رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكلت سنة 1975 مفترقا كبيرا في التاريخ اللبناني الحديث ليس فقط في السياسة , وإنما في الاقتصاد والمال والاجتماع خاصة. قبل سنة 1975 كان الاقتصاد اللبناني يعتمد على النظام الحر "التقليدي" كاستثناء في منطقة عربية اعتمدت النماذج الاشتراكية في معظمها وأن يكون بأشكال مختلفة. كان لبنان "سويسرا الشرق الأوسط" وبيروت سميت باريس الشرق، وكان النمو قويا والتضخم ضعيفا. اعتمدت سياسات اقتصادية هدفت إلى تعزيز القطاع المصرفي والمالي عبر قانون النقد والتسليف الذي حمى سرية الودائع وأسهم في جذب الأموال العربية إلى لبنان. نجحت السياسات الليبرالية اقتصاديا لكنها فشلت اجتماعيا، إذ أنتجت سوء عدالة خطيرة من ناحيتي الدخل والثروة. شكلت هذه الفوارق الاجتماعية الكبيرة الأسس التي بنيت عليها النزاعات السياسية التي أصبحت أمنية فيما بعد.
بين سنتي 1960 و1970، نما الاقتصاد اللبناني عبر الناتج المحلي الفردي بمعدل سنوي قدره 5% ولم يصل مؤشر التضخم إلى أعلى من 1.5%. في مؤشرات المؤسسات الدولية، وضع لبنان في أعلى مستويات الدخل الفردي لمجموعة الدول ذات الدخل المتوسط أي مباشرة قبل مجموعة الدول الصناعية. هذه نتائج ممتازة ليس فقط بالمعايير العربية وإنما أيضا دوليا. نمت الزراعة سنويا ب 6.3% وكل من الصناعة والخدمات ب 5%. كانت هنالك توازنات اقتصادية خيرة أسهمت في خلق حيوية في كل القطاعات. لذا توزع الناتج المحلي الإجمالي على 12% للقطاع الزراعي و68% للخدمات والبقية للقطاعات المرتبطة بالصناعة. 38% من السكان كانوا يعملون في الزراعة و39% في الخدمات والباقي في الصناعة. لم يشكل سكان المدن إلا 44% من المجموع، فبقي الريف حيويا في السكن والعمل والإنتاج ووصلت إليه الخدمات الاجتماعية الأساسية. نمت الصادرات سنويا بمعدل 14.5% كما ارتفعت الواردات فقط ب 5.1% , مما أسهم في تحسن أوضاع الميزان التجاري. لم يستفد الريف اللبناني من التطور إلا في تلك الفترة، لكن ما استثمر في ذلك الوقت لم يعد كافيا اليوم ليس كميا فقط وإنما من ناحيتي التكنولوجيا والتقدم والتنوع والانتشار.
كانت سنة 1973 مفصلا مهما بسبب أزمة النفط وارتفاع سعر البرميل إلى حدود غير مسبوقة. أتت الأموال إلى المصارف اللبنانية وخرج اللبنانيون للعمل في دول الخليج المستثمرة في اقتصاداتها خاصة في البنية التحتية. حصلت في وقتها أيضا مشاكل سياسية واقتصادية في العديد من الدول العربية , مما سبب نزوحا للأغنياء إلى لبنان، فاستثمروا ووضعوا ودائعهم في مصارفنا. المشاكل السياسية معروفة، إلا أن الاقتصادية ارتكزت على التأميم مما دفع بالمواطنين العرب إلى اللجوء إلى لبنان. كان لعمل اللبنانيين في الخليج وما زال تأثير كبير على الأوضاع الداخلية إذ أسهمت التحويلات في تطوير الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة في أوقات ضيق وتحديات صعبة. في هذا الوقت كانت الحكومات اللبنانية جدية في عملها المسؤول لمصلحة المواطنين، فوضعت برامج خماسية أولها لفترة 1964 – 1968 أسهمت في خلق مؤسسات عامة متعددة رقابية وغيرها وفي فهم دقيق لحاجات وإمكانات الاقتصاد. كان الاقتصاد اللبناني صحيا في نموه وتوزعه لكن بذور المشكلة الاجتماعية بدأت تظهر. لا بد وأن نذكر هنا أن الحد الأدنى للأجور كان 95 دولارا في سنة 1970 وكان مدروسا على عكس ما يحصل اليوم.
كانت الحرب اللبنانية وكان الاحتلال الإسرائيلي في سنة 1982 وكان سقوط الليرة في فترة 1984-1985 كنتيجة ودافع للسقوط النهائي للدولة حتى توقيع اتفاق الطائف الذي أعطى فرصة للخلاص لم نستفد منها كليا بعد. لم يكن حل الطائف فاضلا لكنه أوقف الحرب وهذا مهم إلا أنه نقل الخلل السياسي والمؤسساتي من أمكنة إلى أخرى. مشكلة "الطائف" هو عدم قدرتنا كلبنانيين على تعديل مكامن الخلل فيه حتى ولو بدت ظاهرة في العديد من بنوده. في سنة 1987 وكنتيجة لسقوط النقد تدولر الاقتصاد اللبناني وما وزلنا غير قادرين على الخروج من هذا المأزق المضر الذي يتعمق أكثر فأكثر في عاداتنا وتصرفاتنا. في فترة 1970-1981 بلغ مؤشر التضخم السنوي حوالي 14.6% وانحدر الناتج المحلي الفردي بنسبة سنوية قدرها 5.5%. وصل مؤشر التضخم إلى 120% في سنة 1992 مما سبب ربط الليرة بالدولار، أي عمليا نعتمد منذ ذلك الحين السياسة النقدية الأمريكية في اقتصادنا اللبناني.ارتفعت الكتلة النقدية بمعدل سنوي قدره 17% في فترة 1974-1982 وإلى 339% سنويا في فترة 1983-1986. حصل زلزال اقتصادي خطير ميز فترة ما قبل 1975 مع ما بعدها ولا بد من تحديد المسؤوليات في المستقبل ليس فقط للمحاسبة , وإنما خاصة للتعلم من أخطاء الماضي وتجاربه.
