رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نادرة هي وقفات المراجعات أو ومضات النقد الذاتي التي شهدتها الساحة المصرية سواء على مستوى التنظيمات والأحزاب والرموز الوطنية وبالأحرى على مستوى الحكومات والأنظمة السياسية وهو ما يعكس خللا في البنية الثقافية والسياسية على حد سواء كما يمكن تحميله جانبا مهما من أسباب قصور نخبتنا وتخلف مجتمعاتنا وتنكب حكوماتنا دائما للطريق القويم فالمراجعة والنقد الذاتي ما زال بعضنا يعتبره عوارا سياسيا أو عيبا خلقيا!!
ينتشر ذلك برغم أن ثقافة مجتمعاتنا هي ثقافة إسلامية علمتنا أن الرجوع للحق فضيلة وأن الرجوع للحق خير من التمادي في الباطل.. كما أن القرآن الذي نتباهى ونعتز بالاحتكام إليه يحض على أن يكون منهجنا الدائم في التفكير معتمدا على مراجعة الذات ومحاسبة النفس ولومها على الخير والشر على السواء فإن أساءت أقلعت واستغفرت وعزمت ألا تعود وإن أحسنت وطنت وجودت.. ورضي الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه القائل: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. ورحم الله الراشدين الذين كانوا يكافئون على النقد والنصح للحكام.
أذكر ذلك بين يدي استعراض أهم الملامح السياسية لمبادرة الجماعة الإسلامية لوقف العنف والتي انطلقت عام 1997م مؤكدًا على هذا السلوك وهذا النوع من المراجعات وداعيا كل ذي شأن في الساحة المصرية أن يراجع نفسه وينتقد ذاته فليس منا ولا بيننا أحد معصوم من الخطأ وهو ما يوجب المراجعة والنقد الذاتي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر والتي قد تفضي في أحد أبعادها السلبية أن نفقد وطننا ونرى مجتمعنا يتفتت ويتصارع وما أكثر المتربصين به والمتآمرين عليه.
والحقيقة أنى لا أجد سببا للتوجه بذات النصيحة للنظام الانقلابي الجاثم على صدر بلادي لأنه أصل الداء الحالي ومكمن الخطر وهو يعي ذلك ولا يفكر في المراجعة ويكفي أن نذكر كلمة الجنرال الشهيرة التي قالها قبل انقلابه بعدة شهور حيث قال: "إن الجيش لو نزل الشارع فإن مصر سترجع للوراء أربعين عاما" ثم فعلها!!
كما أن النظام العسكري الذي حكم بلادنا منذ أكثر من ستين عاما لم يحكمها بغير العنف والقمع والترويع وقد عاد اليوم أشرس من ذي قبل ولا يتصور أن يراجع نفسه ويتخلى عن العنف لأنه يكاد يكون أداته الوحيدة للحكم بعد أن فقد كل الأدوات السياسية ولا يسعى لامتلاكها ففي الوقت الذي يحتفل أحد الفصائل السياسية بالذكرى العشرين لإعلانه التخلي عن العنف طريقا لتحقيق الأهداف السياسية نجد النظام يدشن أوسع حملة عنف في تاريخ مصر لترويع الشعب وتركيع المعارضين.
أما عن مراجعة الجماعة الإسلامية في التسعينيات فهي تحتاج إلى المزيد من تسليط الضوء لأسباب عديدة منها أنها لم تكن مجرد هزيمة أمام قهر النظام المتسلط كما لم تكن من موقع ضعف أملى عليها التراجع لأن تشكيلات الجماعة المنتشرة في الداخل والخارج آنذاك كانت لا تزال قادرة على المدافعة والاستمرار في الصراع كما كان عدد مهم من قادتها لا يزال خارج البلاد ويمتلك القدرة على إدارة هذا الصراع.. كما كان النظام مأزوما اقتصاديا بالشكل الذي يصعب عليه الاستمرار في مواجهة مفتوحة من هذا النوع إلا بضخ غالب موارده في تأمين القيادة السياسية ثم لتذهب البلاد بعد ذلك إلى الجحيم طالما بقي الرئيس وأبناؤه في مأمن.
