رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على خلفية انقلاب الغابون العسكري الأربعاء الماضي علق الاتحاد الأفريقي عضوية الغابون في الاتحاد، وأثبت هذا القصر المشيد والبئر المعطلة أنه لا يجرؤ إلا على الفعل السلبي تجاه قضايا ومشاكل القارة، فالتعليق يقطع سبل التواصل مع الدولة المعاقبة. وهناك اليوم عدد من الدول الأفريقية المؤثرة معلقة عضويتها، وربما يمضي الاتحاد في تعليق عضوية دولة بعد أخرى حتى يغدو اتحادا بلا عضوية. المادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، تنص تحت بند «تعليق المشاركة» على أنه «لا يسمح للحكومات التي تصل إلى السلطـة بطـرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد»، فضلا عن أسباب أخرى كعدم رسوم الاشتراك كما حصل مع دولة جنوب السودان.
إن التخلف الذي تعيشه أقطار القارة الأفريقية ليس إلا نتاجاً لتراكم أوضاع تاريخية مرتبطة بدخول الاستعمار إلى القارة. ولهذا فقد اقترن الغزو والحكم الاستعماري بالقهر، وذبح وابادة الحكام المحليين، وإخضاع المواطنين للعبودية وسرقة موارد المنطقة. ما قبل دخول الاستعمار للقارة الأفريقية كان للقارة نظم سياسية تقليدية مستقرة وملائمة لطبيعة القارة ولم تصاحبها انقلابات أو تغييرات بالقوة وإنما كانت السلطة تنتقل بسلاسة دون أن تهدد المجتمع أو تعصف بالاستقرار، فكانت تلك النظم مثالية ومستدامة قبل أن يفرض الاستعمار الغربي على القارة نظاما سياسيا من منصة الأستاذية سماه الديمقراطية، متهما النظم السياسية التقليدية بالاستبداد في الحكم، وكان هذا زوراً وبهتاناً في نظر أبناء القارة الواقعة تحت استعمار متأبط نظرة استعلائية خلفت صورة نمطية سلبية عن إنسانها لم تراوح مكانها حتى اليوم. بل أكثر من ذلك، ظلت أجهزة الإعلام الغربية توحي إلى الأفارقة بأن العرب هم أول من استعمر إفريقيا، وأنكى من استعبد أهلها، وإنهم اليوم وراء الأزمات الاقتصادية العالمية والتضخم نتيجة سياستهم النفطية.
ويتعمد المستعمر الغربي في نظرته الدونية للقارة، تجاهل حقائق تاريخية وأنثروبولوجية منها أن أول من صنع الآلات هو الإنسان الإفريقي، والذي أُكتشف عند مضيق الدوفيا في شمال تنجانيقا، ومن المرجح أن هذا الانسان كان يعيش منذ قرابة المليوني سنة مضت. ويمضى الاستعمار مستكبرا يستزرع قسرا (ديمقراطيته) في تربة وبيئة مغايرة، لينبت نباتا شائها لم يستطع يوما أن يستوي على سوقه البتة، ولكن اللوم يقع على عمرو في أمر ليس بيده أبدا.
لقد ساد أفريقيا ما قبل الاستعمار نمطان أساسيان للسلطة والحكم: النمط الأول؛ قبائل ذات كيانات متعددة بنظم سياسية مختلفة تحكم نفسها بنفسها. أما النمط الثاني؛ فهو قبائل تخضع لحكم أو حماية قبائل أخرى، سواء طوعاً أو كرهاً. إن الصراع على السلطة في أفريقيا فيما قبل حقبة الإستعمار وفي اطار النظم السياسية التقليدية لم يخرج عن الفكرة والطبيعة الإنسانية؛ فالسلطة وفقا لابن خلدون هي: «منصب شريف ملذوذ، يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية والشهوات البدنية والملاذ النفسانية، فيقع فيه التنافس غالباً، وقل أن يسلمه أحد لصاحبه إلا إذا غلبه عليه، فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة».
