رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التحدي أكبر مما نظن.. فلئن كانت الحقيقة شرطا للمصالحة إلا أن الديمقراطية تمثل الضمان الوحيد لإدراك الحقيقة، وتلك مشكلة أخرى.
(١)
قال المهندس إبراهيم محلب في لقائه مع الجالية المصرية بعمان ردا على سؤال وجه إليه عن الأوضاع الداخلية في مصر إنه لا مصالحة مع من تلوثت أيديهم بالدماء، في نفس اليوم (الخميس ٢٨/٥) أصدرت إحدى محاكم الإسكندرية حكما بتبرئة ضابط «المباحث» الذي سبق أن حكم عليه بالسجن ١٥ عاما بعد إدانته في تعذيب وقتل سيد بلال المتهم بالضلوع في تفجير كنيسة القديسين عام ٢٠١١، حدث ذلك في حين لم يتوقف اللغط حول مسؤولية الأمن عن قتل طالب هندسة عين شمس إسلام عطيتو.
وبسبب حظر النشر ظل الغموض محيطا بمصير ضابط الشرطة الذي اتهم بقتل المحامية شيماء الصباغ، وهو ذات الغموض الذي أحاط بمصير التحقيق في قتل اثنين من المحامين بعد تعذيبهما في قسم المطرية بالقاهرة، هما كريم حمدي وإمام عفيفي.
هذه الوقائع التي حدثت في الآونة الأخيرة لا تجيب على السؤال من الذين تلوثت أيديهم بدماء المصريين، لكنها على الأقل تبين أمرين أساسيين هما: أن السؤال ليست له إجابة واحدة كما تروج وسائل الإعلام، وأن التعرف على الحقيقة في هذا الموضوع بالذات أمر بالغ الصعوبة في ظل الأوضاع الراهنة، التي تتحكم فيها السلطة في كل مفاصل وخيوط الموضوع.
من ناحية أخرى فإن السؤال يقلب علينا كما هائلا من المواجع التي تعاقبت علينا في مصر منذ قامت ثورة ٢٠١١، ذلك أن كم الدماء التي سالت منذ ذلك التاريخ أكبر مما يتصور كثيرون، ومازلنا حتى الآن ــ بعد ٤ سنوات ــ لا نعرف حقيقة الذين تلوثت أيديهم بدماء المصريين. ورغم أن المنظمات الحقوقية المستقلة لديها اجتهاداتها في الإجابة على التساؤلات المتعلقة بذلك الملف، إلا أن الخطاب السياسي والإعلامي إما ساكت على بعضها أو أنه يوظف الإجابات المتعلقة بالبعض الآخر في اتجاه واحد أريد به خدمة الصراع السياسي القائم في مصر، وفي الحالتين فإن الحقيقة هي الضحية، حيث يجري التعتيم على جانب منها، في حين يتم التلاعب بالبعض الآخر واستغلاله لتصفية الحسابات السياسية.
(٢)
ذكرت في مقال الأسبوع الماضي (الثلاثاء ٢٦/٥) أن لدينا تاريخين لأحداث السنوات الأربع الماضية. واحد أهلي مستقل اجتهد في تحري الحقيقة، والثاني أمني أعاد صياغة الأحداث في ضوء متطلبات الصراع الحاصل وحسابات ومصالح المؤسسة الأمنية. وفي حين تبنى الخطاب السياسي الصياغة الجديدة للأحداث، لأسباب مفهومة، فإن وسائل الإعلام وأجهزة التوجيه المعنوي تولت تسويقها من خلال كل المنابر المتاحة المرئية والمقروءة والمسموعة. وهي في ذلك أدت بهمة مشهودة ذات الدور الذي نهضت به «وزارة الحقيقة» في رواية جورج أورويل الشهيرة (١٩٨٤). إذ أعيد تشكيل المعلومات واللعب في المعاني والمفردات، للتحكم في الوعي والإدراك بحيث يتطابق مع الهوى السياسي ويحقق ذوبان المجتمع في السلطة وخضوعه التام لإرادتها.
ثمة بيان متاح على الإنترنت يتحدث عن دماء المصريين التي سالت منذ ثورة ٢٠١١، تحت اسم «خريطة ويكي ثورة». وهو مركز حقوقي مستقل يتمتع بصدقية عالية، ومعلوماته لا يختلف عليها في الجوهر المراكز الحقوقية المماثلة، رغم أن الأمر لا يخلو من قدر من التباين في التفاصيل. الخريطة التي أوردها خبراء المركز ونشطاؤه خلصت إلى النتائج التالية في تقدير وحصر الضحايا الذين سقطوا من ثورة يناير:
< في فترة الـ١٨ يوما الأولى من الثورة التي امتدت من ٢٥ يناير حتى ١١ فبراير ٢٠١١ تم حصر ١٠٧٥ قتيلا.
