رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحضارات المؤمنة الموحِّدة قد تضعف وقد تمرض لكنها لا تموت
يقول ابن خلدون رحمه الله " كثيراً ما وقع المؤرخون في المغالطات، لأنهم اعتمدوا على مجرد النقل، بينما قواعد التمحيص واضحة، العرض على الأصول، والقياس بالأمور الشبيهة، والعرض على معيار الحكمة، والحكم بناءً على طبيعة البشر، والتدقيق في الأخبار ".
إن كثيراً من الخلافات التي تقع بين المسلمين، مردها إلى سوء النقل للتاريخ، أو التدليس والكذب واصطناع الحكايات والقصص، وكذلك سوء استقبال الأخبار، من حيث قبولها كما هي دون تمحيص أو تدقيق، لذا فكم نحتاج إلى إعادة كتابة التاريخ وفق القواعد العلمية، وكم نحن بحاجة إلى تأصيل الفكر التاريخي، وكم نحتاج أكثر إلى تحليل التاريخ.
ويخبرنا القرآن الكريم أن التاريخ مليء بالقوانين، ويدعونا إلى اكتشافها، فقيام الحضارات واستمرارها، أو اندثارها يقوم وفق قوانين تاريخية وليس عشوائيا كما يظن البعض.
ومن أهم قوانين التاريخ،،
القانون الأول: الحضارات تحكمها القوانين
هذا هو القانون الأول من القوانين التاريخية، وخلاصته أنه لا يوجد هناك قوانين خاصة لكل أمة، ولا مكان للصدفة في بناء الحضارات أو انهياراها، بل الأمر محكوم بقوانين، فالحضارات تقوم وتسقط، وتنشأ وتنهار وفق قوانين تاريخية،
وهذا القانون يبث الأمل في نفسي وفي نفس كل مسلم متحرّق على أمته، لأنه يقول لنا ببساطة واختصار: إن النهضة التي تسعون إليها محكومة بقوانين تاريخية، فمتى عرفت الأمة قوانين التاريخ، وأحسنت الاستفادة منها، نهضت من جديد، وعادت كما كانت أمة السيادة والريادة.
القانون الثاني: تنهار الحضارات بسبب الانحطاط الأخلاقي، والقوى الخارجية
تأملت في الحضارات التي سقطت، فوجدت أن أسباب سقوطها تنحصر في سببين رئيسيين:
السبب الأول: الانحطاط الأخلاقي
فالكثير من الدول سقطت وانهارت بسبب الانحطاط الأخلاقي، وتفشي الظلم والاستبداد، ومن تلك الدول والحضارات الحضارة الفارسية، الحضارة الرومانية، الحضارة الإسبانية، حتى في تاريخنا الإسلامي، كان الانحطاط الأخلاقي، وتفشي الظلم والاستبداد، سبباً رئيسياً في انهيار الدول، وخير شاهد على ذلك ما كان من أمر الخلافة العباسية في أواخر أيامها.
السبب الثاني: المواجهة مع قوة خارجية
أحياناً لا يكفي الانحطاط الأخلاقي كسبب لانهيار حضارة ما، بل ربما استمرت وطال بقاؤها، حتى يتوفر السبب الثاني، وهو أن تحدث مواجهة مع قوة خارجية، فإذا كانت القوة الخارجية أقوى وأسمى أخلاقياً من الحضارة المنحطّة أخلاقياً، فإنها ستُضعف الحضارة القائمة ( المترنحّة) وتُسقطها لتحل مكانها، حتى وإن كانت أقل عدداً، وهذا ما حدث مع المسلمين عندما فتحوا بلاد الأرض بالإسلام، كانت أعدادهم قليلة.
القانون الثالث: المدنية لا تساوي الحضارة، والعلم وحده لا يسعد البشرية
نعني بالمدنية: الإنتاج المادي والمعنوي لأمة من الأمم، وهذه المدنية لا تسمّى حضارة، ولا تساويها إلا إذا كانت نابعة من منهج فكري، فالفكر والإنتاج معاً يساويان الحضارة لشعب من الشعوب.
فكم من دولة عربية وإسلامية تملك شبكة رائعة وضخمة من الطرقات ( هذه مدنية ) لكنها لا تملك شعباً يحترم قواعد المرور على هذه الطرقات.
وكما تتفاخر بعض الدول بمكتباتها الكبيرة، والزاخرة بالمراجع والكتب والمخطوطات النادرة، ولكنها ابتليت بجيل لا يقرأ، وأمّية بلغت نسباً عالية ومتقدمة.
وكم من دولة تنفق مئات الملايين على السلع الاستهلاكية، ولا تنفق عشر هذه الملايين على الأبحاث العلمية.
السعادة في العلم والأخلاق معاً
أما الجزء الآخر من القانون فيخبرنا أن العلم بلا أخلاق أو قيم نقمة على البشرية، ولن يجلب العلم المجرد من الأخلاق السعادة لأمة أو حتى لإنسان، لأن سعادة البشرية لن تتم حتى تجمع بين العلم والأخلاق.
