رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التشريعات الحالية تمنح المقيم الحق في الحصول على مكافأة نهاية الخدمة
ونأمل في شمول التعديلات الجديدة أيضا المواطنين
المواطنون يستحقون نهاية الخدمة بواقع شهرين لكل سنة من السنوات التي تزيد عن العشرين سنة في خدمة الدولة
عدة حالات تضررت من قانون التقاعد الذي لم يصدر بعد بلوائحه النهائية والملزمة بالتطبيق، وقد أصبح المتقاعدون من القطريين يعانون مرارة هذا الظلم في عدم إنصافهم بسبب المزاجية في اتخاذ القرار من ناحية، وفي قرارات المحاكم من ناحية أخرى والتي جاءت غير مرضية أو منصفة أحيانا ولم تمنحهم حقوقهم بالكامل كما هو متوقع . وهذا الضرر الذي يقع على هؤلاء المتقاعدين اليوم يجعلنا نفتح هذا الباب عبر هذه السطور، لعل وعسى تجد شكواهم الأذن الصاغية من قبل الجهات المسؤولة في الدولة، لإيجاد الحل المناسب لهم ومن ثم منحهم حقوقهم المسلوبة منهم كما يقولون ويعبرون عن ذلك الظلم الذي تعرضوا له منذ سنوات، ولم يجدوا من يتصدى لحل مشكلتهم المنسية بعد.
ومن واقع الحال الذي يعانيه بعض هؤلاء يتضح لنا أن هيئة التقاعد مسؤولة مسؤولية كاملة عن هذه المهازل بسبب عدم إنصاف المتقاعدين بما يرضيهم ويحقق لهم آمالهم في الحصول على مستحقاتهم المالية التي لم يحصلوا عليها، بينما يحصل عليها البعض الآخر ممن تظلم ونال حقه بقرار من المحكمة، وهم قلة، بينما البعض الآخر ما زال يبحث عن مخرج لإعادة حقوقه المسلوبة منه حتى الآن .
أين ذهبت مكافأة نهاية الخدمة؟
لعل من الأمور التي نذكرها في هذا المقام عندما نتحدث عن رواتب الموظفين القطريين المتقاعدين هو عدم صرف مكافأة نهاية الخدمة، بجانب بدل السكن المقترح صرفه في الراتب التقاعدي ولم تتم الموافقة على منحه المواطنين حتى الآن، وقد صرح سابقا بعض المسؤولين في الدولة باقتراح صرفهما للمواطنين، ثم تبخر هذا الحلم وذهب أدراج الرياح بلا رجعة بسبب التلاعب بعقول الناس وتسكيتهم بكلام للاستهلاك الإعلامي وهو ما كان يبين تعاطف بعض المسؤولين مع الموضوع دون إعطاء أية إجابة شافية أو نهائية حوله، لأن الهدف من ذلك كان الإثارة والتلميع الإعلامي لبعض المسؤولين عند التصريح حول قضايا المستحقات الوظيفية للقطريين بعد التقاعد!.
ومن هنا فقد تاه هؤلاء المتضررون من سلب حقوقهم، فلا لا أماكن وظائفهم ولا هيئة التقاعد ولا وزير التنمية الإدارية أنصفوا هؤلاء بمنحهم مكافأة نهاية الخدمة التي يستحقونها، وهو ما زاد من معاناتهم حتى هذه اللحظة.
القضاة يطالبون بمنح نهاية الخدمة
عن هذه المسألة يقول أحد القضاة القطريين:
التشريعات الحالية تعطي الحق للمقيم في الحصول على مكافأة نهاية الخدمة عن مدة عمله في أي مؤسسة، في حين يكتفى بمنح المواطن المعاش بعد إنهاء خدمته وفق قانون التقاعد الساري حاليا، ونأمل في أن تشمل التعديلات الجديدة مبالغ نهاية الخدمة أيضا للمواطنين، كونها حقا لهم عن السنوات الماضية في عملهم ـ فهي مكافأة لا ينبغي حرمان القطري منها. وإن المواطن يحصل على مكافأة شهر عن كل عام من الخمسة الأعوام الأولى لعمله، وعلى شهر ونصف على الخمسة أعوام التالية، ويحصل على شهرين عن المدة المتبقية مهما طالت، ويحسب على أساس آخر راتب للمواطن .
تأتي مطالبة الجميع بمكافأة نهاية الخدمة معززة بتوصية سابقة لمجلس الشورى بوجوب إعادة المكافأة للعاملين المواطنين بالجهات الحكومية، حيث أكدت توصية الشورى آنذاك حق آلاف الموظفين في الجمع بين مكافأة نهاية الخدمة والمعاش التقاعدي، خاصة أنها كانت مقررة لهم بالوزارات والجهات الحكومية.
