رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من مفارقات الأقدار وسخرياتها أن الرئيس الأمريكي الجديد إذا تراجع عن تعهده بنقل سفارة بلاده إلى القدس فسيكون ذلك راجعا لأسباب عدة، ليس بينها قلقه من الصدى المتوقع في العالم العربي.
(١)
ألقيت السؤال على أكثر من خبير ودبلوماسي في أربعة أقطار عربية، ولم أفاجأ بالإجابة قدر مفاجآتي بالإجماع عليها. كان السؤال كالتالي: ما الذي يمكن أن يحدث في العالم العربي إذا ما أقدم الرئيس الجديد على تنفيذ وعده؟ ــ نبهت إلى أن وعود الحملة الانتخابية ليست كلها قرارات ما بعد استلام السلطة. وإن مسألة نقل السفارة إلى القدس عادة ما تتردد في انتخابات الرئاسة الأمريكية لضمان أصوات اليهود، ولكن أحدا من الرؤساء الذين تم انتخابهم لم يستطع الإقدام على تقلك الخطوة لسببين رئيسيين، أولهما أن ثمة قرارا لمجلس الأمن صدر في عام ١٩٨٠ اعتبر أن نقل السفارة إلى القدس بمثابة خرق للقانون الدولي، كما اعتبر «قانون القدس» الذي أصدره الكنيسيت باطلا ويتعين إلغاؤه.
ودعا المجلس ١٣ دولة (أغلبها من دول أمريكا اللاتينية) كانت قد أقامت سفاراتها في المدينة المقدسة إلى إخراجها منها، وحين نجح اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة في استصدار قانون من الكونجرس عام ١٩٩٥ نص على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ودعا الرئيس الأمريكي إلى نقل السفارة إليها، فإن صيغة القرار تضمنت ثغرة سمحت للرئيس بتأجيل تطبيقه كل ستة أشهر، وقد استمر ذلك التأجيل طوال العشرين سنة التالية، حيث لجأ إليه كل رئيس تم انتخابه لكي يتحلل مما وعد به. السبب الثاني لعدم نقل السفارة طوال تلك الفترة راجع إلى أن العالم العربي كان له وزن مختلف، كما أن العداء العربي لإسرائيل كان متماسكا إلى حد ما، رغم توقيع الرئيس السادات لاتفاقية «السلام» في عام ١٩٧٩ (الأردن وقع اتفاقية وادي عربة في عام ١٩٩٤).
الشاهد أن الرؤساء الأمريكيين الذين ساندوا إسرائيل طول الوقت، حرصوا على ألا تكون واشنطن نموذجا للإطاحة بقرارات مجلس الأمن، ثم إنهم وضعوا في الاعتبار حماية مصالحهم في العالم العربي والإسلامي.
(٢)
الأمر اختلف هذه المرة أمريكيا وعربيا، الأمر الذي لا يستبعد معه أن يصدر الرئيس الأمريكي قراره الصادم لنا. تؤيد ذلك الشواهد التالية:
< إن الرجل قادم من خارج السياسة، وليس معنيا كثيرا بمختلف الحسابات والاعتبارات والسياسة التي أثرت على مواقف الرؤساء السابقين، ومن ثم فهو على استعداد للإطاحة بتلك الاعتبارات، خصوصا أنه ليكودي الهوى، بمعنى أنه منحاز إلى القوى الأكثر تطرفا في إسرائيل، وكان ذلك أوضح ما يكون في اختياره لسفير بلاده لدى الدولة العبرية. وفي حملته على مجلس الأمن بعد إصداره قرار إدانة المستوطنات، وفي دعوته إلى حجب إسهام واشنطن في ميزانية الأمم المتحدة. وقد تحدثت وسائل الإعلام عن أن الرجل ماض في الوفاء بما وعد به، وأن واشنطن استقبلت فريقا إسرائيليا قدم لترتيب الأمر مع نظرائهم الأمريكيين، وأشارت إلى أن مقر القنصلية الأمريكية في القدس سيكون مقرا للسفارة بشكل مؤقت إلى حين تهيئة المكان لكي يكون لائقا «للمقام».
