رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا مفر من الاعتراف بأن مصر لن تستطيع أن تكسب أيا من معارك المصير التي تخوضها ما لم تنجح في تحقيق التوافق الوطني بين أطيافها.
(1)
في الأجواء المخيمة الآن أصبحت هذه البديهة البسيطة بحاجة إلى إثبات لدى البعض، في حين أنها غير قابلة للمناقشة لدى البعض الآخر. وفي كل الأحوال فإن القائلين بها يورطون أنفسهم في مغامرة قد تعرضهم لما لا يسرهم. ذلك أن مجرد طرح الفكرة أصبح يعد سباحة ضد التيار، المعبأ والمشحون بخليط من المشاعر السلبية التي باتت ترى في التوافق الوطني مؤامرة تخل بالنقاء السياسي الذي ينشدونه.
في البداية روج البعض لفكرة تقسيم البلد إلى معسكرين أحدهما ديني والآخر مدني، وهو ما أعطى انطباعا مغلوطا بأن الأول مشكوك في وطنيته وأن الثاني مشكوك في تدينه، وبمضي الوقت ذهب الخطاب التعبوي إلى أبعد، حيث أشاعت أبواقه أن في مصر شعبين أحدهما يختلف عن الآخر ولا مشترك بينهما، الأمر الذي بدا انعطافا باتجاه المفاصلة والافتراق، إلا أن الفجوة اتسعت بعد ذلك وضاقت معها الصدور التي امتلأت بعوامل الرفض والنفور، حتى سمعنا أصواتا باتت تجهر بأن البلد ما عاد يحتمل تعايش الاثنين جنبا إلى جنب تحت سقف الوطن الواحد. وسمعت بأذني من قال على شاشة التلفزيون: إما نحن أو هم، وهي الأرضية التي مهدت الساحة لتقديم كتائب الإبادة التي صمت الآذان ورفضت التفاعل مع فكرة التوافق، حتى أصبح ترديد الكلمة أو التلميح لها بأي صيغة يثير لدى عناصرها حالة من العصبية والهياج، عبرت عنها كتابات ورسومات عديدة مسكونة بالفعل بالغل والكراهية.
لست أدعو إلى فتح ملفات الماضي، ولست في مقام تبرئة طرف أو إدانة طرف آخر، لكن أكثر ما يعنيني في اللحظة الراهنة هو تحقيق العيش المشترك لتقوية مناعم الوطن وتعزيز حصاناته، لكي يتمكن من التصدي للتحديات التي يواجهها. ذلك أنني أزعم أن الوطن ليس ملكا لطرف دون آخر، وأنه أكبر وأبقى من المتصارعين. وتلك بديهية أخرى أرجو ألا نصبح بحاجة إلى إثباتها.
(2)
الدعوة إلى التوافق رددتها بعض الأصوات الاستثنائية المحتدمة في الآونة الأخيرة إذ خلال العشرة الأيام الأخيرة مثلا ترددت الفكرة في كتابات عمرو الشوبكي وعمرو حمزاوي وأحمد عبدربه وزياد بهاء الدين الذي كان عنوان أحدث مقالاته كالتالي: بعد أربع سنوات: لا بديل عن التوافق الوطني الشروق 27/1). وفي مقابل تلك الكتابات فإن أصوات كتائب الإبادة كانت الأعلى والأكثر ضجيجا فضلا على أنها ظلت مهيمنة على البث التلفزيوني بوجه أخص.
في الدفاع عن فكرة التوافق الوطني والتضامن معها أذكر بعوامل ثلاثة تجعل من ذلك التوافق ضرورة في الظروف الراهنة وهي:
* الأول أن الثورة التي قامت في مصر يوم 25 يناير 2011 مازالت تراوح مكانها، بدليل أن أهدافها المعلنة لم يتحقق منها شيء خلال السنوات الأربع الماضية. بل بدا أن النظام القديم الذي انقلبت عليه الثورة أصبح يطل برأسه من جديد ويتأهب لاستعادة مواقعه مرة أخرى، ولا سبيل لمواجهة ذلك الزحف إلا باحتشاد القوى والجماهير صاحبة المصلحة في الثورة، والتي ضحت بأكثر من ألف شهيد لإنجاحها.
* الثاني يتمثل في تنامي خطر الإرهاب في مصر وفي سيناء بوجه أخص، وهو ما ظهر بوضوح في الغارة الأخيرة على المواقع الأمنية في العريش. وفي مذبحة كفر القواديس التي وقعت في منتصف شهر نوفمبر الماضي. وقد قتل في العمليتين العشرات من جنود القوات المسلحة والشرطة. وإزاء ما توفر لبعض المنظمات الإرهابية التي قامت بمثل هذه العمليات من تدريب وخبرة وسلاح، فإن ذلك وضع القوات المسلحة في اختبار، سوف تجتازه بنجاح إذا ما اطمأنت إلى وجود جبهة داخلية وراءها متماسكة وآمنة.
