رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
روحي يا حرة ولا عليك مضرة..
القطرية بين حياء ابنة شعيب وشجاعة المُجادِلة
كم من امرأة خلَّد القرآن ذكرها، فلا تشرق شمس على الأرض أو تغرب إلا وقد تردد اسمها أو وصفها فيما يتلوه المؤمنون في أرجاء المعمورة، ومن هؤلاء ابنة شعيب التي صارت زوجة لكليم الله موسى عليه السلام.
يصفها القرآن بأجلّ الخصال التي تزين المرأة، الحياء، فبعد أن سقى لها ولأختها نبي الله موسى، جاءته تخبره بدعوة أبيها إياه، ليكافئه على حسن صنيعه مع ابنتيه {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}( 1).
وها هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يبسط في إجمال المعنى ببيان التفصيل قائلًا: «جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خَرَّاجة ولاجة»( 2).
وهنا يطالعنا جهابذة اللغة بمعنى السلفع، قال الجوهري: «السلفع من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجريئة السليطة»(3 ).
هكذا تربت فتياتنا
وكأن هذه الآية نهجٌ تربت عليه الفتاة القطرية، فلم تكن يوما بالسلفع من النساء، ولم تكن يوما بالتي تطلق لسانها وتتجرأ على الرجال، أغدقت عليها أمها بالنصح حيال تبجيل الرجال، وخفض الصوت عندهم، والتزام وشاح الحياء أمامهم، والتحذير من الجدال معهم، فكان الرجل يحظى بما لم يحظ به مثله في المجتمعات الأخرى بتوقير النساء إياه، سواء كان رجلًا أو أخًا أو حتى ابنًا.
هذا الحياء إنما هو رفعة للمرأة إذ تتخلق بخلق هو من شعب الإيمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) (4 ).
تربي الأم القطرية ابنتها على توقير الرجل والتزام أدب الحياء معه وعدم التجرؤ عليه، لأنها تعطي القوامة قدرها: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (5 ).
فالقوامة تكليف للرجل، يقوم بمقتضاها برعاية المرأة أمًا وزوجة وابنة وأختًا، سواء بالنفقة أو بتقويمها لتكون على الجادة، فالمرأة القطرية تدرك عظم المهام المنوطة بالرجل تجاهها، ومن ثم تقدره وتُجلّه وتربي بناتها على الشيء ذاته.
لكننا لن نتجاوز إطار الحقيقة لو قلنا إن الفكر الذكوري في المجتمع القطري قد أساء التعامل مع هذه الخصلة والمكرمة التي تربت عليها القطريات، وأقول «الذكور» لا «الرجال»، فهناك بون شاسع بين من يتعامل مع المرأة بمنطق جنسه، وبين من يتعامل معها بمنطق شيمِهِ ومكارمه، فكل رجل ذكر، وليس كل ذكر رجلًا، والرجل الحق يكرم المرأة لا يهينها، يتواضع أمام ضعفها الفطري لا يتجبر عليها، فما أكرمهن إلا كريم، وما أهاههن إلا لئيم.
فهم خاطئ للحياء
وقطعًا أتحدث هنا عن شريحة من الرجال لا كلهم، فبعض الذكور أسأءوا التعامل مع حياء المرأة وتوقيرها الرجل، فتغولوا على حقوقها، ومنحوا أنفسهم سلطة لا يقرها شرع ولا قيم حيال المرأة، فكم من أخٍ هضم حقوق أخته في ميراث الوالد بعد وفاته، فقط لأنه رجل ولا يحق لأخته – وفق مزاعمه- أن تجادله في ميراثها من مال أبيها. كما أتى هذا التغول على المرأة المطلقة، فبدلا من جبر خاطرها المكسور، تعامل وفق قواعد ذكورية استبدادية، كأنها قد ارتكبت جريمة شنعاء، مع أن الطلاق أمر قد شرعه الله لئلا تتحول البيوت إلى جحيم حين يعيش الزوجان في تباغض وتنافر تحت سقف واحد.
بمقتضى هذه السلطة الذكورية منعت المرأة القطرية في بعض البيوت من إثبات وجودها كقسيم للرجل وشريك له، فإن قال فلا راد لقوله، وإن أخطأ لا يُراجع، وإن سلب حقوقها لا تُناقش، وهذا كله ليس من الإسلام في شيء.
من هنا كان قول أمهاتنا قديما «روحي يا حرة ولا عليك مضرة» إذا أرادت المرأة أن تُعرب عن نفسها، وتناقش وتجادل في حقوقها، وتعرض مشكلاتها وأزماتها، وقد يرى البعض في ذلك تغيرًا سلبيا في المجتمع القطري، لكن الأمر ليس كذلك، وليس أدل على هذا من قصة المُجادِلة.
هي واحدة من نساء الصحابة، علمت أن دينها يكفل لها السعي لنيل حقها وعرض مشكلاتها، يقول الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}( 6).
قصة المجادلة
تحكي لنا الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته في الدارين عائشة رضي الله عنها قصة المجادلة فتقول: «تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهِيَ تَقُولُ: يا رسول الله، أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ. فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جبريل بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ}»(7 ).