كما كانت الجماعة تمتلك هدفا مشروعا ـ بغض النظر عن الطريقة التي اختارتها في تحصيله ـ وهو تفكيك القبضة الأمنية العاتية التي وضحت شراستها مع وصول زكي بدر لمقعد وزارة الداخلية ووصول قبضة الأجهزة الأمنية لكل أحشاء المجتمع والتحكم في كل مظاهر الحياة العامة وصولا للسيطرة الأمنية على كل المرافق وإحكام الخناق على المواطن فضلا عن الساحة السياسية والإعلامية والحقوقية التي أصبحت مصدر إزعاج للنظام الذي رتب أوضاعه خلال السنوات الست الأولى من حكمه ثم أخذ يتجه نحو بناء ديكتاتورية تحكم للأبد وإن لم يكن قد اتضح يومها اتجاهها نحو التوريث.
كما أن مبادرة وقف العنف التي أطلقتها الجماعة الإسلامية كانت في أحد أبعادها نوعا من "الهجوم السياسي" ولم تكن مجرد انسحاب أمام جبروت النظام وقوته الغاشمة فقد وضعت النظام في موقف حرج أمام أنصاره وهم غالب القوى السياسية آنذاك الذين كانوا قد وقفوا بجانبه وخضعوا لقبضته الأمنية المغلفة بشعار محاربة الإرهاب وقبلوا السكوت على كل أشكال التوسع في القوانين الاستثنائية والإجراءات القمعية وتأميم الساحة السياسية في مقابل أن يكون لهم من الأمر شيء بعد زوال الغمة وتحقيق النصر المظفر!!
ولهذا كان من الطبيعي تزايد "المطالب السياسية" واتساع دائرة "الاحتجاج السلمي" وارتفاع الأصوات مطالبة بالإصلاح السياسي طالما قد انتهى الإرهاب وهذا ما كان يحذره النظام الذي اختطف المجتمع تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت مكافحة الإرهاب" وهو ما جعله يتأخر طويلا حتى 2001م فيما بعد أحداث سبتمبر ليضطر للأفراج عن "مبادرة وقف العنف" التي أطلقت عام 1997م وذلك على استحياء وعلى مضض وتحت ضغط الخوف من الأمريكان الذين راحوا مذعورين يبحثون عن سبب لانتشار الإرهاب في العالم فجاءتهم الإجابة من أهم مراكزهم البحثية وأكبر مفكريهم لتوجه أصابع الاتهام للنظام المصري الذي بالغ في تعذيب الشباب وأفرط في القمع وأغلق كل منافذ التعبير فهاجر الشباب للخارج ليكتشف أن أمريكا هي الداعم الرئيس لهذا النظام.
كما يجب ملاحظة أن مبادرة وقف العنف جاءت دون شروط ومن طرف واحد لأن الطرف الآخر الذي هو السلطة رفض أن يكون شريكا في ذلك لأنه كان يتمنى أن تستمر حالة التعبئة الأمنية التي تصب في صالحه على كافة المستويات وتكرس نظامه الاستثنائي وتجذب له عطفا دوليا برع في التلاعب به.. ولهذا أيضا أطاح بالوزير عبدالحليم موسى لأنه كاد يتوصل لمبادرة شبيهة عام 1993م.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أحيي كل من دعا أو شارك في الاحتفال بمرور عشرين عاما على مبادرة وقف العنف وأتمنى أن تكون قد وصلت الرسالة لصاحب الكفة الأثقل في ممارسة العنف وهي السلطة التي لا تزال تمارس أقصى درجات العنف العضوي والقيمي والسياسي في تعاملها مع المعارضين ومع المواطنين فالعنف والقمع حين يأتي من السلطة التي تحتكر كل أدوات العنف فإن الطامة تكون أفدح.. كما أعزي نفسي بل والمجتمع المصري كله في عودة العنف على يد السلطة بأشرس ما شهدته مصر في عصرها الحديث ووصول معدلات القتل خارج القانون لأرقام غير مسبوقة وتعرض المواطنين للتعذيب بشكل يومي دون حساب ووصول معدلات الاختفاء القسري لمعدلات قياسية.
السادات..ونظرية صالون الحلاقة !!
لا يزال بعض المدافعين عن اتفاقية كامب ديفيد يستندون إلى تلك الواقعة المشهورة عن السادات والتي يشاركه فيها... اقرأ المزيد
7917
| 01 أكتوبر 2016
بين ثقافتنا وثقافتهم
شهد العالم على طول التاريخ الإنساني حضارات شتى وثقافات متعددة، فلم ير صفحات أبيض من الصفحات التي سطرها... اقرأ المزيد
1504
| 10 سبتمبر 2016
"الطريق" لأهداف يناير
لا شك أن ثورة يناير هي أعظم ثورة شعبية عرفتها مصر في عصرها الحديث والقديم على السواء، وأنها... اقرأ المزيد
2184
| 27 أغسطس 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2868
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1182
| 28 سبتمبر 2026