رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت أولى بشارات الخير حصول قطر على حق استضافة مونديال 2022 نهاية العام الماضي وما سيترتب عليه ذلك من إنفاق المليارات على البنية الاساسية والإنشاءات الرياضية في الدولة، وآخرها عزم الدولة والشركات على إنفاق أكثر من 820 مليار ريال قطري في استراتيجيتها الوطنية للتنمية (2011 — 2016) التي أعلنتها الأسبوع الماضي.
الدولة، وبتوجيهات من سمو أمير البلاد المفدى وولي عهده الأمين — حفظهما الله — عملت الكثير للتخفيف من أعباء الأزمة العالمية على قطاعات الدولة الاقتصادية، وكان لها دور فعال في تجنيب الكثير من البنوك خسائر كبيرة في قيامها بشراء المحافظ والاستثمارات العقارية التي كانت عالقة كشوكة في حلوق البنوك المحلية. فقد مولت البنوك وضخت مبالغ كبيرة في استثمارات عقارية كبيرة في الدولة وخارجها خلال الطفرة الاقتصادية التي شهدها العالم في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي. ولما انتهت الطفرة وجاءت الفكرة لم يستطع الدائنون تسديد استحقاقات البنوك نظراً لانخفاض الأسعار وتقلص رغبات الشراء وقلة السيولة النقدية في أيديهم. وكانت الخطوة الحكومية في شراء المديونيات طوق النجاة للقطاع المالي.
خلال الفترة الماضية، كنا نجادل زوارنا في أن الأزمة التي عصفت بالعالم لم تصب قطر إلا شطحاً، وأن الاقتصاد القطري قوي بما فيه الكفاية ليمضي قدما في إنجاز تطلعات الدولة لبناء دولة يفتخر بها زوارها قبل ابنائها (وهو كذلك إن شاء الله). وكنا نغض الطرف عن رافعات البناء المتوقفة والأبراج غير المكتملة وخاصه في جزيرة اللؤلؤة، أملاً في أن نراها بعد مدة وقد عاد العمل فيها بشكل سريع يتوافق مع وتيرة وسرعة تطور النهضة القطرية. البعض عاد للعمل، إلا أن المدة طالت للبعض الآخر أكثر مما توقع أكثر المتشائمين.
مناسبة حديثي هذا، هي "معرض قطر السادس للعقار والاستثمار" الذي عقد خلال الفترة من 22 : 25 مارس الماضي. لم يتسن لي — للأسف — زيارة المعرض، ولكني استمعت إلى مدير إحدى الشركات العقارية المشاركة وإلى بعض الأخوة من زوار المعرض.
يقول صاحبنا مدير الشركة إنه انفق أكثر من مليون ونصف المليون للمشاركة بالمعرض المذكور ومعارض أخرى مشابهة في دول الخليج للترويج عن الوحدات التي يرغب في بيعها بمشروع جزيرة اللؤلؤة. إلا أنه صُدم من ضعف الإقبال في المعرض بالنسبة للشركات المشاركة محلياً ودولياً وقلة عدد الزوار. فقد شاركت 11 شركة محلية فقط و33 شركة خليجية ودولية في المعرض. وغاب عنه العديد من الشركات الكبرى، أهمها الشركة المتحدة (UDC) وهي الشركة المالكة والمطورة لمشروع جزيرة اللؤلؤة، وشركة الأرض التي تملك 17 برجاً وشركة الصبان التي تملك أكثر من برج في الجزيرة. كما أن عدد الزائرين كان ضئيلاً مقارنة بالأعوام السابقة. وكانت اهتمامات أكثرهم تنحصر في تجميع الكتلوجات والهدايا التعريفية، ولم تكن لهم أي رغبة في مناقشة عروض الشراء أو الاستماع لمندوبي الشركة. ويسترسل أخونا في انه ذهل من أن القلة التي أبدت رغبة في مناقشة العروض التي قدمتها الشركة (3 أشخاص فقط)، عزفت تماما عن التباحث في الأسعار لدى علمها بأن المشروع يتعلق بجزيرة اللؤلؤة. فقد كانت ملاحظاتهم أن مشروع اللؤلؤة يواجه مشاكل جمة وأن الأسعار لا تقارب المستوى المعروف لمثل هذه المشاريع. كما أن الشروط والرسوم الشهرية والسنوية المفروضة على سكان الجزيرة لا تشجع أحدا على الاستثمار أو السكن. وكما يقول أحدهم: "أن أعيش في باريس أرخص من أن أسكن في اللؤلؤة".
يقول مديرو الشركات المستثمرة وشركات التطوير إنهم استنفدوا جميع سبل التسويق خلال الفترة الماضية ولم يحققوا أي نتيجة خلال المعرض السادس ولم يبق لهم إلا المشاحنات القانونية في المحاكم. وقد بلغ اليأس بأحد المستثمرين أن قام بالدعاء "أن يغرق تسونامي الجزيرة بكاملها حتى يتخلص من التزاماته ومشاكله بشكل قانوني وتحت بند الظروف القاهرة. وكما يقول: أخسر دفعة الـ 20% ولا أخسر مجهود عمري كله على هذه الجزيرة ".
تحدثت لاحقاً مع أحد الزملاء المستثمرين في أحد الأبراج بجزيرة اللؤلؤة، وكان انطباعه أن الوضع في المشروع بالنسبة للمستثمرين سيئ جداً. فهم بين نارين، نار التزاماتهم مع المقاولين والملاك والشركة المتحدة UDC في اتمام البناء، ونار توقف حركة بيع الوحدات السكنية ومطالبات البنوك.
