رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في تقدم كبير لـ"الإخوان المسلمون" فاز حزب النهضة التونسي بأكثر من 90 مقعدا من مجموع مقاعد الجمعية التأسيسية الـ217 في الانتخابات المشهودة الشفافية التي أجريت هناك يوم 23 / 10 والتي شارك فيها %90 من الناخبين التونسيين المسجلين حسب لجنة الانتخابات والمراقبين الدوليين..
هذا النصر يأتي بعد عشرات السنين منذ الاستقلال كان حظ الإسلاميين فيها المنع والحظر والتضييق والملاحقات الأمنية ومحاربة الفكر وتجفيف المنابع الدينية وتسخير كل مقدرات الوطن في ذلك المالية والإعلامية.. لكن الأكثر شدة وضنكا على الحزب وأنصاره كانت في عهد الساقط الهارب " ابن علي " الذي وصل به الأمر ألا يدخل الناس إلى المساجد إلا ببطاقات ممغنطة وأن يقوم أئمة المساجد بدور ضابط الأمن في متابعة التنفيذ..
هذا النصر يأتي في ظل تقدم الإخوان المسلمين وفكرهم وأحزابهم وأنصارهم في أكثر من بلد عربي وإسلامي في شكل المقاومة والثورة أو بالانتخابات والعمل السياسي، ويأتي في ظل مراجعات كثيرة وكبيرة بدأت تقوم بها نظم أخرى لم تسقط بعد ولكنها تحاول تجنب المصير الذي آل إليه أصحابهم في تونس ومصر وليبيا..
هذا النصر – وكما يعلم المتابعون العارفون - ليس طفرة وليدة لحظة، ولا هو مجرد موقف عاطفي من الناخبين، ولا هو – كما يزعم بعض خصوم الإخوان – ردة فعل وهروب من واقع سيئ إلى متوقع سيئ أو إلى سوء يراهن على إمكانية إصلاحه.. ولكنه ثمرة تراكم تضحيات مديدة في عشرات السنين ظل فيها الإخوان المسلمون الوحيدين الذين تلتقي على مطاردتهم والتضييق عليهم كل النظم بيساريها ويمينيها، وهو ثمرة إنجازات حققوها رأتها الأمة وجربتها، وثمرة سلوك مستمر ومتواصل من النزاهة المشهودة لشخوص وفاعلية هذه الجماعة، وثمرة الفكر الوسطي الذي تتبناه عن قناعة وفهم للإسلام لا عن ضرورات وقهر واضطرارات، والذي بقدر ما يؤصل على النص ومنطوقه وحذافيره بقدر ما يتحرك في ظلال النص ومفهومه واجتهاداته ومرونته..
ضروري التذكير هنا بأن " الإخوان المسلمون " لا يزالون ينطلقون اليوم في السراء وعلى أبواب التمكين بذات الشعارات التي عملوا بها في الضراء ومنذ الانطلاقة قبل ثمانين سنة.. دون أن يغيروا حرفا واحدا.. ذلك يعني أنهم حققوا الإنجازات وأقنعوا الشعوب لا على حساب ثوابتهم وأفكارهم ولا بمغادرة الوسطية التي ميزتهم.. وفي هذا المقام وفي ظلال هذه النقلة النوعية لا بد من كلام يقال ومن حقائق تثبت.. وأقول:
الذين توقعوا منذ عشرين سنة أواخر القرن الماضي أن الإسلام قريبا سيحكم لم يقولوا ذلك لأنهم يعلمون الغيب ولا لأنهم يخطون في الرمال أو يقرأون النجوم.. وليس لأنهم أئمة مساجد، ولا لأنهم مسلمون متطرفون ولا لأنهم إخوانيون منحازون ولا لأنهم من أتباع ابن لادن المتهمين بالخيالية وعدم الواقعية.. ولكن لأنهم أهل السياسة ولأنهم قرأوا الواقع ورصدوا الخط البياني للمتغيرات وحللوا الأحداث بعينٍ على الماضي وأخرى على المستقبل، فلمسوا الحقائق بطريقة موضوعية أوصلتهم لهذه التوقعات.. أما نحن المسلمين فالنصر والتمكين لأهل الدين وأهل الحق بالنسبة لنا إنما هو جزء من عقيدتنا وإيماننا وثقتنا بموعود الله تعالى رغم أنف المتأنفين وعنوة عن كيد الكائدين.. وصدق الله العظيم إذ يقول: (والله متم نوره ولو كره الكافرون).
البعض كان يسأل باستنكار واضح وظلم فاضح: أين الإخوان المسلمون؟ ماذا فعل الإخوان المسلمون؟ آخرون كانوا يقولون متجاهلين ما تحت يد الخصوم من أسباب وجاهلين سنن الله تعالى في ابتلاء الأحباب: لو كان الإخوان على الحق ما تأخر عنهم النصر حتى الآن؟ بعض آخر من الإسلاميين المستعجلين الذين يغرقون في ثنائية " الأبيض أسود " و " والسلم والحرب " من الأفكار والمواقف كانوا أحيانا أقسى على الإخوان من الخصوم والأعداء البعيدين إذ يقولون: إن منهج الإخوان المسلمين هو من الليونة والإرجاء العقدي (أي عدم القوة في المواجهة والمفاصلة مع المخالفين) ما لن يمكنهم من التغيير في هذا الزمن المليء بالفتن والمختلط الاتجاهات..