وبعد الاستعمار الذي خرب نظم الحكم التقليدية وحط من قدرها أصبحت الانقلابات العسكرية الآلية الرئيسية لانتقال وتبادل السلطة في أفريقيا بين نخب الأفريقية، حتى غدت حدثا منتظما في العقود التي تلت الاستقلال. وبنظرة للسنوات القليلة الماضية ومنذ 2017 فقط، احتلت أفريقيا المرتبة الأولى عالمياً، بعدد الانقلابات العسكرية، إذ وقع حتى اليوم، 18 انقلاباً حول العالم، كلها في القارة السمراء عدا واحدا منها كان في ميانمار . وظل العدد الإجمالي لمحاولات الانقلاب في أفريقيا ثابتا بشكل ملحوظ منذ 1960 بمعدل نحو 4 محاولات كل عام. وقبل انقلاب الغابون الأسبوع الماضي، كانت النيجر آخر دولة أفريقية تشهد انقلابا. والملاحظة الجديرة بالذكر هنا أن تلك تلك الانقلابات هيمن عليها خطاب معادٍ للغرب، خاصة فرنسا. كذلك يمكن ملاحظة أن أكثر الانقلابات العسكرية في أفريقيا كانت ساحتها دول الغرب الأفريقي، التي في ذات الوقت تتمتع بثروات تسيل لعاب الدول الغربية. اليوم لا يدعم الغرب المستعمر التقليدي لأفريقيا قيام مؤسسات عريقة للحكم المدني على عكس مزاعمه التي يخفي من ورائها نواياه الحقيقية، بل يدعم ديمقراطيات شكلية يستمر عبرها في نهب ثروات القارة. فقيام مؤسسات حكم قوية يعني رفض مؤكد للاستعمار في أشكاله الجديدة وعدم تمكين النخب المحلية التي تعمل على تحقيق مصالح ذات المستعمر.
وقد عانت الغابون من الاستعمار منذ نحو 6 قرون مضت وكان البرتغاليون أول الأوروبيين الذين تطأ أقدامهم البلاد. ففي 1472، أقاموا مستوطنات دائمة، وأنشأوا مزارع السكر واقاموا تجارة الرقيق من السكان المحليين عبر المحيط الأطلسي. ومنذ العام 1885 أصبحت الغابون مستعمرة فرنسية حتى استقلالها في 1960. ولعل الاستعمار الفرنسي من أنكى أنواع الاستعمار الذي ضرب القارة الإفريقية خلال القرنين الماضيين؛ وما زالت فرنسا تريد استمرار استعمارها ولكن بتكلفة أقل من خلال أنظمة إفريقية موالية لها تسبح بحمدها ليلاً ونهاراً. فالتعاون الفرنسي مع الأنظمة الدكتاتورية الإفريقية قائم على تبادل المنافع ولكن بطريقة مختلة لا تصب في صالح الشعوب الإفريقية، ومن لا يذكر ذلك الفساد الفاضح عندما كان الامبراطور جين بيدل بوكاسا الذي حكم جمهورية إفريقيا الوسطي منذ عام 1966 وحتى نهاية السبعينيات، يرسل أغلى أنواع المجوهرات للرئيس الفرنسي آنذاك فاليري جسكار ديستان. وتبرر فرنسا بمكر لتدخلاتها لاسيما الغرب الأفريقي، بأنها تحارب الإرهاب، بينما ينتج التطرف في الأصل عن السياسات الاستعمارية لفرنسا ومن بعدها الأنظمة الديكتاتورية سواء دكتاتوريات عسكرية أو مدنية. ولأن الفرنسيين معنيين بفرض ثقافتهم ولغتهم فضلا عن نهب ثروات الشعوب، فإن ذلك ينشئ رد فعل عنيف في شكل انقلابات وحركات متطرفة معارضة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10596
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3687
| 22 أكتوبر 2026