حرمان المتقاعدين من حقوقهم
على الصفحة الإلكترونية لـ "الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية " ورد موضوع: "حرمان المتقاعدين من حقوقهم" ونقتطف منه بتصرف نظرا لأهميته، ما يلي:
تبادر إلى الذهن ذهاب المليارات من أموال المواطنين القطريين مع رياح القرارات الحكومية بقصد أو بدون قصد، إلى مكان لا نعرف أين مقره. إن عبارة "حرمان القطريين من أموالهم" تعني قيام الجهات الحكومية بتجميد وعدم صرف حقوق المواطنين المالية، وذلك بتجاهل نص المادة (23) مكرر من قانون رقم (24) لسنة 2002 بشأن التقاعد والمعاشات والتي تنص على أنه لا يجوز للموظف أو العامل الجمع بين المعاش المستحق طبقاً لهذا القانون ومكافأة نهاية الخدمة المنصوص عليها في القوانين. ويستحق الموظف أو العامل الذي تزيد مدة خدمته الفعلية عن عشرين سنة مكافأة نهاية خدمة تتحملها جهة عمله". وفي نفس الوقت نجد على موقع الإنترنت الخاص بالهيئة العامة للتقاعد والمعاشات السؤال رقم (103): متى يجمع المشترك أو المستحق عنه بين المكافأة والمعاش؟ وكانت الإجابة: "إذا كانت مدة خدمة المشترك تزيد على عشرين سنة، فإنه أو المستحقين عنه يحصلون على المعاش بالإضافة إلى مكافأة قدرها شهران عن كل سنة من السنوات التي تزيد على العشرين سنة وتدفعها جهة العمل". وعند سؤالنا بعض المستشارين والخبراء القانونيين العاملين في الجهات الحكومية، على أي الأسس قامت الجهات الحكومية بحرمان المواطنين من حصولهم على مكافأة نهاية الخدمة؟ وكان جواب هؤلاء المستشارين والخبراء أن مكافأة نهاية الخدمة هي حق من حقوق المواطنين، ومن المفروض أن يحصل عليها كل من عمل بالدولة لمدة تزيد عن العشرين عاماً، ولكن قد يكون تجميدها حتى الآن إما: بسبب عدم إصدار اللائحة التنفيذية لقانون التقاعد والمعاشات، أو بسبب ما ذكر في مادة (169) من قانون الموارد البشرية التي تنص على: "ويشترط لاستحقاق الموظف هذه المكافأة ألا يكون مستحقاً لمعاش وفقاً لأحكام قانون التقاعد والمعاشات" .
استغلال حق المواطن المتقاعد
ويضيف أحد المستشارين "كما جاء على موقع الهيئة أيضا":
إن صرف هذه المكافأة أو عدم صرفها بيد وزير المالية. إن ما أقدمت عليه الجهات الحكومية، هو نوع من أنواع الاستغلال في حق المواطنين وهو أمر غير مقبول إطلاقاً ويجب ألا يسمح ولي الأمر -حفظه الله- لتلك الجهات بالقيام تحت أي عذر بحجب حصول المواطنين على حقوقهم المشروعة التي كفلها الدستور والقانون. ولكن في حال استمرت تلك الجهات في حرمان المواطنين من مكافأة نهاية الخدمة فإنني أطلب من أخي سعادة النائب العام أن تباشر النيابة عملها لإرجاع حقوق المواطنين. إن النيابة العامة، كما هو معروف أنشأها سمو الأمير المفدى كهيئة قضائية مستقلة تتولى الدعوى العمومية باسم المجتمع . وتختص دون غيرها بتحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها. ومن أهم مهام النيابة العامة القطرية، كما حددها القانون: (1) التحقيق في الجرائم (2) تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها. وكما هو معروف فإن عدم تسليم الناس حقوقهم المالية التي يستحقونها يعد جريمة جنائية يعاقب عليها القانون القطري، وبما أن هذا الأمر غير متعلق بفرد دون غيره بل يشمل على حد علمي جميع الموظفين المتقاعدين من المواطنين الذين خدموا لأكثر من عشرين سنة. ولذلك فإنها تأتي كدعوى عمومية لصالح المجتمع .
كلمة أخيرة:
القضية شائكة للغاية، وتعج بها أروقة المحاكم بسبب المزاجية في اتخاذ القرار وإنصاف المتقاعدين القطريين الذين يبحثون عن حقوقهم، ومن هنا فإن هذه الفئة تستحق مكافأة نهاية الخدمة بواقع شهرين لكل سنة من السنوات التي تزيد عن العشرين سنة .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4881
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2709
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2022
| 02 يونيو 2026