رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

492

د. جاسم الجزاع

التصالح مع القدر.. هزيمة أم ذكاء؟

02 سبتمبر 2026 , 02:00ص

دائماً ما يجد الإنسان نفسه أمام باب قد أُغلق أمامه بإحكام، كعلاقة مع شخص انتهت، أو مشروع تجاري خسره، أو وظيفة مرموقة فقدها، أو حلم تأخر حتى تغيّرت ملامحه وقل الشغف، فيقف أمام سؤال قد صعبت أمام إجابته السبل: هل أواصل مقاومة ما حدث، أم أتصالح معه؟ وهل يكون التصالح شجاعة ووعيًا، أم اسمًا مهذبًا للهزيمة؟

لقد اعتدنا في أطروحاتنا الشعبية أن نمدح من يقاتل حتى النهاية، وأن ننظر بشيء من الدونية إلى من يقول: "قد قبلت ما جرى لي"، كأن القبول ضعف، وكأن القوة تعني أن نظل في حرب دائمة مع الحياة ومعتركاتها، ولكن ليست كل مقاومة بطولة، فقد تكون أحيانًا عجزًا عن الاعتراف بأن هذا الفصل قد انتهى، وأن الإصرار على فتح باب أغلقه القدر قد يستهلك العمر الذي كان يمكن أن نبني فيه أبوابًا أخرى.

لذلك فالتصالح مع القدر لا يعني أن لا نعترف بإيلام الجروح، أو أن الظلم كالعدالة في طعمه، أو أن الخسارة لم تكن قاسية على القلب والعقل، ولا يعني أن نتوقف عن المطالبة بحقوقنا أو إصلاح أخطائنا، بل يعني أن نرى الواقع كما هو، من غير إنكار ولا تجميل لصورته، ثم أن نمنع ما حدث لنا بالأمس من الاستيلاء على ما بقي لنا في قابل الأيام.

فالمهزوم هو من يرفع شعار "لا شيء يمكن فعله"، أما المتصالح فيقول: "قد لا أستطيع تغيير ما وقع، نعم صحيح لكنني أستطيع أن أقرر ماذا سأفعل بعده"، ولذلك نجد المستسلم يسلم مستقبله للماضي، بينما الذكي الفطن يأخذ من الماضي معناه، ثم يرفض أن يمنحه بقية عمره.

والإنسان لا يختار ما ينزل به القدر من حوادث، لكنه يختار بإرادته ما قد يصنعه بعد ذلك، فإما أن تكون الخسارة حفرة يقيم فيها مدداً من العمر، وقد تصبح نافذة أمل جديدة يرى منها نفسه والعالم بصورة جديدة، ولهذا قال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير»، فما يؤلمنا اليوم قد يوقظنا غدًا، وما نظنه إبعادًا لنا عن الطريق قد يكون إنقاذًا من طريق لم يكن لنا، وصدقت العرب حين قالوا: «رُبَّ ضارة نافعة»، فبعض ما نسميه في ثقافتنا الشعبية "سوء حظ" ليس في حقيقته إلا إعادة ترتيب لحياتنا، ولا نفهم حكمتها ونحن داخل الحدث، وإنما تتضح لنا بعد أن نعبر الحدث و تأثيره.

فالحكمة ليست أن تحب كل ما جرى لك من أحداث مؤلمة، فالحب والكره أتركه لك فلا نتشدد في القبول المشاعري، ولكن الأهم أن تعرف كيف تعيش بعد تلك الحوادث من غير أن يتحول الجرح إلى هوية دائمة، وأن لا تجعل خسارتك تعريفًا لك، ولا تسمح لمكانة وظيفية فقدتها، أو شخص طعنك من الخلف في وقت الحاجة، أو فرصة ثمينة ضاعت بين يديك، أن تقنعك بأن قيمتك قد تزعزعت.

وهكذا يكون "التصالح مع القدر" سلاحاً لنا في تقبل النتائج بشكل إيجابي وذكي، دون أن نتعثر تعثراً ديموماً وسبيلاً لتحرير طاقتنا، وبدايةً لاختيار جديد في حياتنا، فإنه بذلك يصبح واحدًا من أرقى أشكال الذكاء الاستراتيجي، فليس القوي من ينتصر في كل معركة، بل من يعرف أي معركة يخوض، وأي باب يطرقه، وأي خسارة يودعها ثم يمضي.

اقرأ المزيد

أيهما أفضل.. زعيم قوي أم مؤسسة قوية؟ أيهما أفضل.. زعيم قوي أم مؤسسة قوية؟

عند قراءتنا للتاريخ القديم نجد أنه عندما مات الإسكندر المقدوني الأكبر، لم يترك خلفه مؤسسة قوية قادرة على... اقرأ المزيد

252

| 24 سبتمبر 2026

لماذا نثق بالذكاء الاصطناعي حين يخالفنا؟ لماذا نثق بالذكاء الاصطناعي حين يخالفنا؟

لا أحد ينكر مدى الحاجة التي أصبحت تراود الجميع لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وأحيانًا بل غالباً لا نسأل... اقرأ المزيد

579

| 16 سبتمبر 2026

هل يعرف أبناؤنا حقيقة ما فعله أجدادهم في أوروبا؟ هل يعرف أبناؤنا حقيقة ما فعله أجدادهم في أوروبا؟

عملتُ أستاذًا جامعيًا أدرّس مواد الإدارة والقيادة الإستراتيجية للطلبة في إحدى الجامعات في الكويت، لكن اهتمامي بالتاريخ وتعمقي... اقرأ المزيد

354

| 09 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية