رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل نحن واثقون من صواب تشخيصنا لمشكلة سيناء، ومطمئنون حقا إلى أن تهجير أهالي رفح هو الحل؟
(1)
أدري أن طرح السؤال في الأجواء المصرية الراهنة يبدو تغريدا خارج السرب وسباحة ضد التيار، كما أن توقيته تأخر كثيرا الأمر الذي يعيد إلى أذهاننا نموذج الرجل الذي يضرب به المثل، حين خرج لأداء فريضة الحج في حين كان الناس في طريق عودتهم منه، ذلك أن التشخيص تم، والقرارات صدرت والتنفيذ جار على قدم وساق، كما أعلن على الملأ أن مصر في حالة حرب استهدفت تهديد أمنها القومي وإسقاط الدولة، الأمر الذي يعني أنها باتت تخوض معركة وجود، وبعدما أطلق النفير جرى تعبئة الرأي العام لصالح خوض تلك الحرب المصيرية، بجرعات عالية من الاستنفار التي استخدمت فيها الخطب السياسية والمزايدات الإعلامية والأناشيد الوطنية والفتاوى الدينية. وفي هذه الأجواء تقرر أن يدفع أهالي سيناء الثمن وقدم سكان رفح المصرية قربانا للدفاع عن أمن مصر المهدد، وتسابقت وسائل الإعلام في امتداح أهالي سيناء الذين امتثلوا وقبلوا بالتضحية من أجل مصر، خصوصا بعدما قيل إن تهجير 15 ألف شخص من ديارهم يعد ثمنا متواضعا لتأمين 90 مليون مواطن مصري، أما الذين ترددوا أو تململوا فقد وجهوا بضرورة حسم موقفهم، فأما أن يكونوا مع التهجير أو مع الإرهاب الذي يهدد أمن مصر.
تلاحقت تلك المشاهد بسرعة خلال الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الماضي، في أعقاب الهجوم الإجرامي الذي قام به الإرهابيون على قوة الجيش المرابطة في كمين كرم القواديس وأدى إلى قتل وإصابة 60 جنديا وضابطا، الأمر الذي صدم المجتمع المصري ودفع القيادة السياسية والقيادة العسكرية لاتخاذ مجموعة من الإجراءات لوضع حد لتلك الجرائم التي استهدفت الجيش والشرطة وأمن مصر القومي. وكان من بين تلك الإجراءات إعلان الطوارئ في سيناء وإخلاء الشريط الحدودي الذي يفصل بين مصر وقطاع غزة من السكان لوقف تسلل الإرهابيين من وإلى القطاع، وإذ نفذت تلك القرارات على الفور فإن سكان رفح المصرية الذين يعيشون في المنطقة تلقوا إخطارا بإخلاء بيوتهم خلال 48 ساعة تمهيدا لتطهير المنطقة التي تمتد بطول نحو 14 كيلومترا (أقيم عليها 800 بيت عاشت فيها 1165 أسرة) وبسبب الطوارئ المفروضة وانقطاع الاتصال فإننا لم نسمع صوت أهالي المنطقة (أمس، بعد أسبوع من صدور القرارات وبدء تنفيذها أعلن أن وفدا رئاسيا سيزور رفح للاجتماع بشيوخ القبائل والاستماع إلى ملاحظاتهم). وباستثناء التقارير القصيرة التي نشرتها بعض الصحف لمراسليها في العريش، والتي تحدثت عن معاناة المهجرين فإننا لم نتابع الحدث إلا من خلال الصور التي وزعتها القوات المسلحة لحملة الإخلاء، والتي سجلت عمليات هدم البنايات وإخلاء السكان لبيوتهم بأثاثها ونوافذها وأبوابها، وفي كل الأحوال فإن علاقة الرأي العام بعملية التهجير ظلت محكومة بحدود الرؤية الرسمية. بمعنى أنها بقيت تدور في فلك أصداء القرارات التي صدرت وإجراءات تنفيذها على أرض الواقع. من ثَمَّ انطلقت رؤية المجتمع من التسليم سواء بالتشخيص الذي أعلنته الجهات المعنية بمشكلة الإرهاب في سيناء، أو بالحلول التي طرحت للتصدي لخطر المشكلة وتحديد مصادرها.
