رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اعتادت الحركة الصهيونية، ومن ثم تعبيرها المادي: إسرائيل فيما بعد، على اختلاق الأحداث والأساطير من تلك التي تظل ترددها على طريقة اكذب، اكذب، ثم اكذب.. حتى يصدقك الناس، "فالأرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وخاصة أن هذا "الشعب" هو "شعب اللّه المختار".. وإلى غير ذلك من الأضاليل.
كما اعتادت أيضا، أن امتلكت جزءا صغيرا من حقيقة عامة وشاملة، أن تعمل على تسييد هذا الجزء على كل العناصر الأخرى من الحقيقة العامة، بحيث يطغى عليها، ولا يظل سوى ذلك الجزء الذي تقولبه أيضاً في هالة من الأضاليل والأساطير، التي يُمنع الاقتراب منها مثل المناطق العسكرية التي يُحرّم فيها المشي والتصوير.
الصهيونية وإسرائيل أعادتا إنتاج النازية والفاشية في أشكال أكثر تطورا.. والدليل قرارات سابقة لتجمعات دولية كثيرة، كان على رأسها قرار الأمم المتحدة رقم «3379» في 10 نوفمبر 1975، والقاضي «باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، إلغاء القرار كان عملا غير شرعي، ولم يجئ سوى لاعتبارات الموازين الدولية الجديدة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية.
كانت السمة الباردة لأوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، هي تحول العلاقات الاقتصادية من مرحلة الإقطاع إلى الرأسمالية، وعلى جانب مرحلة التحول هذه، جرى طرح المسألة القومية في أوروبا بوتائر عالية، الصهيونية استغلت هذه الظروف لطرح المسألة "القومية اليهودية"، وبدأت في نسج التحالف مع الرأسمال الصناعي الأوروبي، ومحاولة السيطرة على الرأسمال البنكي، وبذلك من الصعوبة بمكان الفصل ما بين المسألتين، لذا ليس من الصدفة، أن ينعقد المؤتمر الصهيوني الأول في تلك المرحلة بالذات، ولذلك عقدت الحركة الصهيونية تحالفا مع القوى الاستعمارية في اتفاق كامبل - بنرمان عام 1907، والذي استهدف تمزيق أوصال الوطن العربي، ووضع المقدمة لإقامة إسرائيل.
فيما بعد عقدت الصهيونية مع النازية ثلاث اتفاقيات: الأولى «اتفاقية الترانسفير» في عام 1933 من أجل تسهيل هجرة يهود ألمانيا إلى فلسطين، وبموجبها وخلال السنوات 1933 - 1938، ثم ضخ «40» مليون دولار بوساطة البنك الإنجليزي الفلسطيني إلى فلسطين، وكانت هذه، الأساس لإنشاء الاقتصاد الإسرائيلي، توخت الحركة الصهيونية من علاقتها مع النازية، التحكم بيهود ألمانيا، ترحيل رأس المال الضخم للبورجوازية اليهودية، استغلال السياسة العنصرية للنازيين، لإجبار اليهود على الهجرة إلى فلسطين... هذه الاستنتاجات التي خلص إليها البروفيسور السوفيتي بونداريفسكي ونشرها في عام 1984. عقدت الصهيونية اتفاقية ثانية مع النازيين في عام 1934، وأخرى ثالثة في عام 1937، وتقضي بتزويد الحركة الصهيونية للجستابو بأي معلومات عن التنظيمات اليهودية في أوروبا وعن أي نشاطات لهم ضد النازيين، مقابل دعم هؤلاء لإقامة الدولة الصهيونية.
هذا ما يطرحه عبد الرحمن عبد الغني في كتابه: "ألمانيا النازية وفلسطين"، وهو ما يتفق مع ما طرحه غالدر في مذكراته الجريئة.. أي أن أقوى حلفاء النازية في مرحلة معينة من التاريخ، كانت الحركة الصهيونية.
اليهودية مثل الإسلام والمسيحية هي ديانة، وهي بتخطيط صهيوني تحولت إلى (عقيدة سياسية) ثم إلى (عقيدة قومية) وفيما بعد بالضرورة إلى (عقيدة استعمارية) هذا ما يطرحه روجيه جارودي في كتابيه، الأول: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، الثاني: قضية إسرائيل والصهيونية السياسية.
أما اليساريون الأوروبيون آنذاك، فقد رأوا في "المسألة اليهودية" عندما بدأت الحركة الصهيونية في تصويرها بأنها "قضية شعب له حقوقه في وطن، وتاريخيا - من وجهة نظر الصهيونية- فإن ذلك يعني فلسطين"، فقد رأوا في هذا الادعاء (بأن اليهودية استمرت بفضل التاريخ وليس رغما عنه، ولذلك فإن تحرر اليهود يعني تحرر المجتمعات من اليهودية). ورأوا في اليهودية (رمزاً للديانة التي يعتنقها اليهود... لأن فكرة الأمة اليهودية هي فكرة خاطئة تماماً ورجعية في أساسها).. بالتالي:
فمثلما النازية ضد كل ما هو إنساني من خلال دعوتها إلى (العرق الآري النقي)، فإن الصهيونية أيضاً تدعو إلى (العرق اليهودي النقي) ولذا فهي ضد الإنسانية أيضا.
