رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشهد العلاقات بين الإسلاميين ممثلين في حركة النهضة والدساترة ممثلين في حركة نداء تونس تقاربا واضحا في الأشهر الأخيرة خاصة حول موضوع العزل السياسي، فهل يدفع اليسار ثمن تحالفاته السابقة؟ وتعتبر مسيرة اليسار التونسي ممثلا في الجبهة الشعبية مثيرة للاهتمام حيث إنه مر بجملة من التحالفات غير المنطقية من حيث الأطراف المتحالف معها مثل الإسلاميين والدساترة كل في مرحلة ما لكنه يعود في نهاية كل تحالف إلى نقطة الصفر، ويواصل حلفاؤه طريقهم أحيانا في اتجاه معاداته.
لقد تشكلت الجبهة الشعبية على أساس أن تكون قوة سياسية في مواجهة الاستقطاب الثنائي بين حزب النهضة الإسلامي وحزب نداء تونس الذي أسسه رئيس الحكومة التونسية السابق الباجي القائد السبسي. وكانت هذه الجبهة متكونة من أحزاب يسارية وقومية عديدة بطبيعة الحال، على أمل أن تصبح قوة ثالثة في البلاد بعيدة عن قوى اليمين وبعيدة عن الحركات الإسلامية،لأن هدفها يتمثل في أن تكوّن قوة تأثير في الحياة السياسية، وقوة تعديل في المستقبل لمصلحة القوى الديمقراطية،إذ إن القوى اليسارية والقومية المشتتة لا تستطيع التأثير بقدر القوى المجتمعة. وتمكنت الجبهة الشعبية من تحقيق هذا التوازن السياسي فعلا قبل اغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي، اللذين كانا من العيار الثقيل، ويحسنان الخطاب السياسي الذي يجد صداه لدى عموم التونسيين، ومعهما تطور أداء الجبهة وارتفعت نسب المهتمين بها وقد فرض وجودهما تعديل المواقف داخل الجبهة وأصبحت قراراتها تؤخذ بطريقة ديمقراطية. لكن بعد اغتيالهما انعدم التوازن وانعدمت معها الديمقراطية داخل الجبهة الشعبية.
وشكل اغتيال الشهيد شكري الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، نقطة تحول حقيقية في مسار الجبهة الشعبية إذ خرج حوالي مليون وأربعمائة ألف تونسي في جنازته في 8فبراير2013. وكان بإمكان الجبهة الشعبية أن تستثمر ذلك الزخم الشعبي الكبير لكي توظفه نحو بروز قوة سياسية ثالثة حقيقية تقف نداً أمام الحزبين الكبيرين النهضة والنداء، لكن ما راعنا أن وقع الاستيلاء على الجبهة من طرف الناطق الرسمي للجبهة السيد حمة الهمامي، والأمين العام لحزب العمال في الوقت عينه. فبدأت سياسة الإقصاءات للأطراف السياسية المخالفة لتوجهات الناطق الرسمي، فمن أصل 12 حزبا مكوناَ للجبهة، انحصر القرار الآن بين خمسة فقط يقودها حزب العمال. وهو ما أضعف الجبهة كثيراً، لاسيَّما في عدد من الجهات الداخلية للبلاد. إذ انتهج السيد حمه الهمامي سياسة تحالف الجبهة الشعبية مع حزب »نداء تونس« باسم ضرورات وأولويات المرحلة المتمثلة في اعتبار الإسلام السياسي الحاكم قوة »فاشية»، ولذا وجب القيام بتحالف واسع لإسقاط الحكم وتأجيل تحقيق أهداف الثورة إلى ما بعد الإطاحة بحكم الاستبداد الديني.
إنها المبررات عينها التي قدمها حزب العمال الشيوعي الذي يتزعمه السيد حمه الهمامي، أثناء تحالفه مع الإخوان المسلمين في ائتلاف 18 أكتوبر عام 2005 ضد «الحكم الاستبدادي لبن علي» وهو هدف ينأى بالجبهة بعيداً عن مطلب «إسقاط النظام» الذي طالما ردده المتظاهرون قبل وبعد الإطاحة ببن علي (الشعب يريد إسقاط النظام) أو (الشعب يريد الثورة من جديد). فهذا الاتجاه الجديد يزج بالجبهة الشعبية في مساومات مع قوى ليبرالية ذات مصالح متناقضة مع قواعد الجبهة الشعبية، وذات تجربة في السلطة، وهو ما يفقد الجبهة الشعبية ارتباطها بالفقراء والعمال والكادحين الذين يطمحون لتغيير حياتهم نحو الأفضل، ويفقدها شرعية التعبير عن مطالبهم في (الشغل والحرية والكرامة الوطنية).
كما يفقد هذا التوجه السياسي للجبهة الشعبية استقلالية قرارها بحكم ذوبانها داخل (جبهة الإنقاذ)، ويبعدها عن «تحقيق أهداف الثورة» وعن جماهيرها التي خرجت لتشييع الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. ثم إن هذه السياسة التي تتبعها الجبهة الشعبية تجعلها مطية لعودة قادة الحزب الحاكم السابق (التجمع الدستوري المنحل بقرار قضائي) إلى الحكم من الباب الكبير، وعلى أكتاف اليساريين والقوميين وشباب وسكان سيدي بوزيد والحوض المنجمي والقصرين وسليانة، الذين اكتووا بنار القمع والتهميش والفقر، الذي كان الحلفاء الجدد للجبهة الشعبية سبباً مباشرا فيه (من التخطيط إلى التنفيذ).