(2)
رغم أننا لم نتابع ما جرى في سيناء قبل التهجير وأثنائه إلا من زاوية محدودة للغاية ومحكومة بالرؤية الرسمية التي فرضتها الاعتبارات الأمنية، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن المجتمع كان مهيأ لاستقبالها ومرحبا بها. ذلك أن الضمير الوطني كان ولا يزال مستفزا للغاية ضد الجماعات الإرهابية التي استهدفت قوات الجيش والشرطة، ولم يكن مستعدا لأن ينسى أو يغفر لتلك الجماعات قتلها للعشرات من أولئك الجنود الأبرياء، ومن ثم كان الرأي العام مستعدا للقبول بأي إجراء يتخذ للقضاء على تلك الجماعات. صحيح أن قطاعا من الرأي العام كان مرحبا بالعمليات التي قام بها تنظيم أنصار بيت المقدس حين قامت بتدمير أنبوب الغاز الموصل لإسرائيل أكثر من عشرين مرة، إلا أن ذلك الترحيب انقلب إلى نقيضه بنسبة مائة في المائة حين حولت عناصر التنظيم نشاطها بحيث أوقفت عملياتها ضد إسرائيل واتجهت للاشتباك مع الجيش والشرطة المصرية في داخل سيناء وخارجها، وحين تعددت المجموعات المسلحة وظهرت إلى جانب أنصار بيت المقدس تنظيمات أخرى مثل شورى المجاهدين وجيش الإسلام وأكناف بيت المقدس، فإن سيناء ارتبطت في الإدراك العام بكونها موئلا للإرهابيين الذين تعددت مصادر تسليحهم، من ليبيا تارة ومن السودان تارة أخرى. ولم أقتنع بدور غزة في هذا الجانب، لأنها كانت طول الوقت بحاجة لاستقدام السلاح وليس إلى تصديره. وذلك لا يتعارض مع دور الأنفاق في دخول الأفراد وخروجهم أو في إدخال البضائع إلى القطاع.
الشاهد أن الرأي العام المصري تعامل مع القرارات التي اتخذت لتطهير سيناء من الإرهابيين والإحالات التي تضمنتها باعتبارها مسلمات مستقرة لا سبيل إلى مناقشتها أو مراجعتها، إلا أن البيانات والتقارير التي صدرت من خارج الحدود المصرية تفتح الباب لتلك المراجعة، وسأضرب مثلا بشهادتين في هذا الصدد، إحداهما من غزة والثانية من إسرائيل.
(3)
إذ منذ أعلن رسميا في مصر أن «عملية الشيخ زويد الإرهابية نفذت بدعم خارجي» فإن الأنظار اتجهت مباشرة إلى قطاع غزة، ثم إلى حركة حماس المصنفة مصريا ضمن القائمة السوداء بسبب ارتباطها التاريخي بحركة الإخوان المسلمين. ورغم أن الاتهام لم يوجه إلى حماس بصورة رسمية. إلا أن وسائل الإعلام استخدمت لتثبيت تلك التهمة. وانتهى الأمر ليس فقط بتعميم الاتهام وإنما أيضا بنشر أسماء لأشخاص ذكرت المصادر «السيادية» أنهم ضالعون في الجريمة. إزاء ذلك أصدرت وزارة الداخلية في القطاع بيانا في 31/10 فند تلك القائمة على النحو التالي: إذ ذكر أن ستة أشخاص من الذين وردت أسماؤهم في القائمة لا وجود لهم إطلاقا في السجل المدني الفلسطيني ــ إلى جانب ذلك فقد تضمنت القائمة أسماء خمسة أشخاص يعيشون في الضفة الغربية وبينهم طفل عمره 15 عاما اسمه عطا الله القرم. وهؤلاء أسماؤهم متكررة بين سكان الضفة ولم يثبت أنهم دخلوا إلى غزة في أي وقت ــ تضمنت القائمة اسمين لاثنين من القياديين في كتائب عز الدين القسام الذراع العسكرية لحركة حماس، هما محمد أبوشمالة ورائد العطار. والاثنان استشهدا أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في شهر يوليو الماضي أي قبل نحو أربعة أشهر من العملية الإرهابية.
رغم أهمية هذا البيان، فلست أدعو إلى التسليم به، إلا أنه لابد أن يثير انتباهنا أن الأمر لم يخضع للتحقيق والتحري من جانب السلطات الأمنية المصرية، إذ في ظل حكومة الوفاق التي خرجت منها حماس فلست أظن أن الرئيس محمود عباس يمكن أن يمانع في استقبال لجنة تحقيق مصرية تتوجه إلى الضفة وغزة للتحري عن أولئك الأشخاص وتتبع خيوط العملية. وغنى عن البيان أن حماس إذا لم تقبل بذلك في القطاع فإن موقفها سيكون قرينة مهمة تؤكد ضلوعها في العملية. وأذكر في هذا الصدد أن الدكتور موسى أبومرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس أعلن أكثر من مرة استعداد الحركة للتعاون مع السلطات المصرية في التحقيقات التي تجري بخصوص العمليات الإرهابية التي تشهدها سيناء، بما في ذلك العملية الأخيرة التي وقعت في 24 أكتوبر الماضي.
