رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله حمد الخالدي

د. عبدالله حمد الخالدي - باحث في القانون المدني

مساحة إعلانية

مقالات

876

د. عبدالله حمد الخالدي

التبصير الطبي.. ميثاق ثقة لا ورقة موقعة

03 نوفمبر 2025 , 02:24ص

عندما يُجري المريض جراحة طبية، يُثار التساؤل حول من يقع عليه الالتزام بتبصير المريض: هل يلتزم بذلك الطبيب الجراح نفسه؟ أم يمكنه أن يُفوِّض غيره في أداء هذا الالتزام؟ 

 بادئ ذي بدء، يُعد الالتزام بالتبصير أحد أهم الالتزامات الطبية التي تنبثق من الاعتبارات الإنسانية لهذه المهنة، ومن دونه لا تتحقق الموافقة المستنيرة للمريض، وبالتالي يُعتبر تدخل الطبيب في جسد المريض عندئذٍ غير مشروع.

 ويُقصد بالتبصير: إحاطة المريض - بلغة بسيطة ومفهومة - بطبيعة المرض الذي يُعاني منه، والعلاج المقترح الذي يتناسب مع حالته، والبدائل العلاجية المتاحة، حتى لو كانت لدى طبيب آخر، وكذلك بالمخاطر المحتملة للعلاج المقترح، والمخاطر الجسيمة حتى وإن كانت نادرة الوقوع.

 ولقد اهتم القضاء والفقه المقارن بطبيعة التزام الطبيب بالتبصير، حيث تناول القضاء مواصفات هذا الالتزام، كما تناول الفقه نوع المخاطر التي يجب أن يُفضي بها الطبيب لمريضه، سواء أكانت جسيمة أم غير جسيمة، وسواء أكانت نادرة الوقوع أم شائعة، وغير ذلك من النقاشات والاختلافات الفقهية.

 غير أن القضاء وغالبية الفقه لم يتعرضوا لمسألة الشخص الذي يجب عليه الوفاء بالتزام التبصير، ولا سيما في التدخل الطبي الذي يتضمن جراحة حرجة.

فهل يجب على الطبيب الجراح أن يقوم بالتبصير بنفسه؟ أم يمكنه تفويض غيره بهذا الالتزام؟ 

 في الواقع العربي بصفة عامة، لا يُولَى الالتزام بالتبصير الاهتمام الكافي، وقد سمعنا كثيرًا من الأقرباء والأصدقاء يقولون إنهم أجروا عمليات جراحية دون أن يروا وجه الشخص الذي أجرى الجراحة، ودون أن يجلسوا معه ولو مرة واحدة لمناقشة العملية وتداعياتها المحتملة. ويكتفون عادةً بتوقيع المريض على إقرار طبي بالعلم بالمخاطر والمضاعفات المحتملة.

 ومما يجدر التنويه إليه أن التزام الطبيب بالتبصير هو التزام تفرضه ضرورة احترام كرامة المريض، إذ إنه صاحب القرار الأول والأخير في أي تدخلٍ طبي يُجرى على جسده.

 ونظرًا لما تقدَّم، نرى أن اعتبارات احترام كرامة المريض تقتضي أيضًا أن يقوم الطبيب الجراح بالتبصير بنفسه، لا أن يُوكل غيره في القيام بهذا الالتزام؛ إذ إن هذا الالتزام غير قابلٍ للتفويض أو التفريط، ويجب على الطبيب الجراح أن يؤديه بنفسه، وأن يشرح بصدقٍ ما يجب عليه شرحه من معلوماتٍ بطريقةٍ مبسطةٍ ومفهومةٍ.

 والقول بغير ذلك يؤدي - في الحقيقة - إلى عدم احترام كرامة المريض وقراره، ويُعد انتهاكًا لكرامته الإنسانية، وإخلالًا بالتزام الطبيب بالتبصير، مما يُمكن معه مساءلته مدنيًا عن إخلاله بهذا الواجب متى ترتب عليه ضررٌ للمريض.

 وفي تجربةٍ شخصيةٍ، شهدتُ التزام أحد الأطباء الجراحين في الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الواجب، فقد جلس مع العائلة في الموعد الأول لشرح طبيعة المرض بعد الكشف الظاهري، ثم التقاهم مرةً أخرى بعد التصوير والتحاليل الطبية لشرح التشخيص والعلاج المقترح، وفي لقاء ثالث قبل العملية مباشرة شرح طريقة إجراء العملية الجراحية، وأحضر طبيب التخدير لشرح إجراءات التخدير ومخاطره إلى جانب العملية الجراحية، ثم التقاهم مرةً رابعة - بعد العملية - لشرح ما تم من تدخلٍ طبي، وللتأكيد على أن كل شيء جرى بسلام، مع بيان تعليمات ما بعد العملية.

 إن جميع اللقاءات والشرح السابق تُظهر احترامًا كبيرًا لكرامة المريض، واحترامًا لحقه في تقرير مصيره واختيار ما يراه مناسبًا بعد فهمه الكامل لحالته الصحية.

 ختامًا، عندما نتحدث عن التزام الطبيب بالتبصير، فإننا لا نتحدث عن متطلبٍ للرفاه الصحي، بل عن التزام أساسي وجوهري في العلاقة بين المريض والطبيب، علاقة يجب أن يسودها الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة بين الطرفين.

 

 

اقرأ المزيد

alsharq قطر والإمارات.. تنسيق من أجل الاستقرار وصون مصالح المنطقة

تأتي الزيارة الأخوية التي قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى،... اقرأ المزيد

171

| 01 أبريل 2026

alsharq يا للمهاجرين! يا للأنصار! فكيف نطفئ نار الفتنة؟

في لحظة يحيا بها عالمنا العربي على صفيح ساخن بسبب التوترات التي تشهدها المنطقة، برز صوت سعادة السيدة... اقرأ المزيد

186

| 01 أبريل 2026

alsharq الخليج بين كلفة الحرب وحق الشراكة في القرار

لم تعد الحرب الدائرة في المنطقة مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل تحولت إلى حدث يعيد تشكيل... اقرأ المزيد

105

| 01 أبريل 2026

مساحة إعلانية