رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مفاجآت الانتخابات التركية فرضت نفسها على الجميع، بحيث أثارت سيلا من التساؤلات حول البعض وقدرا لا يستهان به من الإحراج لدى البعض الآخر.
❶
الذي لا يقل أهمية عن فوز حزب العدالة والتنمية في تركيا بالأغلبية التي مكنته من الانفراد بتشكيل الحكومة. إن نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع جاءت مدهشة وعميقة الدلالة، ذلك أنها تجاوزت ٨٥٪، الأمر الذي يعكس مدى حيوية العملية السياسية، وهو ما يسوغ لنا أن نقول إنه إذا جاءت النتيجة معززة لمكانة وقوة الحزب الذي يحكم تركيا منذ ١٣ عاما، فإنها أيضا تطمئننا إلى قوة الحضور الذي يمثله المجتمع. صحيح أن النتيجة أبرزت عمق الانقسام في المجتمع التركي، لكن ذلك لا غضاضة فيه طالما اتفق الجميع على إدارة خلافاتهم بالوسائل الديمقراطية ومن خلال الاحتكام إلى صناديق الانتخابات.
لقد شارك في الانتخابات ١٦ حزبا من الناحية الرقمية والقانونية، لكن الصراع الحقيقي كان بين أربع قبائل سياسية الخلاف بينها على أشده. الأول حزب العدالة والتنمية المحافظ وأغلب قواعده تنتمي إلى الهوية الإسلامية، وقد حصل على ٤٩.٥٪ من مقاعد البرلمان، في حين كانت حصته ٤١٪ فقط في انتخابات شهر يونيو الماضي. الثاني حزب الشعب الجمهوري الذي يضم خليطا من العلمانيين واليساريين والليبراليين، وقد كان الحزب الوحيد في السلطة طوال ٢٧ عاما (من عام ٢٣ إلى ١٩٥٠) ظل خلالها متحالفا مع العسكر، وقد حافظ على نسبة تمثيله التي ظلت في حدود ٢٥٪. الحزب الثالث يميني يمثل الحركة القومية ويدعو إلى وحدة الشعوب التركية الممتدة إلى حدود الصين، وكان أكبر الخاسرين، لأن حصته تراجعت من ١٦.٥ إلى ١٢٪. الحزب الرابع (الشعوب الديمقراطي) يعتمد على القواعد الكردية، وقد تراجعت نسبة التصويت له أيضا بحيث وصلت إلى ١٠.٥٪ في حين تجاوزت تلك النسبة ١٣٪ بقليل في انتخابات يونيو الماضي.
الأرقام واضحة في ثبات موقف حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه كمال أتاتورك، بسبب انتشار قواعده العلمانية واليسارية في المناطق الساحلية التي يغلب عليها الطابع الغربي. أما الحزبان الثالث والرابع فمن الواضح أن التصويت لهما كان عقابيا، ذلك أن الحزب القومي رفض المشاركة في الحكومة الائتلافية، وراهن على إفشال مشروعها بأمل أن يشارك في حكومة الأقلية. وكان لذلك صداه السلبي في أوساط الرأي العام، كما أن حزب الشعوب الديمقراطي ضعف موقفه بسبب الانشقاقات فيه، وبسبب خلافه مع حزب العمال الكردستاني الذي يقوده عبد الله أوجلان. كما أن حوادث العنف التي وقعت في البلاد واتهم بعض متطرفي الأكراد بالضلوع فيها، سحبت من رصيد شعبيته.
❷
حين كان رؤساء أحزاب المعارضة يكيلون الاتهامات لحزب العدالة والتنمية، وينددون بممارسات وسياسات الرئيس رجب طيب أردوغان، فإن قيادة حزب العدالة لجأت إلى مخاطبة الناخبين الأتراك بلغة أخرى. إذ لم يكتفوا بالحديث عن المشروعات العملاقة التي تتعلق بتطلعات «تركيا الجديدة» في عام ٢٠٢٣ (ذكرى مرور مائة سنة على تأسيسه الجمهوري) أو مشروع مطار إسطنبول الجديد الذي سيكون ثالث مطار في العالم في ضخامته وجاهزيته، ولكنهم اقتربوا كثيرا من هموم الناس وأمورهم الحياتية. فقد تحدث رئيس الحزب في جولاته عن صرف رواتب لكل خريجي الجامعات (٨٠٠ ليرة للفرد أي نحو ٣٠٠ دولار) إلى أن يجد كل واحد منهم عملا. ومن يريد أن يبدأ مشروعا خاصا تدعمه الحكومة بمبلغ ٥٠ ألف ليرة هبة تشجيعية إضافة إلى قرض يعادل ١٠٠ ألف ليرة. وفي حالة ما إذا عين القطاع الخاص خريجا جامعيا فإن الدولة تتحمل راتبه طوال السنة الأولى لتعيينه. وفي إطار برنامج الدعم الأسري أعلن أن الحكومة ستساهم بنسبة ١٥٪ من تكاليف زواج أي شخص وتأثيث بيته. وإذا أنجبت أي زوجة تركية مقيمة داخل البلاد أو في أي مكان بالعالم فإنها ستكافأ بمبلغ ٣٠٠ ليرة للطفل الأول أو نصف قطعة ذهبية. وسترتفع المكافأة إلى ٤٠٠ ليرة لإنجاب الطفل الثاني و٦٠٠ ليرة أو قطعة ذهبية كاملة للمولود الثالث. وفي حالة الأم العاملة، فإنها إذا أنجبت فلها بعد الوضع أن تعمل نصف الوقت لمدة شهرين، تتقاضى خلالهما راتبها كاملا، وهذه المدة تصل إلى أربعة أشهر في حالة المولود الثاني وإلى ستة أشهر في حالة المولود الثالث، حيث تظل تتقاضى راتبها كاملا في حين تعمل نصف الوقت فقط.
