رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القارئ المدقّق لتاريخ الأمة الإسلامية يستطيع أن يحكم بسهولة على الحقبة التي يعيشها المسلمون حالياً، بأنها حقبة تتميز بالضعف المذهل، والتخاذل المرير، والهوان الذي قلّمَا مرّت به الأمة على مدى تاريخها الطويل. فقد ذاقت الأمرة مرارات الهزيمة العسكرية مراراً، ولكنها لم تبلغ الحد الذي بلغته الان من الشعور بالضياع والإحباط والقهر باستثناء مرات قليلة معروفة في تاريخها. وإذا كان جوهر الإسلام – ممثلاً في نصوصه وثوابته العقائدية والتشريعية - لا يتغير وفقاً لظروف انتصار أو هزيمة، فإن الشيء الذي تعير لا يتعدّى أولئك المسلمين الذين يتبعون هذا الدين فيأخذون منه ويتركون وفق أهوائهم، لا وفق ما أراد الله تعالى منها. وهم في أخذهم وتركهم وفق أهوائهم يتأوّلُون النصوص ويطوّعُونها؛ ليتخذوا منها ساتراً لرغباتهم، وغطاءً لنزعاتهم، فإذا ردّهم أحد إلى الحق رموه بالمروق والشذوذ والإرهاب وإثارة الفتن. ولنستمع إلى القران الكريم وهو يشخص لنا حالة فئة من الناس فيقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الْطَّاغُوتِ وَقَدْ اُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقُونَ يَصُدُّونَ عَنكَ صٌدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاْللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسِانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُوْلَئِكَ اْلَّذِينَ يَعْلَمُ اْللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اْللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أُنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاْسْتَغْفَرُوا اْللهَ وَاْسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اْللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(65)} [النساء].
ولنسأل أنفسنا الان: هل لهذه الفئة وجود في أمة المسلمين اليوم؟، وكم يبلغ عددهم أو نسبتهم؟، ومن المسؤول -الان- عن إصلاح حالهم بأن يعظهم، ويقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً؟ ثم ما أثر لغة هذه الايات (يريدون – يريد الشيطان – إن أردنا – في أنفسهم) في بناء دلالاتها التشريعية والتربوية؟.
إن تكرار تعبير {فِي أَنْفُسِهِمْ} مرةً عند الأمر بإصلاح أحوالهم، ومرةً عند التعقيب على إظهارهم قبول حكم الشرع. فيه دلالة على أن الإسلام يُولِي النّفس الإنسانية اهتماماً كبيراً، ويراها –في جميع أحوالها- مناطَ المسؤولية، ومصدر السلوك، والأوْلَى بالإصلاح. وهل الشخصية الإسلامية – فردية كانت أو جماعية - إلا النفس المسلمة أو مجموعة النفوس؟!، لذلك يحسن بنا، ونحن في سبيل تناول الشخصية الإسلامية أن نمهِّد لهذا التناول: لا بالإغراق في تفاصيل تعريفات لا طائل من ورائه، ولا بالإسراف في تحديد مفاهيم كلمة (أبعاد) التي وردت في العنوان. فذلك ترفٌ أو شرفٌ لا حاجة إليه فيما نعتقد. ولندخل مباشرةً إلى "مربط الفرس" كما يقول العرب.
وذلك أن الأمة الإسلامية لا تنطبق عليها في عصرنا هذا حالة الرّوم حين هزموا اليونان وانتصروا عليهم واحتلّوا أثينا، لكن ثقافة اليونان وعلمهم وحضارتهم بهرت الروم؛ فانكبّوا عليها نقلاً وهضماً وترجمة وتقليداً وتأثراً. حتى صارت ادابُ روما وفنونُها وفلسفتُها ونقدُها صورة شوهاء من اداب الإغريق وفنونهم وفلسفتهم ونقدهم.
ولم تتحقق فيهم نظرية ابن خلدون الشهيرة "إن المغلوب مولعٌ دائماً بتقليد الغالب!". فقد قلّد الرومان المنتصرون الإغريق المهزومين وعاشوا قروناً ثلاثةً أو أكثر وهم على هذه الحال.