نعم لقد تحقق للإخوان المسلمين اليوم بصبرهم وحكمتهم وطول نفسهم أمان يحسدهم عليه كثيرون من المستعجلين، ولا يطمح إليه كثيرون من أهل المجاملات والتزلفات.. وهو يذكرنا بالرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سأل مرة: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبَدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خَائِفُونَ هَكَذَا، مَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ وَنَضَعُ فِيهِ السِّلاحَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَنْ تَغْبُرُوا إِلا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الْمَلأِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِ حَدِيدَةٌ " تغبروا: أي تجاهدوا وتتعبوا. ليست فيه حديدة: أي آمنا لا يحتاج سلاحا ولا يحمله.
أما اللادينية والفراغ والعبثية واللاشيئية التي أرادها لنا أعداء الأمة بديلا عن الإسلام وسخروا لها كل أسباب التغلب ولا يزالون، فإنما هي نبتة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار وإنما هي باطل لا ينتعش إلا في غيبة أو غفلة الحق.. هنا نتذكر قول الحق تبارك وتعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون..).
نعم لقد جاءت جولة الإسلام (وتلك الأيام نداولها بين الناس) لقد صار الرجوع للإسلام اليوم ظاهرة عامة في كل بلاد المسلمين.. وهو ما يحتم - في ضوء هذا الرواج والألق – على العاملين للإسلام من كل الألوان والأطياف وبالأخص " الإخوان المسلمون " لمكانهم ومكانتهم من التغييرات الجارية أن يراجعوا وأن يحدثوا حصيلتهم من فهم طبيعة المواجهة وقوانينها وسننها، ومواضع العزيمة والرخصة منها، وأن يرجعوا بالدراسة والبحث على خططهم ووسائلهم للإصلاح ومعالجة ما اعترى العقول من إصابات مست الواقع الإسلامي كله ومست علاقة الأخوة بين أطياف وألوان العمل الإسلامي، لأن صورة الإسلاميين وطرحهم واحد أو هكذا يريد الناس أن يروه..
لقد صار على البعض - الإسلاميين - الذين غرقوا في التنظير ولم يحصدوا إلا نجاحات محصورة والذين أقاموا في سياق ما يسمح به الآخرون والذين لم يحققوا شيئا أصلا، والذين ازدادت عزلتهم أو أساءوا لصورة الإسلام أكثر مما أحسنوا بجهالة أو استعجال.. لقد آن لكل هؤلاء أن يجروا مراجعة حقيقية وشاملة للفكر والسلوك والعلاقات والأهداف والممارسات التي كانت المرجح للإخوان عليهم.. إن كانوا بالفعل يريدون الحق لا ذواتهم ولا رواج أشخاصهم.. هذا يجب أن يكون ويجب أن يكون بعيدا عن الحساسيات الفئوية والمبالغات.
بقي أن نقول: إن على " الإخوان المسلمون " أن يحسنوا فهم أمور لا بد من إحسان فهمها ؛ ومنها: 1- أن ما حققوه أو ما تحقق لهم من نصر لا منّة لأحد غير الله تعالى فيه.. بالتالي فلا مجاملة على حساب المنهج ولا استحياء من تقرير ثوابت الأمهات بقدر ما لا يجوز فقدان المرونة والواقعية ومسلكية التدرج في الآليات والوسائل والتكتيكات 2- أن جزءا من النصر الذي تحقق لـ" الإخوان المسلمون " إنما ينسب إلى أخطاء وخطايا ومفاسد النظم التي عارضوها ما يعني أن عليهم مسؤولية عملية عالية لتوفير البديل الذي طالما تحدثوا عنه وليس أمامهم إلا أن ينجحوا في مواجهة ذلك.. 3- أن الكثير مما كان يجري بين " الإخوان المسلمون " داخليا أو يتحرك بينهم سريا سوف يصبح أقرب إلى الصحف وإلى الرأي العام من فم قائله ومن أذن سامعه، وسوف يصير عرضة للتأويل والتجيير وسوء التوظيف والتفسير.. بالتالي فإن عليهم أن يطوروا أدوات الشورى والتداول الداخلي، وأن يوسعوا نظرتهم لتشمل كل الوطن وكل القطاعات والتلاوين، وكل العناوين السياسية والوطنية والمذهبية.. وأن يغطوا أكبر مساحة ممكنة من التوافق مع المخالفين..
آخر القول: "الإخوان المسلمون " بشر يصيبون ويخطئون وربما بل بالتأكيد يؤخذ وسيؤخذ عليهم بعض موقف أو فكرة.. ولهم معارضون وأعداء ومنافسون.. ومع ذلك قد فازوا وانتصروا وها هي البلاد تدب بدبيبهم وما ذلك إلا لما يمتازون به من الإيمان والعملانية والمنهج الوسطي (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) وأما خيبة العلمانية وفشل الجاهلية ومصرع كيد الكافرين.. فما ذلك إلا الضلال الموعود لكل من تنكب الطريق (وما كيد الكافرين إلا في ضلال)..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3018
| 24 سبتمبر 2026