رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التعريف بالآخرة حق وهو شيء آخر غير التجهيل في الدنيا لأن نفراً من المتحدثين في دين الله لا يحسنون الحديث عنه لأن ذلك شرف لا يناله إلا الصادقون وبذلك يسيئون أكثر مما يحسنون، ويفسدون أكثر مما يصلحون (والله لا يحب الفساد) ولا يحب المفسدين لأن خلوص النيات في الأعمال والأقوال لا تكفي إذ لابد لكل عمل أو قول من أن يكون مخلصاً وصحيحاً ولأن من تحدث عن الدنيا ومستقبله فيها وضرورة الإعداد له لا يعني ذلك بداهة أنه هجر دينه وأعرض عن آخرته، فإذا ما جاء من يجيد الحديث عن الآخرة وتحدث كذلك عن مستقبله فيها لا يعني ذلك عدم اهتمامه أو لفت نفسه أو غيره عن حاضره وبعبارة أصح لكي يكون عمل أي عامل صحيحاً ثم يقدر له القبول لابد له من توافر صدق النية وسلامة الطريق والمقصود بسلامة الطريق صحته والمراد من الصحة أن يكون العمل وفق العقل الموافق والمواطئ للنقل فلو أن امرءاً صام عن الكلام مدعياً وروده في القرآن على لسان الصالحين ممن سبقنا ولم يصم عن الطعام والشراب لم يقبل منه صومه، كما أنه لو صلى من غير ركوع أو سجود لم تقبل منه صلاته إذاً فلابد من موافقة الشرع فيما بيّن كما أنه لابد من موافقة العقل فيما أوكل إليه فلا يقبل جهاد بعصا في مواجهة الدبابة مثلاً.
لكن الكثير ممن لديهم العاطفة المتوقدة والنية الصادقة لا يعون هذه الحقيقة يسيئون في الوقت الذي يريدون فيه الإحسان مما يترك في النفوس انطباعاً بأن الدين لا يحسن السباحة في بحر الدنيا لأن الفهم الذي يبلغوه إلى الناس: أن أحداً لا يبلغ حقيقة التقوى ورقيّ سلم الآخرة إلا إذا عاش وهو يعاني كآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال، وإلا إذا عاش وهو في حالة كاف- أي كاف نفسه – ويعني: لا له ولا عليه جاهل بحقائق الحياة وقوانين المادة وسنن الله في كونه، ومن هذا الفهم نشأت أجيال من المسلمين لا تفقه دينا ولا تملك دنيا " ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين".
إن الحديث العاطفي عن الآخرة وبث الأشواق في النفوس إليها لا يعني أننا ندع ما لقيصر لقيصر لأن رسالتنا في هذه الدنيا هي الخلافة في الأرض وعمارتها، وإكثار القرآن الكريم والسنة النبوية بالإسهاب عن الآخرة جنة وناراً إنما يعني بذلك إخراج الإنسان من شجونه الأرضية التي احتبس بداخلها وجعلها شغله الشاغل، وفتح بصيرته على الأفق الأوسع والأرحب والحياة الأدوم والخلود الذي لا موت بعده.
أما القصور في الفهم لسنن الله في الحياة الدنيا والعيش غريباً على سطح هذه الأرض والعجز عن امتلاك زمام الحياة والأخذ بسنن الله ومنهجه في الحياة فهذا كله لا يدل على تقوى من الله فحسب بل يدل على طفولة في التفكير يضارَّ بها صاحبها هذا الدين وتنهزم بها تعاليمه وتغيب جحافل عدله.
ألم يمكن الله لنا في الأرض، ألم يجعلها لنا ذلولاً ويسخرها لنا لنركبها ونبلغ بها إلى غاياتها ألم يخلق لنا البحر ويسخره لنا لنخرج منه أثمن ما في هذه الدنيا من درر ونأكل منه أطيب ما فيه لحماً طرياً؟ فلماذا ارتخت مفاصلنا ولم يكن لدينا العزم على الثبات فإذا إنساننا طريح الثرى والعجز؟ مع اشتداد عزم الآخرين وثباتهم، حتى قيل وقد رأيت ذلك بنفسي أن دولة عربية تقع على البحر المحيط فيقذف المحيط من اللحم الطري على شواطئه مما لا يحتاج معه إلا أخذه وأكله لكنه يترك على شواطئه حتى يتعفن وتشبع منه طيور النورس ثم بعد ذلك تذكرت الحكومة الوطنية الديمقراطية بإعطاء حق صيده لدولة أوروبية بسعر تراب صحاري العرب التي يضل فيها الذئب. ولم تكلف تلك الحكومة الوطنية الساهرة على مصالح شعبها أن تجنيه ولو من الشواطئ بأن تجد فرص عمل للناس من أهل البلد بذلك وإطعام مئات الأسر من الدول الفقيرة.
نعم هناك تنافس مجنون على جمع حطام الدنيا شغل أصحابه عن الوظيفة الأساسية الصحيحة التي وجد من أجلها وأن ذلك لاشك مذموم يقيناً لأنه عبادة للدنيا وذهول عما وراءها.
إن التعريف بالآخرة دار الإنسان الثانية لا يعد ذلك تجهيلاً لأمر الدنيا ولا صرفاً عنها كما يصوره من يحب لمز الإسلام بل ربما أوجب عليّ وعليك الإسلام أن يكون لك مال قارون شريطة أن لا يكون لك كبره أو شحه أو فساده وقساوة قلبه.
إن التحذلق ولوك الكلام والسخرية من عباد الله ومعتقداتهم لا تقيم دولة ولا تبني صروح المعرفة وإنما يبني وينشئ ذلك كله مال قال به صاحبه هكذا وهكذا وسلطه على هلكته في الحق في مصالح الدنيا والآخرة.
إن سعة لا تطغي ودنيا يسخرها مالكها لخدمة الخير ومصالح العباد هي السعة المطلوبة (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
دعم إنساني للشعب السوداني لتخطي الأزمة الراهنة
مع الاستعداد لدخول شهر رمضان المبارك يجيء اطلاق صندوق قطر للتنمية، بالتعاون مع الهلال الأحمر القطري، قافلة مساعدات... اقرأ المزيد
117
| 10 فبراير 2026
«لعبة الحبّار».. لسنا خيولاً ولسنا أرقاماً
«لعبة الحبّار» ليست موتًا بقدر ما هي حياةٌ بحقيقة واحدة: لا مكان يتسع للجميع. لعبٌ يصير محكمةً، وحاجة... اقرأ المزيد
102
| 10 فبراير 2026
المعضلة الأمنية الأوروبية
فور كل أزمة أمنية عاصفة تهدد الأمن الأوروبي بدءاً من حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى... اقرأ المزيد
153
| 10 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
6150
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2163
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
990
| 04 فبراير 2026