رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الثاني من أغسطس عام 1990، غزا العراق الكويت واحتلها ومسحها من الخارطة بضمها للعراق، وبين ليلة وضحايا تحول الكويتيون إلى قتيل وجريح وأسير ومشرد ولاجيء والباقي يعيش تحت الاحتلال العربي "الشقيق"عنوة وقهرا. كان ذلك اليوم المشؤوم بداية الانهيار العربي، وكان الحريق الأول العربي الصنع والصنيعة والذي قاد إلى باقي الحرائق التي لا تزال مشتعلة حتى اليوم، كان ذلك الغزو والعدوان السافر، إعلان سقوط النظام العربي وإنهاء سايكس بيكو على الطريقة الصدّامية ولم تكن "داعش" قد ظهرت للوجود بعد.
تحررت الكويت بصمود أهلها والتفافهم حول قيادتهم الشرعية ووطنيتهم الدستورية، وتوفر قيادات عربيةتاريخية على رأسها الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز –رحمه الله- انتصرت للمظلوم على الظالم، وقدمت كل غال ونفيس من أجل عودة الحق الكويتي لأصحابه، وقيادات دولية رأت في مصالحها أهمية دحر العدوان ومن بينهم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب ومارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، لكن الأمة العربية والمنطقة برمتها لم تتجاوز اثار ذلك العدوان الغادر، فالعراق الذي أدخله الطغيان الصدّامي في حرب تلو أخرى، لا يزال يعيش اقتتالا طائفيا لا أفق لنهايته، وسوريا محرقة تدمرت وقتل أهلها وتشردوا بمأساة لم يشهدها العصر الحديث، على يد طاغية مستنسخة من صدام حسين لا يقل عنه دموية وهولا.
لم يعرف العراق الاستقرار والعيش الرغد الهاديء منذ حكمه صدام حسين عام 1979، فقد جره لحرب مع الأكراد المدعومين من شاه إيران في منتصف السبعينات، كان صدام حسين حينها "السيد النائب" للرئيس العراقي أحمد حسن البكر، ولكنه الرئيس الفعلي والحقيقي وقتها، وتوقفت حرب الأكراد بتوقيع صدام على ما عرف باسم اتفاقية الجزائر عام 1975، والتي سرعان ما مزقها صدام حسين نفسه بعد خمس سنوات ليشن حربا شاملة على إيران عام 1980، استمرت برفض وتعنت إيراني على وقفها طيلة سنوات ثمان، أتت خلالها على الأخضر واليابس وعلى مقدرات البلدين وخيرة شبابها، ثم عاد صدام حسين للمربع الأول بإعلانه احترام اتفاق الجزائر بعد غزوه للكويت بعد سنتين فقط من نهاية الحرب مع إيران في محاولة لتهدئة الجبهة معها.
غزا صدام حسين الكويت بعد حرب إعلامية قصيرة استمرت أياما فقط، اتهم خلالها الكويت والإمارات بالتسبب في "قطع أرزاق" العراقيين وسرقة نفطهم، وتحول الكويتيون بنظر صدام بفترة وجيزة من مساندين للعراق في حربه لحماية البوابة الشرقية إلى "بواقين للنفط"، وعليه قرر صدام حسين غزو الكويت ومحوها وضمها للعراق.
إن مثل تلك الجريمة النكراء، وذلك الخبل السياسي، هو المسبب الأول الثابت لمعظم ما تعيشه المنطقة العربية، فلقد عاش العراق حصارا اقتصاديا دوليا أعقب حرب تحرير الكويت بسبب صلف صدام حسين ورفضه للقرارات الدولية التي وافق على تنفيذها، وتسبب ذلك الحصار في تأخر العراق وعيشه خارج إطار التاريخ بسبب اختطاف النظام لشعبه والمساومة على مأساة أطفاله لرفع الحصار عنه وعودته لمغامراته المدمرة، ولقد قادت تلك السياسات للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي أسقط صدام ونظامه ليهرب متخفيا أشهرا حتى ألقي عليه القبض مختبئا في حفرة تحت الأرض، فأعدم عام 2006 بعد أن شهد مقتل ابنيه وتشرد عائلته وبناته وملاحقة رجاله وأزلامه- اللهم لا شماته. ولقد كان بإمكان صدام حسين تجنيب بلاده وشعبه وأهله ما جرى لهم من نهايات مأساوية مدمرة لو أنه قبل أصوات العقل والتزم بالشرعية الدولية التي خرقها، أو لو أنه أصغى لمبادرة حكيم العرب- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه- بالخروج الآمن تجنبا للغزو الأمريكي عام 2003، لكن الطغاة يعيشون خارج الواقع في عالم جنون العظمة ومرض الحمق والصلف، فكان ما كان! غزوات وحروب وهروب ثم احتلال وفوضى واحتراب داخلي، وغزو إيراني بمعاونة عراقيين من الداخل، حيث تمسك إيران اليوم-عدو الأمس- بزمام أمور العراق الذي يعيش تأخرا في كافة المجالات والخدمات، وتناحرا داميا بين طوائفه ومكوناته.
إن الموضوعية والأمانة تقتضي منا أن نتفهم تبعات وآثار ذلك الغزو المدمر عام 1990، ولكنها تقتضي أيضا الاعتراف بهشاشة النظام العربي في حينه الذي أظهر صدام حسين بغزوه للكويت بأنه أوهن من بيت العنكبوت، وما أشبه الليلة بالبارحة: فالعراق اليوم يعيش أخطار الطائفية التي تحكم بغداد، والهيمنة الإيرانية، وحروب داعش العبثية وتمددها خارج حدود الوطن، ولكن ما يجري اليوم، هو نتيجة وليس سببا، وهو ما يرفض من ساند الغزو والعدوان الاعتراف به حتى اليوم، وتعليق كل شيء على الغزو الأمريكي للعراق وحسب، فلقد كان الغزو الأمريكي نتيجة لغزوات وحروب عبثية-بعثية أشعلها صدام حسين، وتكتمل بوجهها المتهالك بعبثية-وبعثية بنسخة سورية يقودها بشار الأسد ستؤدي بسوريا إلى ما انتهى إليه العراق، برفض النظام السوري الرحيل ليقرر شعب سوريا مصيره بدلا من أن يقرره الآخرون- كما جرى بالعراق. وبغض النظر عن تفاصيل ما يجري بسوريا اليوم، فكلها ونتائج وسببها واحد: طغيان وقهر وقمع وجرائم نظام الأسد في حق الشعب السوري والباقي تفاصيل ونتائج.
إن دول الخليج كافة مطالبون أكثر من أي وقت مضى، بلملمة الخلافات، وحل النزاعات بينها كشرط اساس للتصدي لأخطار الخارج، وهي مطالبة بتعزيز حقوق الإنسان واحترامه وحفظ ثرواته ومحاربة الفساد الذي ينخر باقتصاداتها، والعمل بكل تفان وتضحية على السير نحو الكونفدرالية الخليجية التي تعتبر سورا منيعا ضمن أسوار استراتيجية الأمن القومي لدولنا، والبناء عليها لإنشاء نظام عربي أمني جديد يضمن عدم تكرار "أم المآسي" والزلزال الذي هز كيان الأمة وأشعل حرائقها في الثاني من أغسطس عام 1990.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026