والأمة الإسلامية الان مولعةٌ بتقليد الغرب، ولكنها لم تنتصر عليه انتصاراً عسكرياً كما فعلت الروم. بل انهزمت أمامه هزائم عسكرية متتالية في كل صِقْعٍ من أصقاعها حين خضعت للاستعمار سنوات طوال حتى إذا خرج وخلَّفها: خلّفَهَا أمةً مهزومةً من الداخل، أمة تشعر بالهوان والدونية والانسحاق والتبعية وانعدام الوزن، ونجح الاستعمار في أن يصنع له في بلدان المسلمين صنائع من رجال خونة تولّوا تكملة رسالة المستعمرين في الإذلال والقهر النفسي للأمة، ووُضع هؤلاء الخونة على رأس مؤسسات الدول الإسلامية في مجالين رؤي أنهما من أخطر المجالات وهما: الإعلام والتعليم، لأنهما المجالان اللذان يوكل إليهما أمر النشء من جهة، وأمر الرأي العام من جهة ثانية.
وقد نهضت هاتان المؤسستان (الإعلام والتعليم) بما أنيط بهما شرّ نهوض، فباعدت المؤسسات التعليمية بين الشباب المسلم وبين دينه على خير ما يرجو المستعمر، وابتدعت لنفسها ديمقراطية شديدة الشذوذ، فهي تفرض على المتعلم زيًّا وطعاماً وشراباً ونظاماً للوقوف والجلوس والكلام والسكوت والحركة، على نحو صارمٍ لا مجال فيه للحرية أو التعبير عن الرأي.
وهي حين ترسم الرسوم، وتمنهج المناهج، وتحدد طرائق التدريس وأوقاته، وحين تحدد الغيابَ والحضور، والنجاح والرسوب، وما يلزم للنجاح من درجات، وما يلزم للمتعثرين من إصلاح. لا تعود في ذلك كله إلى المعلم ولا إلى المتعلم إلا إذا قيل لها من سلطة أعلى : "عودي" ! ، فتعود صاغرةً مكرهةً مفرّغةً لهذه العودة من كل مضمون!!، ثم هي تسعى سعياً حثيثاً إلى التبرؤ من كل ما له صلة صريحة بالإسلام.
وفي الجهة الثانية، وعلى التوازي مع مؤسسات التعليم، تسعى المؤسسات الإعلامية إلى تغريب ثقافة المجتمع، فهي تبثّ من الأفلام ما تفرق به بين المرء وزوجه، وبين الأب وأبيه، والأخ وأخيه، وفتزيّن الأفلام من الشر ما قبّحَهُ الإسلام، وتهيئ من الانحراف ما يكون مدعاةً للتقليد. وتهوِّن من جرائم الزنا والقذف والغيبة والقتل والإدمان والرشوة والاختلاس؛ حتى صارت كل تلك الجرائم مما لا يقشعر له بدن مشاهد، ولا تهتز له نفسُ سامع؛ فشاعت الفواحش وذاعت. ولم تقف مؤسسات الإعلام عند حدود الأفلام والمسرحيات والمسلسلات، بل إن الأغاني جميعاً صارت وسائل لتيسير تواصل العشّاق، فكأن مهمتها أن تلقّنهم ما يقول بعضهم إلى بعض إذا خلوْا أو إذا التقوْا. وإضافة إلى ذلك توسّع الإعلام في نشر فنون الرسم الخليع، والرقص تحت مسمى الفن حتى كتبت "أخبار اليوم" ذات مرةٍ في السبعينيات على لسان راقصةٍ هلكتْ قولها: إنها ترى أن "الرقص صلاة"!!.
وقد نجم عن هذين الطوفانين المنهمريْن على الأمة إفساداً وتخذيً أن صار الدين غريباً كأشد ما يكون غربةً في حياة الناس، وصار الذي يقول: {تَعَالَوْ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلّى الْرَّسُولِ} يبدو وكأنه مجنون يخاطب أسوياء، أو كأنه سويٌّ يخاطب مجانين وهو في كلتا الحالتين: غريب!!.
