رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مما لا شك فيه أن المرأة لها شأن عظيم في كل المجتمعات بما في ذلك المجتمع المصري.. والمرأة هي الزوجة والأم.. وهى – إلى جانب الرجل – عماد الأسرة.. وتلعب دورا محوريا في سعادة واستقرار المجتمعات.. إذا ما كانت صالحة ومثقفة.. وكما قال الشاعر العظيم حافظ إبراهيم في قصيدته الرائعة بعنوان " العلم والأخلاق ":
الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيب الأعراق
وكل إنسان عاقل لابد أن يتفق مع شاعرنا العظيم فيما ذهب إليه.. ولا شك أيضا أن المرأة المصرية لم تكن تحيا في ظروف مماثلة للحياة في الوقت الراهن.. كانت زوجة وأما وتتمتع بهذا القدر الكبير من الأهمية وهى لم تخرج بعد إلى ميدان العمل.. فما بالك وهى تعمل الآن في كافة مجالات الحياة.. وتشارك الرجل دون تمييز.. ومن بين النساء الآن الوزيرة.. والقاضية.. فضلا عن الأعمال التي تميزت فيها في السنوات الأخيرة.. مثل الطب والتمريض والتدريس والصحافة والإعلام وغيرها من المجالات.. يعنى لم تعد الأم أبداً " أمينة ".. كما كانت في ثلاثية " نجيب محفوظ " القابعة في منزلها.. والتي لا ترى المجتمع إلا من خلال خصاص النافذة.. ولا تعرف عن المجتمع شيئا غير ما يخبرها به " سي السيد ".. وغني عن القول أنها مرت برحلة كفاح حتى انتزعت لنفسها حق احتلال مكانها الطبيعى إلى جانب الرجل.. وغنى عن القول أنها كانت رحلة طويلة ومضنية.
المرأة إذاً هي نصف المجتمع كما في كل المجتمعات المتقدمة.. ولكن أيهما أكثر سعادة.. " أمينة محفوظ ".. أم السيدات العاملات في الوقت الراهن؟ هذا نصف السؤال فقط أما النصف الآخر فهو.. أى المجتمعات أكثر سعادة.. مجتمع الأمس أم مجتمع اليوم؟ يعنى ما مدى تأثير خروج المرأة للعمل على أطفالها وزوجها.. بل وعليها هي نفسها؟
الإجابة ليست سهلة أو بسيطة.. وفي الوقت نفسه لا يمكن الوصول إلى إجابة يمكن تعميمها على الجميع.. ولكن الشئ الحتمي والمؤكد هو أن كل شيء وله ثمن.. وهذه المكتسبات العظيمة التي حصلت عليها سيدة اليوم لابد أن يقابلها تأثيرات – هي في الغالب سلبية – عليها وعلى أسرتها.. كيف؟ دعونا نتناقش بهدوء.. مع اعترافنا الكامل بداية أننا نقر بفضل المرأة.. سواء كانت تعمل في أي مجال.. أو كانت ربة منزل.. فهى نصف المجتمع.. وهى الأم والابنة والزوجة والأخت.. وفي جميع الأحوال لها مكانتها العظيمة في نفوسنا.
خرجنا إلى الميدان لنستطلع الآراء على أرض الواقع.. فماذا قالت حواء وما هو رأى الرجل؟ السيدات أولا.. ما رأيهن:
تقول السيدة منار عزت – أخصائية مكتبات – بأنها تقوم بكل ما كانت تفعله جدتها " أمينة " مضافا إليه قيامها بتوصيل الأبناء إلى المدارس ومساعدتهم في المذاكرة وحل الواجبات بالإضافة إلى عملها والذي يتطلب الكثير من التركيز والانتباه.. وأنها تفعل كل هذا بكفاءة دون تقصير وإن كان هذا على حساب راحتها الشخصية.
وتتفق معها السيدة نسرين فؤاد درويش – أخصائية كمبيوتر ومسؤولة النشر في إحدى المجلات – فيما ذهبت إليه.. وأن السيدة العاملة تتحمل كل هذه المسؤوليات خصما من رصيد راحتها الشخصية.. ولكن فرحتها بنجاح الأبناء وتفوقهم لا يعادله شيء آخر..ولكنها تعترف بأنها تشعر بالذنب إذا اضطرتها ظروف مرض أحد الأبناء إلى التغيب عن العمل.. ولا تنكر أن ذلك يكون سببا في ارتباك في العمل.. وأحيانا يكون مدعاة لغضب الرؤساء في العمل.
أما المهندسة أميره مصطفى فتقول أن الزوجة والأم العاملة تكون دائما بين نارين.. فهي مضطرة للاستعانة بمربية أطفال وهى لا تأمن عليهم من المكتسبات الخاطئة.. أو إيداعهم في إحدى دور الحضانة.. يعنى أن عملها يكون دوما على حساب الأطفال.
وتؤكد الدادة إيمان – عاملة نظافة بإحدى المدارس – أنه لولا حاجتها للمرتب لما خرجت للعمل.. لأن بيتها أولى بها على حد قولها.. ولأنها تتحمل الكثير في العمل وتعود آخر اليوم غاية في الإجهاد.. ولا يمكنها أخذ قسط من الراحة لاضطرارها لمواصلة تحمل أعبائها المنزلية.