< في ظل إدارة المجلس العسكري، من ١١ فبراير ٢٠١١ إلى أول يوليو ٢٠١٢، وصل عدد القتلى إلى ٤٣٨ قتيلا وتم حصر ١٦.٨٠٦ مصابين.
< في عهد الدكتور محمد مرسي الممتد من أول يوليو ٢٠١٢ حتى ٣ يوليو ٢٠١٣، سقط ٤٧٠ قتيلا، في حين تم حصر ٩٢٢٨ مصابا ــ وألقي القبض على ٤٨٠٩ أشخاص.
< منذ ٣ يوليو ٢٠١٣ وحتى ٣١ يناير ٢٠١٤ وصل عدد القتلى إلى ٣٢٤٨ شخصا. كما تم حصر ١٨.٥٣٥ مصابا حتى ٢٨ فبراير ٢٠١٤ ووصل عدد المقبوض عليهم والملاحقين قضائيا حتى ١٥ مايو ٢٠١٤ إلى ٤١.١٦٣ شخصا.
لا أستطيع أن أدعي أن هذه هي الحقيقة، وقد ذكرت أنها ضمن الاجتهادات التي سعت إلى تقديم الحقيقة، وأشرت إلى أن المصادر الحقوقية المستقلة ليست لديها اختلافات جوهرية مع النتائج التي توصل إليها خبراء «ويكي ثورة». ولأن التحفظات كثيرة على بيانات وأرقام الأجهزة الأمنية التي تولت إعادة صياغة أحداث ومعلومات تلك المراحل خدمة للنظام وتبرئة لساحتها، فإن الباحث عن الحقيقة يظل في حيرة من أمره. على الأقل فربما يصبح على يقين من أن دماء غزيرة قد سالت، لكنه يغدو متشككا في هوية وطبيعة الأيدي التي تلوثت بدماء المصريين.
(٣)
سواء عبرت تلك المعلومات عن الحقيقة أو كانت قريبة منها، فإننا نصبح إزاء ملف متفجر يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار الاستقرار السياسي والاجتماعي بمصر. وتجاهله أو التهوين من شأنه أن يشكل خطرا لو تعلمون عظيما. وقبل الانتقال إلى نقطة أخرى في السياق أذكر بأن ذلك العدد الكبير من الضحايا يشمل الجنود والضباط إلى جانب الشريحة الواسعة من المدنيين. أذكر أيضا أن هوية الضحايا وانتماءاتهم ليست محل اعتبار في الرصد، الذي عني بتتبع الانتهاكات التي تعرض لها الإنسان المصري بغض النظر عن أي انتماء له.
إن المرء لا يستطيع أن يخفي شعوره بالقلق حتى يقف على تلك المعلومات وتلج عليه الأسئلة التالية: ما الذي يمكن أن يفرزه أو يستنبته إغراق الفضاء المصري بذلك الكم من الدماء والتشوهات؟ وما الذي يمكن أن تحدثه المرارات والثأرات في محيط أهالي الضحايا وذويهم؟ وما هي الرسالة التي تبعث بها إلى الرأي العام فيما خص قيم التسامح والحلول السلمية واحترام الدستور والقانون؟
للأسف فإن مثل هذه الأسئلة لم تعد مطروحة في مصر على الساحتين الثقافية فضلا عن السياسية. ذلك أن الخطاب التعبوي المهيمن مشغول طول الوقت بتصفية حسابات وصراعات الحاضر، دونما نظر إلى تداعيات المستقبل. وإزاء ذلك لا يسعني إلا أن أذكر بأن مثل تلك الأجواء كانت بين أهم منابع العنف والإرهاب. فقد خرجت حركة التكفير التي قادها شكري مصطفى في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من زنازين السجون المصرية، كما أن حركة داعش كانت مولودا طبيعيا لوحشية وعنف النظام البعثي في العراق، وقد تشكلت عمليا في سجن «بوكا» الذي أقامه الأمريكيون في جنوب العراق بعد احتلاله عام ٢٠٠٣ لقهر وإذلال عناصر المقاومة.
لا أبالغ إذا قلت إن الانتهاكات التي تعاقبت خلال السنوات الأربع الماضية أحدثت جرحا عميقا في المجتمع المصري، تراكمت فيه المرارات والأحقاد، التي لا ينبغي أن نستغرب تحولها إلى مخزون كبير للعنف الذي لا يعرف له شكل أو مدى. ولا سبيل لتجنب ذلك السيناريو الكئيب والمخيف إلا بمحاولة تطهير الجرح وتصفية مخزونه من المرارات والأحقاد والثأرات. ويعد إعلان الحقيقة مفتاحا أساسيا لإنجاح تلك المحاولة للتطهير المنشود.
