رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان المؤتمر العالمي الذي انتظم في روما يومي 27 و 28 يونية2021 تحت شعار: "التحالف الدولي ضد الإرهاب" بحضور وزراء خارجية وداخلية عديد الدول من بينهم السيد أنتوني بلينكن وزير خارجية الولايات المتحدة ووزراء حكومات الاتحاد الأوروبي، وكانت أبرز المشاركات العربية تتمثل في نائب رئيس الوزراء وزير خارجية قطر سعادة الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بفضل المداخلات الهادفة التي قدمها والاقتراحات البناءة التي تقدم بها لنظرائه وتناقلتها وسائل الإعلام العالمية، بل واعتمدت بعضها كوثائق للمؤتمر وضعت على ذمة المشاركين.
ونموذج واحد من الصحافة العالمية يكفي لأن ندرك مدى تأثير الدور القطري في هذا المنتدى الدولي، حيث قالت صحيفة (أل موندو) الإيطالية إنه منذ انطلاق الثورات العربية ضد الاستبداد وخاصة في سوريا كان التأييد القطري والتركي لطموحات الشعوب صادقا وحاسما، من أجل تغيير أساليب الحكم الشخصاني القديم وإفساح المجال أمام الطاقات الشبابية الحية للعب دور سياسي واقتصادي في دولهم، لكن سرعان ما استغل التطرف الأعمى مناخ الفوضى في سوريا والعراق فبرزت ظاهرة داعش وتوسعت في عديد البلدان المشرقية والمغاربية، وأصبحت تستقطب يأس بعض المغرر بهم من الشباب العربي والمسلم، ووجب اجتثاثها بتضافر الجهود، وكانت دولة قطر في الحقيقة أول من دعا إلى توحيد الجهود الدولية في تحالف ضد الإرهاب مع دعوتها الى "مؤتمر دولي لتحديد المعنى الحقيقي للإرهاب حتى لا يقع غش الرأي العام العالمي بالخلط بين الإرهاب وبين حركات التحرير المشروعة"، ولعل السبب الرئيسي لهذا الحضور القطري الفاعل والمتألق هو ما تتميز به الدبلوماسية القطرية منذ عقود من استقرار سياساتها الخارجية على جملة من المبادئ الأخلاقية والقيم السلمية، وارتكازها على بنود القانون الدولي وميثاق منظمة الأمم المتحدة والتي تعتبر الإرهاب مرض العصر الخطير وانحرافه الأكبر، وتحض الدول على مقاومة كل أشكاله المهددة للأمن العالمي، وبهذا الرصيد المشرف شاركت دولة قطر في المؤتمر الوزاري للتحالف الدولي ضـد تنظيم داعــش والــذي عـقـد في رومــا، وتــرأس الوفــد الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني الذي تعزز بتوجيهات حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، حفظه الله، فتوجه بالشكر للدولة الإيطالية لإتاحة الفرصة لدولة قـطـر لـلـحـديـث عـمـا تــم إنـجـازه من جهود مشتركة نحو هزيمة تنظيم داعــش، مـؤكـداً على الـحـاجـة المـلـحـة لـتـعـزيـز الـتـعـاون الأمــنــي وتـوسـيـع نطاقه، بالإضافة إلـى زيـادة جهود بناء الـقـدرات مع البلدان التي لا يزال تنظيم داعش يمثل خطراً قائماً أو متزايداً فيها. وقدم الوزير شرحا لاستراتيجيات ومناهج مكافحة الإرهــاب والـتـطـرف في دولة قطر، مـؤكـداً الـتـزام دولـة قطر الــراســخ نـحـو رســالــة الـتـحـالـف وأهـــدافـــه، كـمـا بين الــــتــــزام دولـــــة قـطـر بـمـواصـلـة الـعـمـل لـدعـم جـهـود إعـادة تأهيل وترحيل المقاتلين الأجــانــب وأفــــراد أســرهــم إلــى بلدانهم الأصلية، مبيناً أنهم ما زالـوا في نطاق التعرض لخطر التأثير الراديكالي مجدداً، كـمـا أكــد دعــم دولــة قـطـر الـثـابـت لـلـجـهـود الـدولـيـة والأممية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية وفـقـا لـبـيـان جـنـيـف الأول 2012 وقــــرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وقــال إن الـوقـت حــان للعمل بطريقة مختلفة بـعـد أكـثـر من 10 سنوات من المآسي الإنسانية ومعاناة الشعب الـسـوري الشقيق، ولبحث الـفـرص والمـبـادرات التي يمكن أن تساعد على تسوية الأزمة السورية وفق قرار مجلس الأمن 2254، وثمن الجهود التي يبذلها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص لسوريا لدعم المــســار الـسـيـاسـي والـتـوصـل إلــى تـسـويـة سـيـاسـيـة لـلأزمـة الـــســـوريـــة، مشددا عــلــى ضــــــرورة الــعــمــل عـلـى تحديد موعد محدد للانتهاء مــن صــيــاغــة دســتــور ســوري جديد، وذلك للتمهيد للانتقال إلـــى المــرحــلــة الــثــانــيــة والـتـي تـتـضـمـن إجــــراء الانــتــخــابــات وفـقـا لـلـدسـتـور الـجـديـد، وأكـد على أن تخفيف حدة القتال والتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم ومحاربة الإرهاب بالإضافة إلى إيصال المساعدات الإنسانية لـجـمـيـع المـنـاطـق فــي ســوريــا يـمـكـن أن يـسـاهـم في تهيئة الأجواء لمسار سياسي والتوصل إلى حل ينهي معاناة الشعب السوري، كما شدد على ضرورة ضمان البيئة المناسبة لوصول المساعدات بشتى أنواعها إلى محتاجيها في جميع مناطق سـوريـا دون استثناء وفقا لـقـرارات مجلس الأمــن لاسـيـمـا الــقــرار رقــم 2533 المعني بالمعابر الحدودية، وبـين أن جـائـحـة كوفيد - 19 أتاحت فرصة لمراجعة وإعـــادة تـقـيـيـم اسـتـراتـيـجـيـات مــكــافــحــة الإرهـــــاب والــتــطــرف، مــؤكــداً الــتــزام دولــة قـــطـــر الــــراســــخ نـــحـــو رســـالـــة التحالف وأهدافه، ومن جهة أخرى غــــرد الــشــيــخ مـحـمـد بـن عبد الـرحـمـن آل ثـانـي قائلا إن "مكافحة الإرهــاب بكافة صـوره وأشكاله أولوية بالنسبة لدولة قطر التي قدمت مساهمات كبيرة على الصعيدين الإقـلـيـمـي والــدولــي، وستظل قـطـر شريكا استراتيجيا للتحالف الدولي لهزيمة داعش"، ومـــن جــانــبــه غـــرد وزيــــر الـخـارجـيـة الأمـريـكـي على صفحته الرسمية في تويتر قائلا: "تشرفنا بلقاء نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بــن عـبـد الـرحـمـن فــي رومـــا ونـاقـشـنـا تعزيز الأمــن والاسـتـقـرار الإقليميين وبناء الدعم الدولي للجهود الإنسانية".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5262
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3837
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026