ولم تطور الجبهة الشعبية والأحزاب المكونة لها، أشكال النضال والتنظيم والمساندة والإعلام، لتغيير ميزان القوى لصالح الفقراء والكادحين والمنتجين والعاطلين عن العمل والإجراء، ولم تنشر الجبهة تحليلاً سياسياً دقيقا ًللقوى السياسية والاجتماعية لتوضح نظرتها لطبيعة التحالفات، وما هي القوى التي يمكن التحاف معها (لتحقيق أهداف الثورة) أو للتقدم خطوة نحو تحقيق هذه الأهداف. ففي أوج الضجيج الإعلامي حول تشكيل جبهة الإنقاذ الوطني بين رموز النظام السابق (1956 – 2011) ومعظم تيارات اليسار والقوميين، عقب اغتيال الشهيد محمد البراهمي في 25يوليو 2013، التقى في باريس يوم 14 آب2013 الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي والباجي قائد السبسي زعيم حزب نداء تونس الذي لم يُخْبِرْ حلفاءه الجدد بهذا اللقاء، ما أثار تساؤلات في صفوف الجبهة الشعبية وفي صفوف بعض أحزاب المعارضة وشرائح عديدة من المجتمع، وكل من آمن بضرورة التغيير الجذري لمصلحة الشعب.
إن تلك الأحداث هي التي تدفع اليوم إلى التساؤل عن دور القوى اليسارية في الحياة السياسية الوطنية المتميزة بسيطرة حزب النهضة الإسلامي الممثل لليمين الديني، وحزب نداء تونس الممثل لليمين الليبرالي بشقيه الاقتصادي والسياسي، الذي بات يشكل استعادة لبقايا النظام السابق، حيث يتبين يوما بعد يوم استعداد هذين الحزبين للتحالف في مرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة لإدارة الحكم وفق صيغة جديدة.
وكان حزب العمال انتهز فرصة اغتيال الشهيد محمد البراهمي أحد قادة الجبهة الشعبية للعودة إلى (التقاطعات مع القوى المعارضة للحزب الحاكم) والتحالف مع نداء تونس (رغم معارضة عائلة الشهيد محمد البراهمي).
وهكذا عاد حزب العمال إلى إحياء صيغة ما سمي (تحالف 18 أكتوبر) التي دامت من 2005 إلى 2007 وضمت الإخوان المسلمين (النهضة) واليمين الليبرالي وبعض القوميين2005.إنه تحالف 18 أكتوبر بين اليسار والإسلاميين من أجل إسقاط بن علي. وقبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 كان هناك شبه تحالف بين حزب العمال وحركة النهضة. وبعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6 فبراير2013، كان هناك شبه تحالف بين الجبهة الشعبية وحزب نداء تونس من أجل إسقاط النهضة. وبعد 25يوليو 2013، تحقق التحالف بين الجبهة الشعبية وحزب نداء تونس فيما بات »يعرف بجبهة الإنقاذ «، والتحق بهم في جبهة الإنقاذ زعيم حزب المبادرة الوطنية الدستورية السيد كمال مرجان (آخر وزير خارجية تونس في عهد بن علي). وجاء هذا الالتحاق في إطار استعداد الحزب للتحالف مع الأحزاب التي يتقارب معها في التوجهات والبرامج السياسية والاقتصادية، ولكن توجد دوافع أخرى تفسر التحاق المبادرة الوطنية الدستورية بجبهة الإنقاذ، إذ ذهب البعض من المحللين السياسيين إلى حد التأكيد على أنه تقارب بين الباجي قائد السبسي (رئيس حركة نداء تونس) وكمال مرجان (رئيس حزب المبادرة الوطنية الدستورية). وتعكس هذه التحالفات غير الطبيعية بين الأحزاب الليبرالية واليسارية والقومية، من أجل إسقاط حكم النهضة، تراجعاً مهماً في المسار الثوري، يجسمه توظيف الجبهة الشعبية في خدمة أجندات الهيمنة الخارجية على البلاد، وتشريع العلاقات غير المتكافئة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
الاستيطان نقيضٌ لحل الدولتين
أكد التصويت الأمريكي على قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يدين الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، تماهي مواقف... اقرأ المزيد
925
| 30 ديسمبر 2016
الاختراق الصهيوني الكبير لتونس
شكلت جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري الذي كان ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية ،وأصبح ينشط لاحقًا مع حركة... اقرأ المزيد
1876
| 23 ديسمبر 2016
هل يكرّس قانون المالية مبدأ العدالة الجبائية؟
لاحديث هذه الأيام في تونس سوى عن قانون المالية لسنة 2017،الذي أثار جدلاً في الشارع التونسي،وانتقل إلى سجال... اقرأ المزيد
1092
| 16 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1464
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1128
| 11 أكتوبر 2026