رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انزعاج أمريكي وإسرائيلي من اتفاق المصالحة الذي جرى توقيعه بين وفدي منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس في غزة . انزعاج سوف يترجم إلى عقوبات إسرائيلية على السلطة ,وربما بقطع أمريكي للمعونات المقدمة إلى السلطة .هذا إذا ما توافرت النوايا لكل من حركتي فتح وحماس في المضي قدما في تنفيذ اتفاق المصالحة, الذي تم التوافق فيه على تنفيذ اتفاقيتي القاهرة والدوحة, وتشكيل حكومة وفاق وطني في مدة خمسة أسابيع ,وتحديد انتخابات رئاسية وتشريعية في غضون ستة أشهر . نقول جملة ( إذا ما توافرت النوايا لدى الجانبين) لأننا اعتدنا عدم تنفيذ الاتفاقات بينهما , فكم من مرة جرى التوقيع على اتفاق بين الحركتين وبعد عودة كل من الوفدين إلى محل إقامته , عادت المياه إلى ما كانت عليه قبل الاتفاق ويبدأ التراشق الإعلامي بينهما وكيل الاتهامات والأخرى المضادة من كل من الحركتين للأخرى .لذا من حق كل فلسطيني وعربي وصديق للفلسطينيين النظر بحذر وترقب شديدين على أمل تنفيذ اتفاق المصالحة هذه المرة .
على صعيد المفاوضات مع الكيان الصهيوني من الضروري التوضيح: بأن مباحثات السلطة الفلسطينية مع الجانب الصهيوني لم تنقطع (قبل القرار الإسرائيلي بقطع المفاوضات مع السلطة عقابا لها على الاتفاق مع حماس ), فصائب عريقات تفاوض مع تسيبي ليفني عدة مرات في لقاءات ثلاثية برعاية المندوب الأمريكي الصهيوني حتى العظم مارتن إنديك , أو في لقاءات ثنائية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي! ذلك يعني وفقما يقول البعض من المراقبين بأن تهديدات الرئيس عباس بقطع المفاوضات ليست أكثر من زوبعة في فنجان, وستعود المياه إلى مجاريها في استنئاف المفاوضات, وبخاصة أن أنباءً كثيرة تحدثت عن مفاوضات سرية مع الكيان الصهيوني تجري بعيداً عن التصريحات الإعلامية. المطلوب من السلطة إذا كانت جادة في عدم التفاوض: أن تقطع المفاوضات مرّةً واحدة وإلى الأبد، وإلا فالأمر ليس أكثر من مسخرة, وفي ذلك إضعاف كبير للجانب الفلسطيني. من ناحية أخرى فإن إسرائيل بحاجة إلى المفاوضات مع الفلسطينيين للإيحاء إعلاميا بأن حركة سياسية ما تدور بينها وبينهم. أمريكا أيضا بحاجة إلى استئناف المفاوضات لتتخلص من هذا الملف الذي أصبح مزعجا لها. لذا من المتوقع ألا يطول القرار الإسرائيلي بقطع المفاوضات مع السلطة , وبخاصة إذا ما تم تشكيلة ائتلاف حكومي من التكنوقراط (الكفاءات) والتزام الحكومة الجديدة باستراتيجية السلطة للحل, وبخاصة أن هناك متغيرات جدية ظهرت مؤخرا في مواقف حماس على صعيد النظرة الأستراتيجية والرؤية السياسية لحل الدولتين , تقارب بين مواقفها ومواقف السلطة على الصعيد السياسي .
بالنسبة لاتفاق المصالحة. هناك عوامل تساعد على البدء في تنفيذه , من أبرز هذه العوامل : المأزق الذي تمر به حركة حماس بالنسبة لموقف مصر منها واعتبار محكمة قضائية مصرية لها بقرار- مؤسف - (تنظيما إرهابيا ) وذلك بعد إسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر. هذا إلى جانب الحصار الإسرائيلي للقطاع منذ سنوات طويلة . العامل الثاني : هو أن خيار السلطة الأستراتيجي في اعتبار المفاوضات طريقا استراتيجيا للوصول إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية قد وصل إلى درب مسدود ,فتجربة واحد وعشرين عاما من المفاوضات لم تجلب سوى الكوارث للفلسطينيين. لذا فإن السلطة أيضا في مأزق. بالتالي فإن هذين العاملين يساعدان على تقريب وجهات النظر بين كل من حركتي فتح وحماس. على صعيد العوامل المباعدة بينهما: التنسيق الأمني للسلطة مع العدو الصهيوني فهذا ما رفضته وترفضه حماس. العامل الثاني : كيفية اقتسام السلطة بين الجانبين في كل من رام الله وغزة. العامل الثالث : دمج الأجهزة الأمنية لدى كل من السلطتين في أجهزة واحدة وموحدة.