أسلحة الدمار الشامل
وللتوضيح نقول: هل من الممكن أن يقوم - من يحمل أخلاقاً - بصنع أسلحة دمار شامل تنشر الموت بين الناس، قطعاً لا .
وحسبك أن تعلم أن الرؤوس النووية التي تملكها روسيا (12,000) وأمريكا (9,000) كفيلة بتدمير العالم لمرات وليس لمرة واحدة، فالعالم كله، والبشرية كلها في خطر محدق، بسبب أسلحة الدمار الشامل، التي تملكها دول لا تجمع بين العلم والأخلاق، ولا تلتفت كثيراً إلى القيم والمبادئ، فالعلم موجود، لكنه لم يُسخّر لإسعاد البشرية، بل لم يجلب إلا الشقاء والتعاسة، بسبب غياب الجانب الأخلاقي، ويكفي أن نفكر بمصير العالم حينما تقع هذه الأسلحة بيد فئة مجنونة أو مجرمة أو حتى حينما تستخدم من قبل حكومات متحاربة كما حصل في اليابان حين دمرت هيروشيما.
التجربة الشيوعية
الاتحاد السوفييتي خير مثال على انهيار الدول بسبب الاعتماد على المدنية دون الفكر، بمقاييس المدنية كانت تجربة الإتحاد السوفييتي ضخمة وعظيمة، فهو أول من أرسل إنساناً إلى الفضاء، وكانت له مساهمات فاعلة في تطوير الطاقة النووية على مستوى العالم، وما لبثت أن انهار الاتحاد السوفييتي، وانهارت معه التجربة الشيوعية، التي لم تصمد إلا (70) سنة في صراعها مع الرأسمالية، لأنها حضارة قامت على الإلحاد والطغيان، وأُسست على منهج منحرف، ولم تجمع بين العلم والأخلاق.
القانون الرابع: الحضارة قد تمرض وقد تموت
هناك وجه شبه بين الحضارات والإنسان، فكما أن الإنسان يولد ويكبر، ويقوى ويضعف، ويمرض ويموت، كذلك هي الحضارات، وتولد وتكبر، تقوى وتضعف، وتمرض وقد تموت.
ولابد أن نفرق بين المرض والعَرَض، فالحرارة التي تصيب الإنسان تسمى " العَرَض " أما سبب هذه الحرارة فيسمى " المَرَض "، فنحن نريد أن نعالج الأمراض وليس الأعراض.
نهاية الحضارات
قد تصل الحضارة إلى إحدى نهايتين إما أن تموت، وهذا مصير غالبية الحضارات، وإما أن تمرض مرضاً شديداً يؤدي إلى ركود وشلل، يشبه الغيبوبة التي تصيب الإنسان فتشل حركته.
وتنقسم الأمراض التي تصيب الحضارات إلى قسمين:
_ أمراض مزمنة : وتشمل الأمراض التي تصيب المنهج الفكري للحضارة، أو في الأسس الأخلاقية التي قامت عليها تلك الحضارة، وهذه الأمراض إن لم تُستدرك كانت سبباً في الوهن الشديد، وربما سبباً مباشراً لانهيار تلك الحضارة وموتها.
_ أمراض عَرَضية : وتشمل الأمراض البعيد عن المنهج الفكري والأسس الأخلاقية التي قامت عليها الحضارة، وغالباً ما تصيب الأشكال المادية والمعنوية فيها، كحدوث خلل في عجلة الاقتصاد، أو تخريب للبنى التحتية، وهذا من شأنه أن يُضعف تلك الحضارة، لكنها غالباً لا تموت، ولكنها قد تتحول إلى أمراض مزمنة إذا تمّ تجاهلها، أو التباطؤ في علاجها.
فالخلاصة أن الحضارات لا تموت إذا كانت أمراضها ومشكلاتها مادية، ولكنها قد تموت إذا أصابت الأمراض فكرها، لأنها تكون قد أصيبت في مقتل.
مرض الوهن
الحضارات المؤمنة القائمة على التوحيد، لا تموت طالما بقيت على توحيدها، لأن الإيمان والتوحيد يشكلان مناعة قوية في مواجهة عوامل الاندثار، التي تؤدي إلى الموت والانهيار، فالحضارة الموحِّدة قد تضعف وقد تمرض لكنها لا تموت.
وللتوضيح نقول: إن التوحيد لا يزال قائماً في أمة الإسلام اليوم، ومع ذلك فقد أصيبت الأمة بمرض الوهن، الذي أخبر عنه النبي ( (( .. لَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )) أبو داود
فأمتنا اليوم مريضة بمرض الوهن، وهو مرض قد يُضعفها ويبطئ من حركتها لكنه لا يقتلها، لكن قد يقتلها الظلم إذا تفشى وانتشر، وغاب من يتصدى له، ويقيم العدل بين الناس.
ولعل الثورات اليوم تتغلب على وهننا وضعفنا وتنتقل بنا إلى حالة القوة من جديد، فأنا كنت ولم أزل متفائلا بها جدا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3288
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1263
| 28 سبتمبر 2026