هذه الخلفية تدعونا إلى التساؤل عن السبب في عدم مواجهة الطرف الفلسطيني بالاتهامات والشبهات المثارة حول دور غزة في سيناء، وهي إذا لم تكن كافية لتبرئة ساحة حماس، فهي على الأقل تدعونا إلى إعادة التفكير في ذلك الدور، وعدم التعامل معه باعتباره أمرا مفروغا منه ومسلما به.
(4)
الشهادة الإسرائيلية أوردها موقع صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 30/10. وأهميتها تكمن في المعلومات المثيرة التي أوردتها، وفي أن مصدرها هو كبير المعلقين العسكريين بالصحيفة رون بن يشاي المعروف بصلاته الوثيقة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. في شهادته ذكر ابن يشاي ما يلي:
< إن النظام المصري يبالغ في إدعائه بأن عناصر من غزة على علاقة بالهجمات التي استهدفت الجنود المصريين مؤخرا، وأن الأوساط الأمنية الإسرائيلية تقدر عدد عناصر أنصار بيت المقدس بما لا يتجاوز ألفي شخص، وهي في ذلك تشدد على أنهم جميعا من الشبان المصريين.
< إن جهاز المخابرات الداخلية «الشاباك» وشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» يتوليان مهمة جمع المعلومات الاستخبارية عن تحركات «الجهاديين» في سيناء. وهذه المعلومات تنقل إلى الجانب المصري الذي يستفيد منها في حربه الفعلية ضد تلك الجماعات، وفي بعض الأحيان لا يتردد الجيش الإسرائيلي في العمل بنفسه داخل سيناء، سيما حين يتعلق الأمر بإحباط عمليات تخطط لها الجماعات الجهادية، أو عندما يتم الرد على عمليات إطلاق النار.
< إن تل أبيب تقدر الخطوات التي يقوم بها الجيش المصري في شمال سيناء، لاسيَّما تدمير المنازل المقامة بالقرب من الشريط الحدودي مع قطاع غزة. وهي الخطوة التي لم يجرؤ الجيش الإسرائيلي على اتخاذها خلال حوالي أربعة عقود من احتلاله المباشر للقطاع.
< إن الحرب التي تشنها السلطات المصرية ضد تنظيم أنصار بيت المقدس تخدم إسرائيل بشكل كبير، لأن ذلك التنظيم يمثل تهديدا لأمن إسرائيل في المدى البعيد، رغم اشتباكه في الوقت الراهن مع الجيش المصري.
< إن عمليات تهريب السلاح إلى غزة تراجعت إلى حد كبير، ليس فقط بسبب الجهود المصرية التي أدت إلى تدمير الأنفاق، وإنما أيضا بسبب الجهود بذلتها القيادة السعودية في الضغط على الرئيس السوداني عمر البشير. وهي التي أقنعته بوقف وصول السلاح الإيراني للسودان، الذي يتم تهريبه بعد ذلك إلى غزة عبر مصر وسيناء. (نقلت الإذاعة العبرية صباح يوم 3/11 عن مصدر إسرائيلي بارز قوله إن جهود السعودية لعبت دورا أساسيا في تقليص تهريب السلاح للمقاومة في القطاع).
< إن إسرائيل تساعد مصر في الحرب ضد الجماعات الإسلامية من زاوية أخرى إضافية، ذلك أنها تسمح للجانب المصري بالاحتفاظ بقوات كبيرة في سيناء، أكبر بكثير مما يسمح به الملحق الأمني في اتفاقية «كامب ديفيد».
أيضا لا أدعو إلى التسليم بهذه المعلومات، لكنني أزعم أنها تساعدنا على التفكير مرة أخرى في مسلمات المشهد الذي انتهى بقرار إخلاء 14 كيلومترا من السكان والعمران، وهي المنطقة المجاورة لقطاع غزة، باعتبارها منطقة خطرة. أما الشريط الحدودي مع إسرائيل الذي يمتد بطول 184 كيلومترا فقد اعتبر منطقة مؤمنة ولا قلق منها.
إنني أخشى أن نبذل كل ذلك الجهد الذي نراه ونسمع به، ثم نكتشف في النهاية إن ما فعلناه لم يوف شهداءنا حقهم، ولم يستأصل الإرهاب كما نصبو، وأنه حقق للأمن الإقليمي بأكثر مما حقق للأمن القومي.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1033
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
678
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2586
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
1986
| 20 أكتوبر 2026