< حفاوة أغلب الأنظمة العربية بالرئيس الجديد وحرصها على استرضائه. وذلك واضح في الترحيب الرسمي به والحرص الرسمي على التعامل معه لسببين أولهما عدم اكتراثه بموضوعات الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، مع إعطاء الأولوية لملف الإرهاب. وهو ما اعتبر تأييدا لممارسات تلك الأنظمة ومساندة لها، أما ثانيهما فيتمثل في عدائه لإيران وسعيه لإلغاء الاتفاق النووي معها، وهما عاملان غفرا له في نظر البعض كراهيته للإسلام والمسلمين.
< تراجع أهمية القضية الفلسطينية ضمن أولويات أغلب الأنظمة العربية التي أصبحت غارقة في مشكلاتها الداخلية، إلى جانب انشغال بعضها بالمعركة ضد الإرهاب، وتركيز البعض الآخر بمواجهة إيران وما تمثله من أخطار تهددها.
< اتساع نطاق الاختراق الإسرائيلي للدول العربية، بصورة علنية أو غير علنية إلى الحد الذي دفع إسرائيل إلى الادعاء بأنها صارت جزءا مما سمى معسكر الاعتدال العربي السُّني في مواجهة العدو الإيراني والخطر الشيعي.
(٣)
كان العالم الإسلامي قد اهتز حين أشعل أحد الصهاينة النيران في المسجد الأقصى عام ١٩٦٩، الأمر الذي أدى إلى عقد مؤتمر للقمة الإسلامية بالعاصمة المغربية الرباط في العام ذاته، وأسفر الاجتماع عن إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي (التعاون الإسلامي لاحقا) للدفاع «عن شرف وكرامة المسلمين المتمثلة في القدس وقبة الصخرة». إلا أن عالم تلك المرحلة اختلف تماما عن الزمن الراهن، وهي الخلفية التي يتعين استدعاؤها للتعرف على الصدى المحتمل لقرار الرئيس الأمريكي الجديد في حال صدوره.
ذلك أننا ينبغي أن نعترف بأن العالم العربي الذي هو قلب العالم الإسلامي تراجع وزنه كثيرا في المعادلة الدولية، سواء بسبب غياب قيادته وانفراط عقده وخرائطه فضلا عن تعدد محاوره وتباين سياساته، إذ استهلكت طاقته إما في الحروب الأهلية الداخلية التي تجرى في إطار القطر الواحد، وإما في الحروب الإقليمية داخل المحاور المختلفة.
للأسف فإن الوهن والضعف الحاصلين في الجانب العربي يقابلان بعجرفة واستكبار من جانب الإسرائيليين الذين تحدوا الجميع فأقروا تقنين المستوطنات المقامة فوق الأراضي المحتلة في يوم صدور قرار إدانة الاستيطان، وقرر رئيس وزرائهم «توبيخ» الدول التي أيدت قرار مجلس الأمن، ومعاقبة الدول الأربع التي تمسكت بمناقشة القرار بعد قيام المندوب المصري بسحبه.
وشمل التوبيخ والعقاب وقف المساعدات المقدمة لدولة كالسنغال وإلغاء الزيارات الرسمية التي كان مقررا أن يقوم بها لإسرائيل ممثلون لدول مجلس الأمن، إضافة إلى معاقبة الأمم المتحدة ذاتها من خلال حجب إسهام إسرائيل في موازنات بعض منظماتها.