نمت الصادرات بنسبة سنوية قدرها 2% في فترة 1970-1981 والواردات ب 3.3% مما سبب انحدارا كبيرا متواصلا في الميزان التجاري اللبناني بعد سنوات من التغير الإيجابي. انحدرت نسبة العاملين في الزراعة إلى 11% من السكان بسبب الأمن وتدني مستوى الخدمات الاجتماعية في الأرياف. ارتفعت نسبة العاملين في الخدمات إلى 62% مما سبب بداية الخلل السكاني الاقتصادي الذي ما زلنا نعاني منه حتى اليوم. انتقل السكان من الريف إلى المدن حيث بلغت نسبتهم 77% مقارنة ب 44% في سنة 1960 كما ذكرنا.
في الأمور المصرفية والمالية وبسبب الأوضاع المتدهورة تدريجيا ارتفعت الودائع 3.5 مليار دولار فقط في سنة 1987 مقارنة ب 12 مليارا في سنة 1982. انحدر الناتج المحلي الإجمالي فوصل إلى 2.5 مليار دولار في سنة 1988 أو 714 دولارا للفرد الواحد مقارنة ب ألفي دولار في سنة 1975. في الوقت نفسه تدنى سعر صرف الليرة من 4.5 للدولار إلى 500 ليرة في سنة 1988 أي وصل الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارا مما أسهم في دولرة الاقتصاد حتى تثبيت سعر الصرف في بداية التسعينات.
ما زال الخلل الهيكلي للاقتصاد مستمرا حتى اليوم إذ أن النزاع السياسي يمنع عمليا تحقيق الإصلاحات الحقيقية. نحتاج إلى حكومة جديدة ليس فقط للقيام بالتعيينات الإدارية ولاتخاذ القرارات العادية، إنما نريدها أن تساهم في تصحيح هيكلية الاقتصاد عبر تنشيط الزراعة والصناعة كما عبر تطوير الريف لوقف النزوح السكاني وربما العودة إلى المناطق. تصحيح الخلل ممكن في ظل حكومات متجانسة وفاعلة تتخذ قراراتها بسرعة بالتعاون مع مجلس نيابي يقر التشريعات والموازنات كي تصبح الدولة دولة. هل نقبل في لبنان مثلا أن يشكل الاستهلاك الخاص حوالي %80 الناتج أي نتفوق على الولايات المتحدة وهي الدولة الاستهلاكية بامتياز من دون أن تكون هنالك قوانين لحماية حقوق المستهلك نتيجة المنافسة الفوضوية وعدم رقابة الجودة حتى في الأدوية والسلع الغذائية. المجتمع اللبناني سيبقى استهلاكيا إذ هذه هي طبيعة اللبناني الراغب في العيش الهنيء، إلا أن المطلوب زيادة القدرات الإنتاجية ليس فقط في الخدمات وإنما خاصة في الصناعة والزراعة بحيث نخفف من الاستيراد ونستهلك السلع الداخلية. في مستوى الناتج الحالي أي 35 مليار دولار، يسير اقتصادنا في الاتجاه الخاطئ.
هل من الممكن تطوير الإنتاج في غياب التوفير الداخلي الكافي الذي تبتلعه الموازنات العاجزة؟ الحلول مترابطة، إذ أن بقاء عجز القطاع العام كبيرا يمنع تمويل القطاع الخاص بتكلفة تنافسية مقبولة. الأسواق المالية ما زالت غير متطورة، وبالتالي ما زلنا تقليديين في تمويلنا.لا يمكن تطوير الاقتصاد من دون تعزيز أوضاع الشركات الصغيرة التي تميز الاقتصاد اللبناني وتشكل القسم الأكبر من قطاعه الخاص. فالحلول للأوضاع الهيكلية تعتمد على وضع السياسات الاقتصادية التي تغير التوازنات الداخلية ليس إلى ما كانت عليه في السبعينات وهذا مستحيل وربما لا جدوى فيه، وإنما تصحح الخلل نحو أفضل الممكن.
الاستقامة ركيزة الاقتصاد الناجح
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح... اقرأ المزيد
3305
| 24 سبتمبر 2014
الاقتصاد الإيراني.. من العقوبات إلى التنمية
تعتمد العقوبات دوليا لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو غيرها.. لم تكن النتائج باهرة حتى اليوم من ناحية... اقرأ المزيد
871
| 21 سبتمبر 2014
قوة الدولار من قوة أمريكا
المعروف عالميا أن قوة النقد تنبع من الوضع الاقتصادي العام، إلا أن هذا ليس صحيحا دائما، كما شهد... اقرأ المزيد
1289
| 17 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8919
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4839
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026