بالنسبة للمحرقة (الهولوكوست) فهي بحد ذاتها لا تزال موضوعا خلافيا للأسباب الآتية:
لقد اعتمدت محكمة نورمبرج رقم ستة ملايين يهودي من الضحايا رسميا، استناداً إلى شاهدين فقط هما هوفل ولويزليسني، وهما ضابطان نازيان، وهذا لا يكفي، كما لم يتم العثور على أي وثيقة ممهورة بتوقيع هتلر، أو أحد الزعماء النازيين تقضي بإبادة اليهود، هذا ما تقوله مجلة: تاريخ الحرب العالمية الثانية، نوفمبر 1956. وكتاب (الحرب ضد اليهود) للمؤلف لوسي دافيدونتش.
بالنسبة لبروتوكولات حكماء صهيون - كثيرة هي المصادر التي تثبت صحة البروتوكولات. التي نشرها سيرجي نيلوس عام 1905، والتي نشرتها أيضاً الجبهة الوطنية السويسرية عام 1933، وقد رفع اتحاد الطوائف اليهودي دعوى ضدهما، وكسبها، لكن المحكمة العليا السويسرية أصدرت نقضاً لقرار المحكمة الأولى في عام 1937، مما يعني صحة هذه البروتوكولات، وكذلك ما ذكرته المؤرخة البريطانية فرانس نيوتن في مذكراتها التي نشرتها في عام 1948، كذلك ما نشره وايزمن في مذكراته 1948 عن البروتوكولات، وأيضا ج. ك. سكوت في كتابه (الحكومة الخفية) 1960، وغيرها وغيرها. ولنفترض جدلاً أن هذه البروتوكولات مزورة، فدعونا نقارن بين ما جاء فيها وبين الممارسات الإسرائيلية منذ إنشاء الكيان حتى اللحظة حول: نهج القوة والعنف، الإمساك بالتجمعات اليهودية، السيطرة على عصبي الحياة: المال والإعلام في العالم، الغاية تبرر الوسيلة... إلخ.
ما نقوله لكل المشككين في صحة هذه البروتوكولات: إن ما طبقته وتطبقه إسرائيل هو ترجمة دقيقة لما جاء في البروتوكولات، وأن كافة استطلاعات الرأي تبين بما لا يقبل مجالاً للشك، الامتداد الديني الأصولي اليهودي المتطرف في الشارع الإسرائيلي، وأحد استطلاعات الرأي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" يتوقع أن حجم المتطرفين الإسرائيليين في عام 2025 في إسرائيل، سيبلغ 62% من سكانها اليهود.. كل ذلك يؤكد أن ما جاءت به البروتوكولات يجري تطبيقه حرفيا.
عند صدور حكم الإعدام على أدولف آيخمان، طلب الأخير أن يعتنق الديانة اليهودية، وعندما سئل عن السبب أصر على أن يجيب عن السؤال في مؤتمر صحفي وبحضور كبرى وكالات الصحافة العالمية قبيل لحظة إعدامه.
قبيل تنفيذ الحكم... انتصب آيخمان في وقفة عسكرية وأدى التحية النازية (رفع اليد إلى الأمام) وقال أمام عدسات الكاميرات:
" أردت اعتناق اليهودية ليس حباً فيها، ولا حباً في إسرائيل.. إنما أردت بذلك أن أهتف لنفسي: أن كلباً يهودياً قد أعدم، ليدرك من يتبعونه من الكلاب ذلك، وأنه لكم.. كان سيسعدني قبل أن أموت أن أوجه رسالة اعتذار إلى الإسرائيليين، تحمل كل ندمي وحرقتي، ولكن... أقول لهم: إن أشد ما يحز في نفسي أنني ساعدتكم على النجاة من القتل، لقد كنت أكثر إنسانية معكم، بينما كنتم أكثر خبثاً وقذارة، أيها الكلاب، إن أرض فلسطين ليست إرثكم، ولا أرضكم... فما أنتم إلا عصابة من الإرهابيين والقتلة ومصاصي دماء الشعوب، يؤلمني أن أشبهكم بالكلاب، فالكلاب تعرف الوفاء الذي لا تعرفونه، لكن نجاسة الكلاب وحيوانيتها من ذات سلوككم.. اهنأوا ما شئتم بإجرامكم في فلسطين... حتى تجيء اللحظة التي تولون فيها الأدبار. وتعلو صراخاتكم تشق العنان.. فتذوقوا مذلة النهاية التي لا تتصورون أنها بانتظاركم، وعندها ستكون الكلاب الضالة أفضل مصيراً منكم".
وفقا للكاتب برنارد لازار في كتابه القيّم "اللاسامية.. تاريخها وأسبابها"، فإن "اللاسامية" هي اختراع يهودي لأنهم يعتقدون بأن اليهودية مشرّبة بخاصية "استثنائية معتنقيها". الاعتقاد بامتياز التوراة عن الكتب السماوية الأخرى. اعتقاد اليهود بأنهم خارج الشعوب وفوق المجتمعات، اعتقاد اليهود "بأن كافة الأجناس الأخرى أقل قدرا عند الله من اليهود"، لذلك فهم فوق كل الشعوب.
وينهي الكاتب فقرته بالجملة التالية: "إن هذه المعتقدات هي خاصية لظهور الشوفينية في الأديان". هذه هي حقائق تاريخ العلاقات والتعاون الصهيوني – النازي، وما قاله آيخمان قُبيل إعدامه... ننقله للقراء على حقيقته... لندرك جميعا حقيقة عدونا الصهيوني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2634
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2142
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1644
| 01 مارس 2026