يزداد الموقف تعقيدا إذا ما تصورنا تداعيات الموقف الأمريكي الذي وعد الرئيس الجديد بأنه سيكون «علامة فارقة» في تاريخ المنطقة، وأيا كان قدر المبالغة في تصريحه، فإننا لا نستطيع أن نهون من شأن سياساته إذا مضى في نقل السفارة، ذلك أن هذا الموقف ربما أصبح بمثابة مقدمة تشجع دولا أخرى على أن تحذو حذو الإدارة الأمريكية. وهو ما لاحظنا مقدماته في انتقاد رئيسة الوزراء البريطانية لخطاب وزير الخارجية الأمريكي بخصوص المستوطنات، التي كانت بريطانيا قد أيدت قرار إدانتها في مجلس الأمن. وفي ظل الود الذي يلوح في الأفق بين الرئيس الأمريكي الجديد والرئيس الروسي فليس مستبعدا أن يتوافق الطرفان على تصفية القضية بمختلف عناوينها، خصوصا أن اللاعبين الدوليين باتوا يتصرفون وحدهم في مصائر المنطقة مستثمرين حالة الفراغ فيها، يشهد بذلك الاتفاق الأخير بين روسيا وتركيا وإيران بخصوص وقف القتال في سوريا.
(٤)
لأول وهلة تبدو الصورة كئيبة ومحبطة خصوصا أن أغلب الأنظمة العربية لن تلجأ إلى أي إجراء حقيقي إذا ما تم نقل السفارة الأمريكية (دعك من بيانات الشجب والتنديد) لسبب جوهري هو أن تلك الدول باتت حريصة على استرضاء الرئيس الجديد وعدم إغضاب إسرائيل المنتفخة والمتعجرفة. إلا أن الصورة قد تختلف نسبيا إذا وضعنا في الاعتبار ضعف وزن الولايات المتحدة وتراجع هيبتها بصورة نسبية. وإذا ما راهنا على استقلال قرار بعض الدول الأوروبية والأمريكية اللاتينية التي لاتزال تحترم المبادئ ولم يمت لديها الضمير بعد. ومما له دلالته في هذا الصدد أن الذين تمسكوا بمناقشة قرار إدانة المستوطنات كانوا يمثلون أربع دول غير عربية في حين أن قرار سحبه كان عربيا. ومن المفارقات أيضا أنه في حين تراجعت أولوية القضية الفلسطينية في المحيط العربي الرسمي، فإن حملة مقاطعة إسرائيل تتزايد في العالم الغربي، ثمة عنصر آخر لا يمكن تجاهله يتمثل في موقف الشباب الفلسطيني وفصائل المقاومة التي لم تستسلم لليأس بعد، وبودي أن أراهن على الجماهير العربية إلا أنني ترددت في ذلك نظرا لشدة القمع الذي تتعرض له تلك الجماهير. مع ذلك فإنني لا أستبعد زيادة في مؤشرات العنف الذي قد يفجره الغضب والشعور بالمهانة والذل.
في كل الأحوال فإنني لا أستطيع المراهنة على رد فعل له قيمة من جانب الأنظمة العربية. وأضع خطا تحت قيمة رد الفعل، لأننا شبعنا شجبا وتنديدا. صحيح أن الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط اعتبر أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بمثابة «انتكاسة كبيرة». كما أن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات قال إنه من شأن تلك الخطوة أن تدمر عملية السلام، ودعا عمرو موسى الأمين العام السابق للجامعة العربية إلى ضرورة الاستعداد للتعامل مع القرار الأمريكي المنتظر، محذرا مما هو أسوأ، حيث لم يستبعد أن يتجه الرئيس الأمريكي الجديد للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. لكن ذلك كله يظل ضمن الضجيج الذي لا طحن له والنفخ في «القربة» العربية المقطوعة. وليس ذلك رأيي الشخصي فقط، ولكنه جماع رأي الذين سألتهم من الخبراء والدبلوماسيين في الدول العربية الأربع.
< إن المشكلة ليست فقط في تبجح الآخرين واستخفافهم بالعالم العربي، لكنها تكمن أولا في الوهن والاستخذاء اللذين يفضحان الحقيقة في العالم العربي، الأمر الذي يقدم دليلا جديدا على أن تحرير فلسطين لن يتحقق إلا إذا تم تحرير العالم العربي أولا. وإذا بدا ذلك أمرا عصيا في الوقت الراهن، فإننا إذا لم نملكه فلا أقل من أن نفهمه على وجهه الصحيح.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4611
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3306
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1275
| 28 سبتمبر 2026