وتضيف إحدى السيدات – رفضت ذكر اسمها – أنها تعمل بالتدريس وتتحمل في سبيل ذلك مالا يطيقه بشر.. فهي تستيقظ قبيل الفجر.. وتعمل كالنحلة حتى منتصف الليل.. وتقول بصراحة أنها فقدت الكثير من أنوثتها.. وأن الحياة لا ترحم حسب رؤيتها للأمر.. ولكنها لن تيأس وستواصل الكفاح إلى جوار زوجها حتى يمكنهما مواجهه أعباء الحياة.
فماذا يقول الأزواج..
محمد على – محاسب بإحدى الشركات الخاصة – يرى أننا نعيش في عصر مختلف وأن خروج المرأة للعمل أصبح أمرا حتميا لمساندة الرجل ومساعدته في أعباء الحياة.. وأضاف أن زوجته تتعاون معه حسب ما اتفقا عليه منذ خطبتهما وأن أي مورد مالي يُجمع على الآخر ويتم الصرف أو الادخار وفق متطلبات الحياة.. وعما إذا كان يجد غضاضة في مساعدة زوجته ماليا أجاب بالنفي.. بل اعتبر ذلك مصدر فخر له.
أما سمير زخارى – مرشد سياحى – فيتفق مع ما ذهب إليه المحاسب محمد على.. ويزيد بأن الرجل هو المسؤول عن الإنفاق.. ولا بأس أن تعاونه زوجته طالما أنها قادرة على ذلك.. وأضاف أنه بعد مرور عدة سنوات قد لا تتمكن الزوجة من الاستمرار في العمل فيجب أن يكون الزوج مستعدا لذلك وأن يتقبل الأمر بصدر رحب.
م.م. – مدرس لغة عربية – يرفض عمل المرأة تماما لأن مكانها الطبيعي هو المنزل وخدمة الزوج ورعاية الأبناء وأن كل إنسان مُيسًر لما خُلق له.. وواجب الزوج أن يلبى كافة متطلبات الأسرة المادية.. ورداً على مقولة أن المرأة الريفية تعمل في الحقل إلى جوار زوجها.. بل حتى إن المرأة البدوية كانت ترعى الأغنام في البادية.. وكانت امرأة منتجة يقول الأستاذ م. م. أنه غير ملزم بالسير على هذا النهج لأن الحياة الحديثة مختلفة ومليئة بالمفاسد والشرور مما يجعله مصراً على أن مجال المرأة الأمثل هو المنزل.. كما وأن هذا يتيح فرص عمل أوسع أمام العاطلين من الشباب.
أما محسن س.- ضابط شرطة – فكان رده ساخرا.. لقد تزوج من فتاة من خريجات كليات القمة.. وهى تعمل منذ تخرجها وراتبها لا يكفيها للصرف على مظهرها.. بل إنها تطالبه بمصروف شخصي تعتبره حقا مكتسبا لها.. ويسأل.. لماذا العمل إذاً؟ ويكمل بسخرية.. الصيت ولا الغنى كما قال من سبقونا في الأمثال.
وحتى تكتمل الدائرة توجهنا بالسؤال إلى الشيخ أحمد السمنودي من علماء الأزهر الشريف الذي أكد أن الإسلام دين سماحة ويصلح لكل الأزمنة وكل المجتمعات وأنه لا يجد غضاضة في عمل المرأة طالما أن هذا العمل يحفظ لها كرامتها ويجب أن يكون عملها بموافقة الزوج.. أما عن مساعدة الزوجة ماديا فيرى أن ذلك جائز على أن يكون هذا بكامل إرادتها حيث إن الإسلام جاء بمبدأ واضح وهو فصل الذمة المالية لكلا الزوجين ولا يجوز للزوج أن يجبر زوجته على المساهمة المادية.. ويرى في النهاية أن الزواج شركة تتطلب التعاون من كافة الجوانب وليس الجانب المادي فقط.
والآن عزيزى القارئ.. عزيزتى القارئة.. فقد طرحنا القضية للمناقشة ونحن على استعداد لتلقي آرائكم أو تجاربكم الشخصية.. وسنطرح بدورنا جميع الآراء للمناقشة دون تحيز منا لجانب على حساب الآخر بغية الوصول إلى ما فيه الخير للجميع.
وإلى قضية أخرى بحول الله.
المضادات الحيوية والإستخدام الخاطئ
أنا من أشد المعجبين بالكاتب الصحفى الكبير الأستاذ مكرم محمد أحمد وأقرأ كل ما يكتبه تقريبا .. ليس... اقرأ المزيد
675
| 22 أكتوبر 2016
من أوراقى القديمة .. فضيلة الصمت والإنصات
عندما أخلو إلى نفسى عادة ما أقلب فى أوراقى القديمة .. هى عادة قديمة عندى .. وأعتقد أن... اقرأ المزيد
1748
| 26 سبتمبر 2016
نجيب محفوظ .. بين النص الأدبى والمشهد التمثيلى
كان من عادة الأستاذ نجيب محفوظ طوال حياته أن يقرأ كل الصحف الصباحية .. وكان يحرص على ذلك... اقرأ المزيد
1391
| 30 أغسطس 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43509
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7131
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5388
| 13 سبتمبر 2026