هذا التوجه في خطاب الحزب غاب عن الحملة الانتخابية في المرة السابقة (انتخابات ٨ يونيو التي فقد فيها حزب العدالة والتنمية أغلبيته المطلقة في البرلمان). ولا يشك أحد في أنه كان بين العوامل الجاذبة التي شجعت البعض على التصويت لصالحه، خصوصا في أوساط الشباب، إلا أن هناك عوامل أخرى أسهمت في صنع الانتصار الكبير الذي حققه الحزب.
❸
سيظل تحليل الأسباب التي أدت إلى فوز حزب العدالة والتنمية بتلك النسبة العالية موضوعا مفتوحا للمناقشة خلال الفترة المقبلة، وإلى أن تتبلور الصورة بشكل كاف فإنني أسجل في هذا الصدد النقاط التالية:
< فلا أحد أن يتجاهل حقيقة أن الحزب المحافظ الذي تشكل في عام ٢٠٠٠ يعبر عن الهوية الأصيلة للشعب التركي. الأمر الذي وفر له قاعدة واسعة وصلبة من التأييد. في مقابل ذلك فإن الأحزاب المنافسة الأخرى ــ العلمانية واليسارية والليبرالية ــ ظلت تعبر عن تيارات وافدة، أو عصبيات عرقية أو أيديولوجية (الأكراد والعلويون مثلا).
وهذا التباين بدا أكثر وضوحا في التصويت، ذلك أن حزب العدالة حصد مقاعد ضعف أقوى الأحزاب المنافسة (٥٠٪ ما قبل ٢٥٪ لحزب الشعب الجمهوري).
< الإنجاز والاستقرار الذي تحقق خلال الثلاثة عشر عاما الأخيرة كان رصيدا جيدا عزز من مكانة حزب العدالة والتنمية، وإذا قارنت ذلك بحقيقة أن عمر الحكومات الائتلافية في المرحلة التي سبقت عام ٢٠٠٢ (حين تسلم الحزب السلطة) كان يتراوح بين سنة وسنة ونصف السنة، فإن ذلك يعد حافزا قويا للناخب التركي كي يصوت لصالح الحزب الذي أثبت أن استمراره في صالحه.
< حين أدرك قادة حزب العدالة أن شعبيته تراجعت بصورة نسبية في انتخابات يونيو الماضي، فإنهم لم يطوروا خطابهم فحسب، ولكنهم أيضا أعادوا النظر في قوائم المرشحين، بحيث قدموا أشخاصا أكثر قبولا في دوائرهم (الأكراد مثلا).
< خلال الأشهر الخمسة التي أعقبت انتخابات شهر يونيو الماضى، أدرك الأتراك أن أحزاب المعارضة غير جادة في تحمل المسؤولية، بدليل امتناعها عن الائتلاف مع حزب العدالة وتغليبها حساباتها ومصالحها الخاصة على مصلحة المجتمع. عزز من ذلك وزاد من قلق الناس ظهور بوادر الفوضى في البلاد متمثلة في عودة أنشطة الجماعات الإرهابية والتفجيرات التي راح ضحيتها أكثر من ١٢٠ مواطنا، إضافة إلى عودة حزب العمال الكردستاني إلى إشهار السلاح ضد السلطة. وهي خلفية دفعت كثيرين إلى التضامن مع السلطة التي حفظت الاستقرار في البلاد خلال العقد الأخير.
< لم يكن الأمر مقصورا على القلق الأمني والسياسي، لأن الركود الاقتصادي الذي خيم على البلاد خلال تلك الفترة كان عاملا آخر أسهم في تعزيز موقف حزب العدالة والتنمية الذي قاد حركة النهوض والتقدم الاقتصادي خلال السنوات العشر السابقة. ومن المؤشرات ذات الدلالة في هذا الصدد أن قيمة الليرة التركية زادت بنسبة ١.٥٪ مباشرة فور ظهور النتائج الأولية التي دلت على فوز حزب العدالة.