ولم يقف المستعمر الراحل عند حدود الإعلام والتعليم، وإن كان بهما أشدّ عنايةً مما سواهما، بل اصطنع له عملاء يُفسدون في الاقتصاد، والقانون، والاجتماع، والاثار، والتاريخ، والسياسة؛ فصارت مناحي الحياة كافةً تعزف نغماً واحداً هو: الولع بالغرب واتخاذه أسوةً بكل ما فيه من خير وشر.
ووقف علماء المسلمين مما يجري موقف الحائر المحنق المغيظ، وانقسموا إلى ثلاث فرق: فرقة أراحت نفسها بموقف الرفض التام للعصر وكل ما فيه من منكرات مستحدثة، وغرقت في تراثها فاكتفتْ به.وسميت إعلاميا : السلفية ، وفرقة قلبت ظهر المجنّ لدينها وتراثها وادّعَت التحضّر فطوّعت النصوص والأحكام لتوافق هوَى المستعمرين وأذنابهم، فوصفت بالاستنارة على حين وصفت سابقتها بالجمود والتحجر. وسميت إعلاميا : العلمانية أو التحررية ، وفرقة أرادت التوسط فقالت: نأخذ وندع، ونقبل ونرفض، وظلت تكرر ذلك دون أن تبين للناس ما يأخذون وما يتركون، فكان لها من حسن النية ستار غطَّى عجزها وقصورها. فكان الزاهدون فيها أكثر من المتعاطفين معها ، وسميت إعلاميا : علماء السلطة !!
وإذا أردنا على ذلك دليلاً فلننظر في تراثنا العلمي المعاصر مما ندرّسُه في جامعاتنا: أليس كله ذا أصول غربية مادية؟، وهل قامت نظريات علم النفس التي يدرسها طلابنا في معاهد وكليات التربية على شيء من تراث العرب والمربين المسلمين؟، أم تقوم جميعاً على تجارب أجراها علماء الغرب على الكلاب والقطط والفيران والخيل والحمير والبغال، ومنها خرجوا بنظريات التعلم التي يراد لنا أن نطبقها على متعلمي المسلمين؟، وهل نجد للاقتصاد المعاصر جذوراً إسلامية تُدَرَّس في جامعاتنا؟، أم نجد لها جذوراً فيما قال به "ماركس" من صراع طبقي؟ وما قال به "مالتوس" من خرافات سكانية؟، وهل يدرس طلاب جامعاتنا في الاجتماع إلا ما قال به "دوركيم وماكس فيبر وسان سيمون وأضرابهم"؟ وجميعهم من الماديين الذين يفسرون الظواهر الاجتماعية تفسيراً مادياً بحتاً؟!.
وما نراه في مجال التربية أشد سوءًا، فما زال طلابنا حين يدرسون تاريخ التربية وفلسفتها يتوقفون كثيراً أمام "جان جاك روسو" وكتابه "إميل" الذي اعترف فيه بأن راهب الكنيسة كان يغتصبه وهو طفل صغير، ويعاشره معاشرة الزوجة!!. أليس هذا هو رائد ما يسميه أساتذة جامعاتنا التربويون بالفلسفة الطبيعية؟!.
أظن أن ما قدمته كافٍ لإبراز واقع الشخصية الإسلامية المعاصرة. ويمكن إجماله في كلام موجز خلاصته: "أن هذه الشخصية المسلمة المعاصرة تعاني كثيراً من التغييب والتغريب، وقد أسهمت في ذلك مؤسسات رسمية وغير رسمية؛ فأنتجت على مدى سنواتٍ طوالٍ أنماطاً من الشخصية تعاني من هشاشة الالتزام الخلقي، وضعف الانتماء الديني، والإحباط، والقهر، والشعور باليأس من النصر، والإحساس بالهوان، والضياع في عصرٍ يتسم بالقوة، وهي لا تملك من عناصر تلك القوة شيئاً تعتصم به".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3849
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1443
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1023
| 29 أبريل 2026