رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أجرت قناة «نسمة» الفضائية ليلة الثلاثاء 22 سبتمبر الماضي، حوارًا مع رئيس الجمهورية التونسية السيد الباجي قائد السبسي، تناول فيه موضوع العلاقة بين حزب «نداء تونس» وحزب «النهضة» الإسلامي، كما أجرت قناة «الجزيرة مباشر» في الوقت عينه حوارًا مع الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب «النهضة»، ويلمس المتابع السياسي للحوارين المنفصلين الأخيرين، مدى انسجام المواقف بين «الشيخين»، لاسيَّما فيما يتعلق بطبيعة هذه العلاقة بين الحزبين الحاكمين، وشروط تواصل قيامها وتطورها في المستقبل، في ظل واقع الجمهورية الثانية ما بعد الثورة، أي الجمهورية البرلمانية التي يتقاسم فيها رئيسها (قائد السبسي) صلاحيات السلطة التنفيذية مع رئيس الحكومة الحبيب الصيد، مع الملاحظة أن الثاني يقف خلف الأول وينصت إليه بانتباه كلما اجتمعا رسميًا، كما تابعنا الأول وهو يتجاوز صلاحياته الدستورية، فهو تارة يدعو رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس اتحاد الشغل ورئيسة اتحاد الأعراف إلى قصر قرطاج ليملي عليهم نصائحه وتوجيهاته، في نطاق النزعة التماثلية مع ما كان يقون به الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في عهد الجمهورية الأولى، حيث كان يمارس نزعة الأبوة على الشعب التونسي.
كما كشف الشيخ راشد الغنوشي خلال حواره مع «الجزيرة مباشر» أنه لا خلاف في صلب الائتلاف الحاكم (أحزاب «النداء» و«النهضة» و«الاتحاد الوطني الحر» و«آفاق تونس» بقيادة رئيس الحكومة السيد الحبيب الصيد)
نفس الموقف عبر عنه الرئيس الباجي قائد السبسي أثناء ظهوره على قناة «نسمة»، عندما أرجع التعيينات المعلنة إلى حرية اختيار رئيس الحكومة ليرد بذلك قائد السبسي على منتقديه من داخل «النداء »الذين اعتبروا في وقت سابق أن القائمات المعلنة بخصوص حركة الولاة والمعتمدين الأول كانت بتدخل مباشر من الرئيس ونجله حافظ قائد السبسي.
لقد أصبح الرئيس الباجي قائد السبسي يتباحث مع الشيخ راشد الغنوشي في كل كبيرة وصغيرة، وأصبح التشاور بينهما عنواناً للمرحلة السياسية التوافقية.. ولكن أهم ما يمكن أن يقرّبهما، أو يجمع بينهما، ويجعل منهما شبه حليفين رغم الخصومة التاريخية بينهما، هما أمران في غاية الأهمية، ولا يدرك معناهما إلا من خبر السياسة مثل رئيس النداء ورئيس الحركة. فالرجلان اليوم ورغم ما يُقالُ عن خلافاتهما التي تخبو حيناً وتتصاعد أحياناً، هما من يرسم سياسة تونس، شئنا أم أبينا، بل هما من يصنعان المحراك لكل الأحداث التي جرت وتجري في البلاد منذ الثورة إلى الآن، وحتى في زمن صعود بعض نجوم السياسة الآخرين على الركح، فقد كان الغنوشي والباجي هما من يدفعان من خلف الستار أو يجذبان من وراء الكواليس. كما أن ما يجمعهما أكثر بكثير مما يفرقهما، فالرجلان قد يختلفان في المنطلقات الأيديولوجية والفكرية والسياسية لكل منهما، وقد يختلفان أيضاً في التكوين العلمي والشخصية الاجتماعية والجذور القبلية والجهوية والطبقية، لكنهما بالتأكيد يلتقيان فيما يخص الراهن اليومي للسياسة التونسية منذ لقاء باريس وإلى اليوم.
إنّ الباجي قائد السبسي، رئيس الحزب الأغلبي، لم يكن بمقدوره أن يحكم وحده، والشيخ راشد الغنوشي، رئيس الحركة الثانية لم يكن بمقدوره أن يبقى خارج الحكم. وبالتالي فالنقيضان تقابلا تحت إكراهات الحكم، وحكم الأمر الواقع، وواقع المشهد السياسي الذي لخبطت هزيمة التكتل والشابي والمرزوقي كل أوراقه، وفرضت على الشيخين إعادة الحسابات كل من ناحيته، فأفرز الفرز صياغة مشهد سياسي لا يجوع فيه الذئب ولا يشتكي الراعي. فوضع الشيخ راشد الغنوشي اليوم كزعيم مبجل مكرّم في البلاد، وكشريك في الحكم، وكشخصية وطنية ودولية، جعلت الرئيس الباجي قائد السبسي يفضل التعاطي معه على غيره من الشركاء حتى وإن كانوا بنسبة أكبر من الحقائب الوزارية، بل فيهم من لم يقابلهم منذ اقتسام المناصب في وزارة الحبيب الصيد. لكنه يتعامل مع الشيخ راشد الغنوشي بشكل شبه يومي تقريباً.
وفي حواره الأخير مع قناة «نسمة»، أكد رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي طبيعة العلاقة الإستراتيجية بين «النهضة» و«النداء»، عندما فهم المتابعون من كلامه أن العلاقة هذه أصبحت الآن ذات طبيعة إستراتيجية أي من ثوابت الواقع السياسي التونسي، ولم تعد مجرد تحالف تكتيكي بين طرفين سينتهي بانتهاء المرحلة أي بانتهاء ما بقي من الفترة الحالية التي تمثل امتدادا للمرحلة الانتقالية. ويُفهم من كلام قائد السبسي أن «النهضة» على شكلها الحالي أصبحت شريكًا بارزًا في الحياة السياسية ولم يعد هناك أي موجب لإقصائها، لكن كل ذلك مرتبط بشروط لمّح إليها قائد السبسي أيضا وهي التزامها بثوابت النظام الجمهوري وبمدنية الدولة وبشروط وقيم الوحدة الوطنية التي أصبحت المنقذ الوحيد لتونس وميزتها الأساسية مقارنة ببعض الدول الأخرى والقطع مع كل ما من شأنه تعكير صفو التعايش السلمي بين مختلف التونسيين ومع كل أشكال التشدد والتطرف وفق الثوابت التي رسمها الدستور وهي حرية الضمير والمعتقد والدين. ومن الواضح أن النهضة قد فهمت جيّدا «قانون» هذه الشراكة الإستراتيجية المرشحة للدوام وهو ما يتضح من التصريحات الأخيرة لزعيمها راشد الغنوشي حول الموقف من الوضع في سوريا ولاسيَّما حول قانون المصالحة وموقفه من تحركات المعارضة التي وصفها بـ«الفوضوية» عندما خرجت للشارع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
7005
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2799
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2544
| 02 يونيو 2026