رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، وفي محيط مقبرة زعيم الحركة الشعبية الراحل جون قرنق، توقد اليوم الشموع، وتتعانق كؤوس الفرح، احتفالا بتوقيع اتفاق المسارات الخمسة، وهو في الحقيقة اتفاق تقطيع أوصال السودان وتقسيمه لخمس دويلات.
بيد أن النخب السياسية السودانية التي أدمنت الفشل ورهن إرادتها للإستراتيجيات الدولية، تغني مرددة نحن على "أعتاب سلام شامل يؤسس لاستقرار البلاد وتحقيق التحول الديمقراطي"، ما أسهل تنميق العبارات وتصدير المزاعم!، فبالأمس زعموا أنه "اتفاق نيفاشا للسلام الشامل" فذهب جنوب البلاد وتحول لدولة همها تقسيم ما تبقى.
هذا الاتفاق قام وتأسس على 5 مسارات، هي: إقليم دارفور (غرب)، وولايتا جنوب كردفان (جنوب) والنيل الأزرق (جنوب شرق)، وشرقي السودان، وشمالي السودان، ووسط السودان، وفيما يدور الصراع المسلح في أقاليم دارفور، والنيل الأزرق وجنوب كردفان؛ فإنه لا يوجد صراع مسلح في باقي الأقاليم الثلاثة لاسيما شمال ووسط السودان، حيث تم إقحامها إقحاما حتى يحفر في العقل الباطن السوداني هذا التقسيم الآثم ويفرض فرضا.
ومع كل هذا الزخم، لم يشمل هذا الاتفاق فصيلين مسلحين، أحدهما في منطقة جبال النوبة بجنوب كردفان، والآخر في إقليم دارفور، وبالتالي فهو ليس كما زعموا أنه "اتفاق سلام شامل يؤسس لاستقرار في البلاد".
والطامة ليست في تقسيم البلاد سياسيا عبر المسارات الخمسة فحسب، وإنما يتضمن الاتفاق الكارثي تفكيك الجيش القومي، وإعادة هيكلته بشكل جهوي ومناطقي، وهنا بيت القصيد؛ فعلى مدى أكثر من 6 عقود أعقبت استقلال البلاد عن بريطانيا، ظل الجيش السوداني أحد أهم عناصر الحفاظ على الدولة، ومن الطبيعي أن من أراد استهداف كيان الدولة عليه أن يستهدف الجيش.
اليوم تستبد بالواقع السوداني المضطرب مخاوف جدية، تقف شاخصة من خلال تكرار تجربة المعارضات العربية التي تسنمت السلطة بعد الاطاحة بالديكتاتوريات العسكرية، وكانت سبب تدهور الأوضاع المروع في العراق واليمن وليبيا.
وتبين فيما بعد أن الديكتاتورية في العراق كانت أفضل من الديمقراطية التي جاءت بالمعارضين على ظهور الدبابات الأمريكية، وهكذا الحال في ليبيا واليمن، وفي حالتي العراق وليبيا لم يتحول الحكم الشمولي إلى ديمقراطية زاهية، أو حتى الحفاظ على ما تحقق في السابق من تنمية واستقرار.
لعل جوبا اليوم تلعب دورا خبيثا ضمن مخطط تقطيع أوصال السودان؛ فرغم الانفصال ما زالت النخبة الحاكمة هناك تسمي نفسها "الحركة الشعبية لتحرير السودان" أي تحرير السودان من العرب والثقافة العربية، وكان زعيمها جون قرنق يقول إن كان العرب والمسلمين خرجوا من الأندلس قبل 500 عام بعد أن دخلوها في 1492م فما الذي يمنع خروج العرب والمسلمين من السودان.
لقد بنت الحركة الشعبية مشروعها السياسي الذي كانت ثمرته الانفصال في يوليو 2011، على محاربة ما تسميه بالمشروع (الاسلاموعروبي) في السودان.
ليس هذا فحسب، بل إن الحركة الشعبية تزعم أنها تقود الافارقة ضد هذا المشروع وترى أنه الذي اتخذ من السودان منصة لغزو القارة الأفريقية.
وكان واضحا جدا أن الهدف النهائي الذي ظلت تتعهده الحركة الشعبية هو تمكين السودانيين الذين تعتبرهم أفارقة من السلطة، لاعتقادها أن دولة ما بعد الاستقلال 1956م دولة - حسب زعمها - مفبركة، وقائمة على نظام وأطر مؤسسية شوفينية عرقياً ودينياً.
وعليه عقدت الحركة العزم - حتى بعد الانفصال - على إنهاء ما تسميه بالنموذج العربي الإسلامي وإعادة بناء (السودان الجديد) عن طريق الإحلال والإبدال بين النموذجين.
وظل التناقض الأساسي في طرح قادة الحركة متمثلا في تحويل مطالب التنمية (كما في خطابهم السياسي المنطلق من مانفستو الحركة) إلى معاداة العرق واستبطان دعوة خفية للانقلاب على القبائل العربية في السودان، التي تزعم استحواذها حكم السودان وهي تمثل ما تسميه بـ (السودان القديم).
ومن الحماقات التي ارتكبتها جوبا بُعيد الانفصال رفضها إدراج العربية كلغة رسمية ثانية في الدستور، مبررة ذلك بأن جنوب السودان لا تربطها علاقة مباشرة مع العالم العربي؛ لأنها لا تقع في محيطه، وأثارت الخطوة جدلا كثيفا في الأوساط الشعبية، فغالبية السكان يتحدثون العربية وهي لغة التواصل بين مختلف قبائل دولة الجنوب.
ولذا فإن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية تستخدم هذه اللغة كواحدة من وسائط التواصل واسعة الانتشار، وعوضا عن العربية لم تعتمد جوبا لغة محلية تعزيزا للإرث الوطني والثقافة القومية بل استبدلت العربية باعتبارها لغة أجنبية بلغة أجنبية أخرى، وهي اللغة الانجليزية حيث أقرتها لغة رسمية في البلاد.
واليوم وقد سحبت جوبا البساط من تحت أقدام القاهرة وأصبحت كعبة يحج إليها السياسيون السودانيون المغرر بهم؛ كانت مصر داعما رئيسيا للحركة الشعبية الحاكمة إبان خوضها حربا ضد الجيش السوداني ما قبل 2005، الأمر الذي عزز مآل انفصال هذا الجزء من السودان، وبلغ الدعم السياسي المصري للحركة حدا أن سُمح بمكتب تمثيلي للحركة في القاهرة، وأتاحت لزعيم الحركة جون قرنق حينذاك منبرا إعلاميا من القاهرة يبث من خلاله خطابه المعادي للعروبة.
لقد كان لجوبا موقف صادم للعرب بامتناعها عن التصويت خلال الجلسة التى أجريت في ديسمبر 2017 بالأمم المتحدة لرفض قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لدولة إسرائيل والتي أدت إلى موافقة 128 دولة على القرار مقابل امتناع 35 دولة عن التصويت منها خمس دول أفريقية من بينها جنوب السودان، وهو ما اعتبرته الدول العربية مواقف مخزية ضد مشروع القرار العربي.
إن الحقيقة الماثلة أن السودان ليس معبرا للثقافة العربية والإسلامية نحو أفريقيا، باعتبار موقعه تاريخياً في الدائرة الأفريقية والعربية والإسلامية فحسب، بل هو جسر ذو اتجاهين؛ ناقل للمؤثرات العربية الإسلامية للقارة الأفريقية وفي ذات الوقت ناقل للثقافة الأفريقية للمجال العربي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4341
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3156
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1209
| 28 سبتمبر 2026