< ثمة اعتبار أخير سبق أن أشرت إليه يتمثل في أن الذاكرة الجمعية في تركيا مسكونة بمشاعر سلبية إزاء الحكومات الائتلافية التي كانت دائما قصيرة العمر، فضلا عن أنها كانت أحد مصادر عدم الاستقرار في البلاد، الأمر الذي تذرع به العسكر للقيام بأربعة انقلابات أيدها غلاة القوميين والعلمانيين.
❹
عقب انتهاء فرز الأصوات ــ في الساعة الواحدة صباح أمس ــ وقف الدكتور أحمد داود أوغلو في شرفة الحزب بأنقرة وألقى خطبة مطولة أمام الحشود التي قصدت المكان معلنا مد أيدي الحزب للتعاون مع الجميع في المرحلة المقبلة (فهم أنه يقصد معركة تعديل الدستور). في ذات الوقت كانت الجماهير قد احتشدت أمام مقر الرئيس رجب طيب أردوغان، مرددة الأهازيج والهتافات، لم يتحدث الرجل إلى الحشود لكنه ذهب لأداء صلاة الفجر في مسجد الصحابي أبو أيوب الأنصاري، وهو أول مسجد بناه العثمانيون في إسطنبول بعد فتح القسطنطينية (عام ١٤٥٣) وكان الصحابي أبو أيوب الذي شهد غزوة بدر، ضمن جيش الخليفة يزيد بن معاوية الذي قدم يفتح المدينة، وقتل على أسوارها. كانت تلك هي المرة الأولى التي يتوجه فيها رئيس الجمهورية لأداء صلاة الفجر في مسجد أبو أيوب بعد إعلان نتائج الانتخابات. ورغم أنه لم يتكلم في المناسبة إلا أن رسالته كانت بليغة وواضحة.
مع طلوع الشمس بعد ذلك كان السؤال ما هي خطوات حزب العدالة والتنمية المقبلة؟ ألقيت السؤال على من أعرف من العارفين بالسياسة التركية، فكانت الردود كما يلي:
< لا تغيير جوهريا في السياسة الداخلية أو الخارجية، إلا أن حكومة تسيير الأعمال التي تريثت في التعامل مع قضايا الأكراد والإرهاب والشأن السوري، آن لها بعد تشكيلها أن تتبنى إستراتيجية جديدة للتعامل بحزم مع تلك الملفات.
< قضية تعديل الدستور ستعود إلى الطاولة، خصوصا أن الأغلبية التي حصل عليها حزب العدالة لا تمكنه وحده من إجراء التعديل، ذلك أنه حصل على ٣١٧ من بين ٥٥٠ مقعدا للمجلس. وحسب الدستور فإن الأغلبية تحتاج إلى ٣٦٧ نائبا لتعديل الدستور، أو ٣٣٠ نائبا لطرحه للاستفتاء. في حين أنها لا تحتاج لأكثر من ٢٨٦ نائبا للانفراد بتشكيل الحكومة، لذلك فإن اتجاه الحكومة إلى تعديل الدستور سيظل مهمة شاقة للغاية لأنها ستكون بحاجة إلى أصوات الأحزاب الأخرى.
< سيعمد حزب العدالة والتنمية إلى لملمة صفوفه وعلاج التشققات التي ظهرت فيه قبل الانتخابات، وأدت إلى ابتعاد بعض قياداته أبرزهم عبد الله جول رئيس الجمهورية السابق. ولاشك أن الانتصار الذي تحقق سيكون عنصرا مساعدا في إنجاح ذلك التماسك. بالمقابل فإن أحزاب المعارضة التي منيت بالهزيمة مرشحة للانفراط والتفكك. وقد ظهرت بوادر ذلك الانشقاق في حزبي الحركة القومية والشعوب الديمقراطي. الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تراجع رصيدها وإضعاف دورها في البرلمان الجديد.
< لأن فترة البرلمان الحالية أربع سنوات، فليس مستبعدا أن تتجدد محاولات أنقرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، خصوصا أن ثمة قرائن موحية بذلك. كان منها الزيارة التي قامت بها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والتقاؤها مع أردوغان في ذروة المعركة الانتخابية. إضافة إلى إشارات التشجيع التي ظهرت من بعض الدول الأوروبية الأخرى.
أحد الذين ناقشتهم في الموضوع كان صحفيا تركيا حشريا، ألقى عليَّ في نهاية المكالمة السؤال التالي: ما هي أخبار المرحلة الثانية من الانتخابات عندكم؟ فوجئت بالسؤال فقلت له على الفور ما هي أخبار الطقس عندكم؟ ولوحده انقطع الخط!.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9366
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2016
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1119
| 06 أكتوبر 2026