رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

Dr.hamad_55hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

498

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

سقوط الأقنعة وخطاب التضليل

03 سبتمبر 2026 , 02:00ص

أزمة المرجفين في زمن تتكشف فيه الحقائق

لم يكن التاريخ الإنساني يوما بمعزل عن صراع دائم بين الحق والباطل، وبين الوضوح والنفاق السياسي، لكنه في مرحلتنا الراهنة يشهد استقطابا حادا واختبارا حقيقيا للضمائر. فوسط الصراعات الدامية والتوترات العميقة التي تعصف بمنطقة الخليج العربي وعموم المشرق، تبرز أصوات نشاز من بيننا- تعرف اصطلاحا بالمرجفين- ممن يخفون في أنفسهم عكس ما يبدون، محاولين عبثا قلب الحقائق وتزييف الوعي الجمعي عبر الترويج لمقولات مظلومية النظام الإيراني والدعوة إلى نصرته تحت شعارات براقة مكشوفة الزيف.

هنا يبرز السؤال المشروع والملح: هل هؤلاء يطرحون رؤية عقلانية موضوعية ترتكز على قواعد الحكمة، أم أنهم أدوات وظيفية تحركها أجندات خفية ومصالح ضيقة تتجرد من كل معاني الوطنية والأخلاق؟ إن التمعن في طبيعة هذا الخطاب المزجوج بالشبهات يبين بما لا يدع مجالا للشك أنه خطاب يتخادم مع المشروعات التخريبية التوسعية.

إن قراءة متأنية للواقع الإقليمي تفضح زيف هذا الخطاب من أساسه. فكيف يعقل الوثوق بدعاوى نصرة المظلومين الصادرة ممن مارسوا أبشع أنواع التنكيل والدمار بحق شعوب المنطقة؟ إن المأساة السورية، وما رافقها من تهجير قسري، وقتل ممنهج، وتغيير ديموغرافي ممول طائفيا يندى له جبين الإنسانية، تقف شاهدا صارخا على الدور الإيراني والميليشياوي في تمزيق النسيج الاجتماعيي السوري ضد رغبة شعبه الحرة.

ولا يختلف الوضع كثيرا عما آلت إليه الأوضاع في العراق ولبنان واليمن؛ حيث جرى تقويض مؤسسات الدولة الوطنية، وزج بالمجتمعات في أتون حروب طائفية وأزمات معيشية واقتصادية خانقة، حولت دولا عربية كانت رائدة في التنمية والحضارة والازدهار إلى مؤخرة ركب التقدم العالمي، بينما عانى بلدنا وأهلنا في الخليج من الويلات والتحديات الأمنية المستمرة نتيجة لهذه السياسات التخريبية العدائية.

عندما يتصدى أحدهم للحديث عن «نصرة المظلوم» متجاهلا دماء الأبرياء ومعاناة الأشقاء في الدول العربية التي اكتوت بنيران التدخلات الإقليمية، فإنه إما غارق في جهل مطبق يعمي بصيرته، أو متورط في تبرير الباطل عن وعي وسبق إصرار. إنه نموذج بائس لمن ينظر في غير اتجاه الحقيقة ويبدو ان البوصلة الشخصية قد اصابها خلل واضح، وبدل أن يوجه كلماته نحو ما يعانيه أهله ومن حوله من المصائب، تراه يسوق للخطاب المشبوه وكأنه لم ير بصره وسمعه للواقع الماثل.

وهنا ينبغي لمن أراد تحليل الخبايا وإدراك حقائق الأمور أن يتذكر القاعدة الخالدة في اختبار معادن الرجال والنفوس؛ وهي المقولة الصادقة: «إذا أردت أن تعرف النفوس، فارم الفلوس». فهذه الفئات المرجفة التي تسعى لإشعال الفتن وتأجيج الصراعات الرامية لخدمة أحداث وأهداف غير معلنة، تركض وراء مصالح ذاتية زائلة، ضاربة بأمن أوطانها واستقرارها عرض الحائط.

لكن هذه الحياة، بسننها الإلهية، لا تخلو من الكدر والنفاق؛ فهم بما يصنعونه من مؤامرات يحفرون قبور شعوبهم وقبورهم بأيديهم، ظنا منهم أنهم يحسنون صنعا لمصلحة يرونها قريبة. إن العمى السياسي والأخلاقي الذي يصيب هؤلاء النفر لن يغير من سنن التاريخ شيئا.

ولذلك، فإن الرهان على تزييف الوعي واختطاف الإرادة الشعبية هو رهان خاسر سقطت شرعيته على صخرة الوعي المتنامي لشعوب المنطقة الحرة الأبية.

وإن طال ليل التضليل والنفاق، تبقى الحقيقة ساطعة كشمس النهار، وينتظر الشرفاء والأحرار ذلك الصبح القريب الذي ينكشف فيه غبار الزيف، وتعود لأوطاننا عافيتها وكرامتها، وما ذلك على الله بعزيز، أليس الصبح بقريب؟.

مساحة إعلانية