* العامل الثالث إقليمي يتعلق بالمساندة القوية التي تلقتها مصر بعد الثالث من يوليو 2013 من جانب المملكة العربية ودولة الإمارات. ذلك أن وفاة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز أعطت انطباعا بأن ثمة متغيرا في السياسة الخارجية السعودية لن يؤثر على موقف المساندة، ولكنه قد يؤثر بالسلب على حدودها. عبرت عن ذلك تلميحات عدة، كان أكثرها وضوحا مقالة نشرتها جريدة «الحياة اللندنية في 31/1 للكاتب السعودي جمال خاشفجي أحد المقربين من مؤسسة الحكم في المملكة إذ أبدى فيها بعض التحفظات على الوضع السياسي في مصر. ودعا المملكة في عهدها الجديد للعودة إلى اتباع سياسة الاحتواء التي اتبعتها في أوقات سابقة، وليس الاصطفاف الذي ظهر في فترة حكم العاهل الراحل. كما دعا إلى إقامة غرفة عمليات سعودية ــ أمريكية تركية تتولى إطفاء الحرائق ورعاية المصالحة في المنطقة. وهو اقتراح له دلالته التي يمكن أن تكشف المرحلة المقبلة عن أبعادها.
هذا الكلام الذي يخرج مصر من المعادلة رغم أنه يعبر عن وجهة نظر شخصية لا تلزم السلطة السعودية في شيء، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل تماما لأنه صادر عن صوت قريب من السلطة، وفي كل الأحوال فإن تسريبه ينبه إلى أهمية ملاحظة احتمالات التغيير في الخرائط الإقليمية. كما يعزز فكرة توجيه مزيد من الاهتمام إلى الجبهة الداخلية في مصر، والتركيز على تماسكها لمواجهة كافة الاحتمالات.
(3)
تريدون توافقا ومصالحة مع الإرهابيين الذين تلطخت أيديهم بدماء المصريين؟ هذا السؤال هو الأكثر شيوعا في الفضاء السياسي والإعلامي المصري، وقد وصفه الدكتور أحمد عبدربه في مقاله الأخير الذي نشرته جريدة الشروق (في 1/2) بأنه «مغالطة وحيلة لخلط الأوراق»، لأن التوافق المنشود ليس مع هؤلاء يقينا. ذلك أن كل من يثبت ضلوعه في العمليات الإرهابية ليس طرفا في الدعوة، ولكن القانون هو الذي يحاسبه انطلاقا من معايير العدالة والتزاما بمبادئ حقوق الإنسان، بالتالي فالكلام ليس عن هؤلاء، ولكنه عن غيرهم الذين أخذوا بالشبهة وتم إقصاؤهم دون أن يقترفوا ذنبا، ومن ثم أصبحوا مرشحين للانحياز لأحد الخيارات الثلاثة:
رفض الديمقراطية وعدم الثقة بها، أو الانخراط في العمل السري، أو اللجوء إلى العنف، وكلها خيارات سلبية كما رأيت، تزرع بذور شرور لا يعلم مداها إلا الله.
السؤال سالف الذكر هو الأهم عند أهل الموالاة، إلا أن ثمة سؤالا لا يمكن تجاهله يطرحه الطرف الآخر هو: هل يمكن بسهولة تجاهل جراح المرحلة السابقة التي خلفت آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين؟ ردي على السؤال أنه إذا صدقت النوايا وتوفرت الرغبة الحقيقية في التوافق فليست هناك مشكلة بلا حل، إذ يمكن الاهتداء في ذلك ــ مثلا ــ بتجربة لجنة الحقيقة والمصالحة التي تشكلت في جنوب إفريقيا بمقتضى قانون تعزيز الوحدة الوطنية الذي أصدره في عام 1990 نيلسون مانديلا إبان رئاسته للبلاد قبل ذلك بعام. وقد استرشدت بها سيراليون بعد ذلك. كما استفادت منها المغرب بدرجة أو أخرى لطي صفحة الاحتقان الذي عاشت في ظله المملكة تحت حكم الملك الحسن الثاني إذ شكلت لأجل ذلك لجنة «الإنصاف والمصالحة» (عام 2004)، وليس ذلك هو النموذج الوحيد، لأن للجزائر تجربة أخرى للم الشمل تمثلت في قانون الوئام المدني الذي تبناه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقه وتم إصداره عام ١٩٩٩.
ثمة تفاصيل كثيرة يثيرها ملف التوافق يتعلق بخبرة الأشهر الماضية والجراح التي كان لكل طرف نصيب منها، إلا أن أهم ما يعنيني في الأمر هو الاتفاق على فكرة استدعاء الملف وفتحه بهدف تطهير الجراح لكي يستعيد الصف الوطني عافيته ولياقته متحفظا من ركام المرارات والخصومات.