الدولة تدخلت مشكورة بشكل إيجابي في تقليل الآثار السلبية التي عصفت بالعديد من قطاعات الاقتصاد. فقد اسعفت البنوك كما ذكرنا سالفاً وضخت المليارات في مشاريع تقوم عليها المئات من الشركات، وفيما يتعلق بمشروع جزيرة اللؤلؤة، فقد كان دعم الدولة لها غير محدود في العديد من المجالات. وكمثال، فقد ذكر لي احد العاملين بقطاع الكهرباء والماء ان الدولة قامت بشراء شبكة الكهرباء والمياه في الجزيرة من الشركة المتحدة بـ 1.4 مليار ريال بعد أن تورطت الشركة في عدم قدرتها على ادارتها وصيانتها بالشكل الصحيح، بالرغم من ان تجهيزات الشبكة في الجزيرة لا تتوافق مع الشبكة المعمول بها في الدولة، وقامت أجهزة الدولة ممثلة في كهرماء بصرف مئات الملايين لعمل التعديلات اللازمة لإدارتها وصيانتها بشكل صحيح.
يقول صاحب الشأن إن الشركات المستثمرة تعرض الوحدات السكنية في أبراج اللؤلؤة بأقل من أسعار التكلفة، إلا أن السعر يظل أعلى من القيمة السوقية لمشاريع مماثلة في اللؤلؤة أو خارجها، وأنهم بالرغم من اجتماعاتهم المتكررة مع مسؤولي الشركة المتحدة وطلبهم إعادة النظر في الأسعار والرسوم وتخفيضها ليتمكنوا من مجاراة الأسعار السائدة في السوق، إلا أن الشركة لم تبد اي تجاوب في هذا الشأن. فهي اقل المتضررين وأقل المتحمسين لإيجاد حل لهذه المعضلة.
نعرف أن أسعار التكلفة للمستثمرين وللشركات التي باعت بها الشركة المتحدة في بداية المشروع تراوحت بين 6،000 و 8،000 ريال للمتر المربع. أي أن الجدوى الاقتصادية المبني عليها تطوير الجزيرة كانت أقل من هذا السعر. ونعرف أنها وصلت بأسعار البيع الى 19،000 ريال مع الطفرة العقارية بسبب حمى الشراء وبسبب ارتفاع تكلفة البناء. ونعرف ايضاً أن زيادة تكلفة البناء لم تصل اطلاقاً الى 100% من الأسعار التي كانت سائدة قبل الطفرة. وعليه، فإن مجال ومرونة تعديل الأسعار قائمة اذا رغبت الشركة المتحدة في تسهيل الأمور لتحويل الجمود القائم حالياً الى حركة بيع وشراء تحيي الجزيرة.
وأقول إن الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة والعالم، تتطلب التفكير في حلول استثنائية للخروج بأقل الأضرار للشركات وللمستثمرين في جزيرة اللؤلؤة. ولن نكون اتكاليين في الاعتماد على الدولة في كل شيء لنطلب منها التدخل بشكل مباشر بالشراء لإنقاذ المشروع، ولكن نطلب منها النظر لإيجاد حلول تفرض على الأطراف المعنية تقديم تنازلات تمثل أهون الضرر للخروج من أزمة الجمود القائمة حالياً في الجزيرة.
بالنسبة للمستثمرين والمطورين، فقد أبدوا الاستعداد لتقديم تنازلات مؤلمة لتقليص خسائرهم، وعلى الشركة المتحدة واي أطراف أخرى أن تفعل الشيء نفسه. ويمكن للحكومة تحمل تكاليف الرسوم التي تفرضها الشركة المتحدة على ملاك الوحدات السكنية وتسقطها من حساباتهم لتشجيع المستثمرين على الشراء في وحدات اللؤلؤة، وذلك باعتبار الجزيرة كأي منطقة في الدوحة. إذ أن امتلاك أي وحدة سكنية في الدوحة لا يتطلب دفع رسوم، في حين أنه يتم تحصيل رسوم تغطي كل جزئية من أجزاء جزيرة اللؤلؤة. فأنت تدفع لصيانة الطرق وإزالة القمامة والتمتع بالمساحات الخضراء... إلخ.
وكما تقوم الدوله مشكورة بنشاطها المعروف للتوسط لحل معضلات ومشاكل عربية ودولية، فإننا ندعوها للتوسط لحل هذه المعضلة ودعوة الأطراف المعنية (الشركة المتحدة — المستثمرين — المطورين — البنوك) للجلوس على طاولة المفاوضات بجزيرة اللؤلؤة، والتباحث لإيجاد حل يعيد للجزيرة روحها المفقودة.
تضافر الجهود وتقديم التنازلات سيؤديان بعون الله إلى إعادة حركة البناء والبيع والشراء، وبالأخص إعادة إحياء الجزيرة كمعلم من معالم قطر الحديثة.
عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم في أواخر 2007 وتداعياتها في السنين التي تلتها، كانت قطر — والحمدلله - الأقل تضررا مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي. فقد استطاعت الدولة أن تصمد أمام العاصفة بثوابت اقتصادية كثيرة، اهمها عزم الدولة في عدم الانكفاء على نفسها تقشفاً كما حدث في السابق بعد انهيار أسعار البترول في الثمانينيات من القرن الماضي. بل أظهرت عزيمة جيدة في التزامها بالمضي قدما بجميع المشاريع التي سبق أن أعلنتها. العزيمة هذه أعطت انطباعا جيداً للسوق وللمستثمرين - محليين وخارجيين - بأن الانفاق الحكومي سيظل يجري في عروق ومفاصل الدولة في كافة المجالات، لتظل حركة الاقتصاد على وتيرتها السابقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4842
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4530
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3402
| 01 يوليو 2026