على صعيد آخر, تنوي الدولة الصهيونية بدء سلسلة عقوبات على الفلسطينيين بعد توقيع اتفاق المصالحة .بداية من الضروري التوضيح أن العقوبات هددت بها إسرائيل بعد (وقف ) السلطة للمفاوضات مع إسرائيل , ذلك, وقبل توقيع اتفاق المصالحة. جاء هذا بعد قيام السلطة بتوقيع 15 اتفاقية مع منظمات تابعة للأمم المتحدة من أجل الدخول فيها, منها معاهدة جنيف. العقوبات الصهيونية بدأت بتجميد تحويل أموال الضرائب الفلسطينية التي تجنيها إسرائيل والبالغة حوالي 115 مليون دولار سنوياً.الأمر الذي سيؤثر سلباً على ميزانية السلطة ودفع رواتب الموظفين (السلطة في الأصل مدينة ويصل حجم ديونها إلى أربعة مليارات ونصف المليار دولار). كما أن العقوبات ستطال مجالات أخرى للاقتصاد , ومجالات المياه والكهرباء والوقود، وحركة التنقل للفلسطينيين على الطرق الخارجية والداخلية وبخاصة في المنطقة (ج) التي تتولى الإشراف الأمني عليها إسرائيل. من العقوبات أيضاً: ارتفاع وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاعتقالات والاغتيالات وغيرها.
في السياق يمكن القول: إن هذه العقوبات الصهيونية مطبقة حتى في ظل المفاوضات وفي ظل التجميد الفلسطيني لقرارات الانضمام إلى المنظمات الدولية , فالاستيطان (في ظل المفاوضات)هذا العام فاق السنة الماضية بنسبة 123% ثم الاغتيالات الصهيونية والاعتقالات للفلسطينيين ارتفعت وتيرتها هي الأخرى.كذلك هدم المنازل وتقييد حركة مرور الفلسطينيين على الحواجز الإسرائيلية.علينا أن لا ننسى أن الكيان الصهيوني ما يزال يحاصر قطاع غزة لسنوات طويلة على التوالي. المقصود القول: إن هذه العقوبات مطبقة على شعبنا طالما ظل الاحتلال قائماً. فأين هو الجديد؟!من ناحية ثانية فقد جمّدت إسرائيل تحويل أموال الضرائب الفلسطينية من قبل عدة مرات فهذا ليس أيضاً بجديد هذا أولاً.
ثانياً: بإمكان السلطة الفلسطينية الرد على هذه العقوبات من خلال:التمسك بالثوابت الفلسطينية , إلغاء التنسيق الأمني مع العدو, إلغاء اتفاق باريس الاقتصادي, التراجع عن كافة التنازلات التي قدمتها السلطة مجاناً للكيان الصهيوني:وثيقة عبد ربه-بيلين , التراجع عن عدم إغراق إسرائيل بملايين اللاجئين الفلسطينيين (وكان عباس قد وعد بذلك في لقائه مع 300 طالب من الكيان الصهيوني اجتمع بهم في مقر المقاطعة منذ بضعة شهور). إلغاء بنود تتعلق بالكفاح المسلح وأرض فلسطين التاريخية وبنود أخرى من الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1996 في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت هناك .تجاوز الانقسام هو أيضا رد على العقوبات الصهيونية كما العودة إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية وإعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها, وانتهاج استراتيجية ورؤية سياسية جديدة تعيد إحياء المقاومة بكل وسائلها وسبلها بما في ذلك المقاومة المسلحة, قطع المفاوضات نهائيا مع العدو الصهيوني وإجراء مراجعة شاملة للمرحلة منذ اتفاقية أوسلو وصولا للمرحلة الراهنة.
وتظل قمة الردود هي إلغاء اتفاقيات أوسلو وما نتج عنها من تبعات ولو أدّى ذلك إلى حل السلطة نفسها، وعودة الصراع إلى مربعه الأول ! وليمارس الاحتلال دوره مباشرةً وليس بطريق غير مباشر, كما يمارسه حالياً. اتفاقيات أوسلو هي أساس البلاء ويتوجب إلغاؤها . لعلني استحضر ما سبق وأن قاله الراحل المفكر الفلسطيني إدوار سعيد عنها"إن الحفل الاستعراضي المبتذل الذي عقده البيت الأبيض إنما يواري مؤقتاً هول جسامة الاستسلام الفلسطيني.لذا دعونا نسمي الاتفاق باسمه الحقيقي:صك الاستسلام الفلسطيني،معاهدة فرساي الفلسطينية". نعم بإمكان السلطة الرّد على العقوبات الصهيونية , فكل ما عددناه من ردود هي أوراق قوة بين يدي السلطة , المهم أن تتوافر النوايا والإرادة لتنفيذ هذه الردود .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8712
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2760
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1494
| 25 أكتوبر 2026