(4)
ليس المراد بالتوافق أو الوئام مجرد تبديد المخاوف أو تطهير الجراح، لأن ما سبق يستهدف تمهيد الطريق إلى المستقبل، وهو سؤال ألاحظ أنه يتردد كثيرا على ألسنة من ألتقيهم من الباحثين والدبلوماسيين الأجانب بوجه أخص الذين تشغلهم قضية مستقبل الإسلام السياسي. إذ عادة ما أقول إن مصير الناشطين في ذلك المجال أو مصير مختلف القوى السياسية مرهون بمستقبل الديمقراطية في مصر، فمكانهم محفوظ في ظل الديمقراطية، وجميعهم معرضون للقمع والحصار إذا ما تم تغييبها أو تزويرها، ومن المفارقات في هذا الصدد أن ثمة خطابا في مصر أراح نفسه من السؤال، وقرر أن الإسلام السياسي انتهى أمره وطويت صفحته، ولم يعد له مكان لا في خرائط الحاضر أو المستقبل. وهي رؤية ساذجة ومبسطة، ليس فقط لأن الأفكار لا تلغى بمرسوم أو حكم محكمة لكنها قد تموت بفعل الوقت وبمضي الأزمنة.
إننا إذا نحينا جانبا الخطاب التعبوي والهرج الإعلامي والكيد السياسي، وحاولنا أن نتعامل مع ملف الإسلام السياسي بما يستحقه من جدية فينبغي أن نبدأ بتحرير المصطلح وتفكيكه حتى ننطلق مما أتصوره فهما صحيحا له أعرضه على النحو التالي:
* إذ رغم أن المصطلح حديث لم نسمع به قبل نجاح الثورة الإسلامية في إيران (عام 1979) إلا أنه يصف حالة أو حراكا خرج من عباءة المجتمع المسلم، بمعنى أنه ليس فكرة طارئة ولا مستوردة، وإنما هو نبت طبيعي أفرزته تربة الواقع، وبالتالي فهو باق ما بقيت التربة وإن اختلفت تجلياته من بلد إلى آخر ومن «طينة» إلى أخرى.
* ليس صحيحا أن الإسلام السياسي هو الممثل الشرعي الوحيد للمسلمين، ولا دعاته أفضل المسلمين الذين تتعدد مذاهبهم ومشاربهم كما تختلف مواقفهم. إلى جانب ذلك فالإسلام السياسي ذاته ليس شيئا واحدا، وإنما تتعدد منابره وكياناته، حتى إن مواقف بعض فئاته قد تتناقض مع مواقف البعض الآخر، وهو ما يتجلى بصورة أوضح في مناهج التغيير وما إذا كان يتم بالعنف أو من خلال الأساليب السلمية والآلية الديمقراطية.
* إن الإخوان ليسوا هم الإسلام السياسي، ولكنهم فصيل كبير في محيطه، والتضامن معهم لا يعني بالضرورة أن مشروع الإخوان أصبح يمثل مرجعية لغيرهم، ولكنه بالكاد يعبر عن تحالف سياسي في ظرف تاريخي معين لا يلغي التمايزات والاختلافات حول المشروع والخلط في الحالة المصرية بين التحالف السياسي والمرجعية الفكرية تسبب في ظلم حزبي الوسط والبناء والتنمية، ولكل منهما مشروعه المميز الذي هو في بعض جوانبه أكثر تقدما من مشروع الإخوان.
* بذات القدر فإنني أزعم أن الإخوان أنفسهم لم يعودوا شيئا واحدا، فليس صحيحا أن حلفاءهم في العالم الإسلامي يخضعون لتوجيه القيادة في القاهرة (تونس والجزائر والمغرب والسودان وتركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان نموذج لذلك). بل إن الجماعة المصرية ذاتها ما عادت شيئا واحدا، فالاختلاف بين الأجيال قائم، ثم إن هناك تباينات بين إخوان الخارج وإخوان السجون وبين الاثنين وبين الذين لا يزالون خارج السجون ويعيشون في مصر.
إدراك هذه التمايزات مهم في الحديث عن التوافق، أما الاختزال والتبسيط الذي يضع الإسلام السياسي في سلة الإخوان ويضع كل الإخوان في سلة واحدة، ثم شطب الجميع ونفيهم من الحياة السياسية فهو مغامرة لا تخلو من تغليظ وحماقة. ثم إنه دعوة للجميع لكي يلتحقوا بداعش وأخواتها بعد أن تصبح خيارهم المتاح. وقبل كل ذلك وبعده فهو ليس من الديمقراطية في شيء وعلينا أن نحدد قبل أن نمضي في أي اتجاه أن نحدد ما إذا كنا مع الديمقراطية أم ضدها.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2627
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
994
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43509
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7131
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5385
| 13 سبتمبر 2026