جاءت خولة تختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتحاوره وترفع له شكواها من زوجها، الذي بعد أن قضت سنوات عمرها معه وأنجبت له الأولاد، ظاهر منها، أي قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، وكان هذا القول في الجاهلية يعد طلاقا، فنزلت بشأن خولة آيات تبطل وقوع اعتبار الظهار طلاقا، وجعلت الشريعة له كفارة.
من حق المرأة أن تناقش وتحاور وتجادل وترفع شكواها ولا تسكت عن الظلم الواقع عليها، فلقد جاء الإسلام وأكرم المرأة وأعزها، بعد أن كانت في الجاهلية هملًا ومتاعًا يورث.
فعندما تجادل المرأة في حقوقها المشروعة، فليس في ذلك إساءة أدب أو تمرد على الرجل، طالما أن جدالها يدور في فلك التشريع الإسلامي الذي حدد لها الحقوق والواجبات.
وفي روايةٍ تقول عائشة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «{قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا»}( 8).
نموذج من الحياء
ومع أن بيت عائشة كان صغيرًا لكنها لم تسمع كثيرًا مما تقول المرأة، وهذا يدل على حياء خولة، وتأدبها في الشكوى إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويظهر هذا الأدب كذلك في مضمون الشكوى والكلمات التي عبرت بها عن شكواها، فلم تسب زوجها أو تعيبه في شيء، بل صانت عشرته ولم تتجاوز في عرضها حدود المشكلة.
وقد يشكل هنا على البعض، ويرى تعارضًا بين المجادَلة الصادرة عن خولة بنت ثعلبة، وبين النصوص التي تذم الجدال، وتحض على تركه، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)( 9).
فالجواب هنا من وجهين:
الوجه الأول: أن الجدال ليس مذموما مطلقا، بل منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وضابطه كما قال الإمام النووي: «فإن كان الجدالُ للوقوفِ على الحقّ وتقريرِه كان محموداً، وإن كان في مدافعة الحقّ، أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل تنزيلُ النصوص الواردة في إباحته وذمّه»( 10).
الجدال بالتي هي أحسن
فهناك الجدال بالتي هي أحسن، والذي يُبتغى به الحق وبالحق، لا ما يراد من جهة الخصومة والانتصار للذات والاستعلاء وطمس الحق، كما قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }( 11).
قال ابن كثير: «{وجادلهم بالتي هي أحسن} أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب»( 12).
الوجه الثاني: أن خولة بنت ثعلبة لو كانت ارتكبت خطأ وينطبق على حالها الجدال المذموم، لأنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم وبين لها خطأها، فدل على أن جدالها لم يكن جدالا مذموما، لكنه كان بمعنى المحاورة والمراجعة، تذكر له من أمر محنتها وفعل زوجها معها، وهذا ما جاءت به التفاسير المعتبرة.
قال القرطبي: «(تجادلك) أي تسائلك»(13 )، وقال الماوردي: «المحاورة: مراجعة الكلام»(14 )، وقال الألوسي: «أي تراجعك الكلام في شأنه وفيما صدر عنه في حقها من الظهار»(15).
ومعاذ الله أن توجد هناك قطرية من الرعيل الأول تدعو إلى تمرد المرأة وخروجها عن تعاليم الدين والعرف المنضبط، بل كن يدعين المجتمع إلى الاستماع لها، ورعاية حقها بأن تخرج عن طور السلبية، وتنادي برفع أي ظلم وقع عليها، والحصول على أي حق مكفول لها شرعًاويقلن لها «روحي يا حرة ولا عليك مضرة».
فلطالما كانت المرأة القطرية كابنة شعيب في حيائها، لكنها كخولة المجادِلة في شجاعتها ومعرفتها بحقوقها.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 1) [القصص: 25].
(2 ) تفسير ابن كثير، (6/228).
(3 ) الصحاح في اللغة، للجوهري، (3/366).
(4 ) متفق عليه، البخاري، (9)، ومسلم، (35).
( 5) [النساء: 34].
(6 ) [المجادلة: 1].
( 7) سنن ابن ماجه، (2063).
(8 ) مسند أحمد، (24195).
(9 ) سنن أبي داود، (4800).
(10 ) الأذكار، للنووي، ص371
(11 ) [النحل: 125].
(12 ) تفسير ابن كثير، (4/613).
( 13) تفسير القرطبي، (17/272).
(14 ) النكت والعيون، (5/488).
(15 ) روح البيان، للألوسي، (14/198).
فنّ الثبات في زمن التقلّب
ليست الحياة طريقًا مستقيمًا مفروشًا بالطمأنينة، بل هي سلسلة من الفصول؛ يمر فيها الإنسان بأيام يظن أن السماء... اقرأ المزيد
69
| 06 أغسطس 2026
العقل في إجازة
هذا عنوان فيلم قديم عُرِضَ في مصر عام 1947 لمحمد فوزي وليلى فوزي وشادية. فيلم حافل بالضحك والغناء،... اقرأ المزيد
102
| 05 أغسطس 2026
كرة القدم ونحر القيم
أطلق عليها ما شئت من عنوان، كرة القدم وقتل القيم! كرة القدم والرصاصة الأخيرة على القيم! كرة القدم... اقرأ المزيد
90
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4539
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2331
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1485
| 30 يوليو 2026