(٤)
لا ننفرد بذلك التحدي، إذ سبقنا آخرون في محاولة إنجاز التطهير المنشود. فقد قامت بالمهمة محاكم حقوق الإنسان التي تشكلت في اليونان في سبعينيات القرن الماضي. وتصدت لها لجان تقصي الحقائق في جنوب أمريكا اللاتينية (في الأرجنتين عام ١٩٨٣ وشيلي عام ١٩٩٠) وفعلتها لجنة الحقيقة والإنصاف التي تشكلت في جنوب إفريقيا عام ١٩٩٥. ويعد تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب عام ٢٠٠٤ النموذج الأحدث في ذلك المسار.
التجربة المغربية تقدم نموذجا ليس فقط للسعي إلى محاولة إعلان الحقيقة في الانتهاكات التي وقعت. ومن ثم إنجاز المصالحة الوطنية المنشودة، ولكنها أيضا تكشف عن عمق العقبات التي قد تحول دون ذلك. وقد استفدت في دراسة هذه التجربة من بحث أعده حول الموضوع الدكتور بلال العشري أستاذ التعليم العالي في جامعة محمد الخامس بالرباط، أثار فيه نقاطا عدة في المقدمة منها ما يلي:
< إن الملك الحسن الثاني في آخر سنوات حكمه أدرك أن المغرب بصدد مواجهة أزمة كبرى على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، فاعترف بأن اقتصاد البلاد يوشك على الإصابة بـ«السكتة القلبية» على حد تعبيره. وفي الوقت ذاته فإن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي كشفت عنها تقارير منظمة العفو الدولية كانت قد انفضح أمرها حتى شوهت صورة المغرب في العالم الخارجي.
< لمواجهة الأزمة سعى الملك الراحل إلى محاولة إحداث انفراج نسبي يحسن صورة نظامه، فأصدر قرارا بأحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في عام ١٩٩٠. وأطلق سراح مئات المعتقلين الذين كانوا في عداد المختفين في العام الذي يليه، وأنشأ وزارة لحقوق الإنسان سنة ١٩٩٣ ثم أصدر في العام التالي عفوا عاما عن المعتقلين السياسيين. كما اعترف في حديث صحفي بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان غلبت مصلحة أمن الدولة والنظام على أمن المواطنين والنشطاء السياسيين. واستكمل الملك المراحل خطواته تلك بتعيين السيد عبدالرحمان اليوسفي المعارض اليساري الشهير رئيسا للوزراء عام ١٩٩٨.
< بعد وفاة الملك الحسن عام ١٩٩٩ وتولي ابنه الملك محمد السادس جرى الترويج لمفهوم جديد للسلطة وتمت إقالة وزير الداخلية الذي حمل بمسؤولية الانتهاكات، وشكلت لجنة للنظر في تعويض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ظلت تعمل منذ عام ١٩٩٩ إلى عام ٢٠٠٣.
< هذا الجهد قوبل برفض من جانب المنظمات الحقوقية التي انتقدت الاكتفاء بمجرد تعويض الضحايا، وتجاهل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والاعتذار عن وقوعها، مع إجراء إصلاحات قانونية وسياسية للحيلولة دون الرجوع إلى الماضي. وفي مواجهة هذه الضغوط جرى توسيع اختصاصات مجلس حقوق الإنسان لضمان استقلاله. وبناء على توصيته تم إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة للبحث في الانتهاكات الجسيمة التي وقعت إبان حكم الملك الراحل (بين عامي ١٩٥٦ و١٩٩٩).
< باشرت الهيئة مهمتها طوال سنة، لكنها حصرت مهمتها في تعويض بعض الضحايا، وعقدت جلسات استماع لعدد منهم، ولم تتطرق إلى كشف الحقائق ولا إلى محاسبة المسؤولين ناهيك عن عدم اعتذارها عن ممارساتهم. حدث ذلك في حين ظل الجهاز الأمني على حاله لم يتغير فيه شيء، ولم تتخذ أي إصلاحات أو خطوات هيكلية تضمن عدم تكرار الانتهاكات مرة أخرى.
ما كشفت عنه الدراسة أن إعلان الحقيقة ليس أمرا هينا، لأنه يتطلب بيئة ديمقراطية ومناخا للحرية يوفر شجاعة الاعتراف بالحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وما لم يحدث ذلك فإن تطهير الجرح من عفونته ومراراته لن يتم، وستصبح المصالحة أملا بعيد المنال، الأمر الذي يوجه رسالة إلى الجميع خلاصتها أن الحرية والديمقراطية شرط لإعلان الحقيقة وأن الحقيقة شرط لإنجاز المصالحة، وما لم يتحقق ذلك فإن دماء الضحايا ستظل موزعة على كل القبائل السياسية والأمنية الفاعلة في الساحة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9402
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2223
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026