله صالح وحكم اليمن الشمالي "الجمهورية العربية اليمنية" 12 عاما، كان منشغلا طوال تلك الفترة بتثبيت دعائم حكمه، كان ماهرا في تأليب النعرات القبلية بعضها ضد بعض وانشغل بفك الاشتباك بين تلك القبائل ويعود مرة أخرى ليثير الضغائن من جديد وتتفجر الحالة الأمنية وهو يراقب.
(2)
في 22 مايو 1990 توحد اليمن شماله وجنوبه وعين علي عبد الله صالح رئيسا لدولة الوحدة وبقي في منصبه حتى عام 2012 وأزيح شكلا عن منصبه على إثر ثورة شعبية وتدخلات دول مجلس التعاون الخليجي.
أستطيع القول إن علي عبد الله صالح حكم اليمن بشطريه 22 عاما تدفقت على اليمن في عهده مليارات الدولارات بشكل معونات من دول خليجية ودول أخرى ومساعدات من البنك الدولي، لكن بقيت اليمن في عهده بلا مشروع للتنمية الاقتصادية والإدارية، لم يكن عند الرئيس ومؤسساته مشروع بناء دولة حديثة، علما بأن الظروف المحلية والإقليمية والدولية كانت مواتية لبناء دولة عصرية.
اليمن ليست فقيرة، إنها تتمتع بأربعة فصول إنتاجية في السنة إن أُحسن تفعيلها لصالح الإنتاج، وأن اليمن تملك من الثروات الزراعية والطبيعية والسياحية ما يؤهلها لتكون قبلة السياحة العالمية التي تدر عليها أموالا طائلة لميزانية الدولة.
في عهد عبد الله صالح سادت دبلوماسية الاختطاف أو إن شئت سياسة الابتزاز للحصول على المال وتحقيق المشاريع للبنية التحتية لمعظم محافظات اليمن التي ابتعدت عنها الدولة ونفر السياح عن اليمن لكثرة المختطفين من الأجانب، وفي عهده راجت تجارة وزراعة "القات" ويكاد أن يكون استهلاك القات في بعض الحالات أهم من وجبة غذائية بالنسبة لكثير من اليمنيين.
ما أريد قوله هنا إنه كان بإمكان الرئيس علي عبد الله صالح بالتعاون مع منظمة الأغذية الزراعة الدولية (الفاو) أن يجد سبلا لزيادة الإنتاج الزراعي الذي يحقق عائدات اقتصادية تحقق أعلى دخل للإنسان اليمني بدلا من زراعة أشجار القات التي تحتاج إلى كميات كثيرة من المياه وكثرة استعمال القات تسبب أمراضا سرطانية في الفم والرقبة، أجارنا الله.
(3)
في عهد علي عبد الله صالح معظم المحافظات ينهشها المرض والفقر والأمية والحرمان من التنمية بكل حقولها، كانت الأموال والمساعدات العربية والأجنبية تصل إلى صنعاء لكنها تصرف تحت بند محاربة الإرهاب، والإرهاب في أساسه (القاعدة) من صنع النظام، يستدعيه عند الحاجة، وازداد الأمن انفلاتا، وتصاعدت عمليات الاغتيالات لضباط الجيش ورجال الأمن وقيادات سياسية بعد الرحيل الشكلي لعلي عبد الله صالح عن سدة الحكم، والحق أنه ما برح اللاعب الأساسي لكل مصائب اليمن حتى لا يستقر في عهد غيره، والحل الأمثل هو تجميد أموال الرئيس السابق وقيادات حزبه وأفراد أسرته ووضعه تحت الإقامة الجبرية، كي لا يتواصل مع أنصاره، كل ذلك من أجل تحقيق أمن الشعب والدولة اليمنية.
(4)
في عام 2003 انطلقت مسألة الحوثيين عندما زار عبد الله صالح صعدة واعتلى المنبر ليقول كلمة في جموع المصلين، فوجئ بهتافات بين المصلين يهتفون "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل والنصر للإسلام"، فتم اعتقال 600 من هؤلاء فورا، وفي صنعاء رددت تلك الشعارات خارج المسجد الكبير، فاعتقل 640 مواطنا ومن هنا ثارت فتنة الحوثيين وكان من أسباب نشأتها علي عبد الله صالح الذي كان بإمكانه معالجة تلك الظواهر بدبلوماسية الاستقطاب والاحتواء بدلا من المواجهة.
وعلى إثر ذلك دخلت محافظة صعدة في مواجهة الدولة في ست حروب، واحدة منها زج بالمملكة العربية السعودية في أتونها وما برحت الحرب بين الحوثيين والدولة قائمة وآخرها اجتياح مناطق عمران وإحراق مقر شيخ مشايخ حاشد عبد الله بن الأحمر وسوف تكون لذلك الفعل عواقب وخيمة في اليمن.
الحكومة اليمنية المؤقتة تقول بأنها ستكون على الحياد في الحرب الدائرة بين الحوثيين وقبائل حاشد، من غرائب الأمور أن الدولة لا تستطيع أن تفرض الأمن والسلم وهي تملك كل وسائل القوة، والسؤال: أليست هذه الحرب إحدى جرائم عبد الله صالح المخلوع، كيف يملك الحوثيون دبابات ومدرعات وصواريخ ومدفعية ثقيلة ولا أستبعد أن تكون لديهم صواريخ أرض جو مضادة للطائرات، إنهم يريدون السيطرة على محافظات الشمال الغربي في طريقهم إلى صنعاء لفرض إرادتهم.
آخر القول: سؤال بريء.. هل نفهم أن السكوت على ما يفعل الحوثيون اليوم المستهدف هو إخراج بيت بن الأحمر من الشأن اليمني، أم أنه لكسر أنف حزب الإصلاح السني تماشيا مع ما هو سائر في مصر وغزة، والعراق؟ دول مجلس التعاون مسؤولة عما يجري في اليمن، والتاريخ سيكشف ما بطن ونكون كلنا من النادمين.
الحكومة الشرعية اليمنية والحوثيون ودعاة الانفصال
شُغِل الإنسان العربي الغيور بحال أمته الذي يسير من سيئ إلى أسوأ. في أقصى بلاد المغرب العربي ثبّتت... اقرأ المزيد
1287
| 03 يونيو 2025
بركان سياسي أوروبي يثور ضد إسرائيل والعرب يتفرجون !
تتسع دوائر الرفض العالمي لحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وعلى وجه التحديد في قطاع... اقرأ المزيد
1335
| 27 مايو 2025
سورية الشرع والعراق السوداني وفلسطين محمود عباس
سورية الجديدة بقيادة الشرع ورفاقه ما برحت تواجه عواصف داخلية وخارجية واقليمية وهي صامدة تعمل ليل نهار من... اقرأ المزيد
2154
| 29 أبريل 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026