رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قضية الأسرى الفلسطينيين وإضرابهم عن الطعام تتفاعل وطنيا وتتصعد سياسيا منذ عملية وفاء الأحرار التي حررت بموجبها حركة المقاومة الإسلامية - حماس - أكثر من ألف أسير من ذوي المحكوميات العالية والمؤبدة في سجون العدو.. تحرر بموجب الصفقة أيضا الأسير الصهيوني شاليط.. وكان المفروض أن يتوقف العدو عن ممارساته اللا إنسانية واللا قانونية بحق الأسرى وأن يوقف العمل بما يسميه " قانون شاليط ".. وبما أن العدو لم يغير ما يجب تغييره بعد الإفراج عن شاليط فقد اتجه الأسرى للإضراب عن الطعام كنوع من اللفت لقضيتهم وللضغط عليه.. كانت حالات الإضراب في البداية محدودة وفردية وأفرج عن الأسير المجاهد (خضر عدنان) بعد أن أضرب عن الطعام ستة وستين يوما، وأفرج عن الأخت (هناء الشلبي) وأبعدها إلى غزة بعد إضراب خمسة وثلاثين يوما..
لكن شيئا مهما لم يتحقق لبقية الأسرى غير المضربين عن الطعام؛ ولم يتوقف الاعتقال الإداري – الاحترازي – ولم يتوقف نظام العزل الانفرادي الذي طاول كثيرين من الأسرى بعضهم فيه منذ عشر سنوات.. فقرر الأسرى الدخول في إضراب جماعي في يوم الأسير الفلسطيني 17 / 4 الماضي وانضم إليه حتى الآن أكثر من ألفين من كل الفصائل.. هذا الإضراب متوقع ألا يفشل وهو لم يفشل في مرات سابقة..
خضوع العدو للإضراب بالتأكيد لن يكون لفرط مشاعره الإنسانية ولا لثقل أوزانه القيمية التي خبرناها عبر أجيال من المواجهة والموادعة، ولن يكون خوفا من الضغوط والمحاكمات الدولية التي لا وجود لها أصلا ولن تكون أبدا، ولا بسبب الشجب والاستنكار العربي الرسمي أو غير الرسمي الذي لم نعد نسمعه، ولا بسبب ضغوط السلطة واتصالاتها ومتابعاتها الذي تهدد به كظاهرة صوتية حتى الآن ولا أكثر من ذلك..
العدو يخشى أن يستشهد أسرى وأن تخرج الجنازات تباعا إلى ذويهم ومدنهم وقراهم بما سيؤجج عليه أسباب انطلاق انتفاضة ثالثة صارت كل الظروف في خدمتها والتمهيد لها.. فالمنطقة كلها باتت في مرمى ثورات الربيع العربي، وكل الأفق السياسي وكل عملية التسوية مغلقة ومعطلة، والتهويد والاستيطان يجريان جريا في اللحم والدم والعظم الفلسطيني.. وكذا البطالة والفساد والفقر كلها تمزق الكبد الفلسطيني..
العدو يخشى أن يهتم الإعلام بهذه القضية فتقلل هوامش مناوراته فيها، ويخشى أن يسلط الضوء على فضائحه التي يعتبر سجن أبو غريب نموذجا مصغرا وهزليا لها.. العدو يخشى أن تتكشف زيوف الصورة النمطية التي رسمها وسوقها لدولته على أنها واحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة..
العدو لا يهمه أن يموت كل الأسرى.. وهو يعتبرهم " غوييم " – غير يهود - وهم في نظره أيضا أعداء وقتلة يستحق أحدهم الموت ألف مرة.. لذا فقضيتهم وإضرابهم عن الطعام ومعاناتهم بكل أشكالها ومستجداتها لا تهمه ولا تحرجه ولا تهز مشاعره ما لم تصبح مادة إعلامية يومية على وسائل الإعلام.. ذلك فقط يمكن أن يجعل الإضراب فاعلا ومخيفا للعدو، وهو أمر يستطيعه كل أحد خارج فلسطين وداخلها وسواء كانوا أفرادا عاديين أو مؤسسات..
السؤال: أين الإعلام وأين المؤسسات الرسمية من هذه القضية؟ وأين أكثر من ستمائة فضائية عربية وإسلامية على الأقمار الصناعية سوى مئات وآلاف الصحف الرسمية وغير الرسمية اليومية والدورية التي تمتلكها الأمة وتنفق عليها المليارات وتدخل كل بيت وتتجاوز الحدود والسدود، وأين الكتاب والمثقفون؟ أين الأحزاب الوطنية والقومية والدينية وأين مراكز التثقيف والتعليم؟ وأين البرامج.. وأين وأين؟
نقول أين هؤلاء؛ ونحن نرى الكثيرين من المهتمين – فضلا عن الغافلين – لو أراد أحدهم التحدث عن قضية الأسرى ومعاناتهم بعيدا عن سعة الكلام الإنشائي وجمال العبارات الوعظية ورومنسيات الخطاب الوجداني؛ واقترب أكثر من الكلام التفصيلي والمعلومات والبيانات الإحصائية والوصفية الدقيقة وإلى الكلام عن كيفية تحريرهم ورفع معاناتهم.. نراه لا يحسن الكلام لأكثر من دقيقتين معدودتين يتخللهما الكثير من (التأتأة الفهفهة).. أليس يعني هذا أن القضية مغيبة؟ وهل يليق هذا بقضية كبيرة ومقدسة بقداسة القضية الفلسطينية نفسها، وبقداسة كونهم أسرى وكلا منهم كان ولا يزال مشروع شهادة في سبيل الله.. ومقدسة بكونها قضية الرجال الذين رفعوا شأن الأمة وسطروا البطولات التي تزهو بها وتفاخر على العالم كله وعلى التاريخ كله.. المضحك المبكي أن البديل الذي يشتغل عليه الكثير من إعلامنا كأنه قضية القضايا هو الرقص والطرب والفن والمرح والفرح والسحر والشعوذة (والهمبكة والهلفتة)، حتى التطرف والدم والنزعات الطائفية والولاءات الشخصية والانتماءات الحزبية كلها صار لها إعلامها ورموزها وصرنا نجد لها في إعلامنا من يتسابق إليها ويحتشد معها..
نقول أين الإعلام؛ والعدو - لولاه - لم يكن ليوقف عدوانه على لبنان وعلى غزة، وما كان ليتوقف عن قتل الشعب الفلسطيني كل يوم.. نقول أين الإعلام ؛ والعدو - لولاه - ما كان ليتردد لحظة عن استعمال ترسانته النووية في ضرب أي دولة يعاديها أو يختلف معها.. نقول أين الإعلام ونتذكر مقولة الهالك بيجين – رئيس الوزراء السابق للكيان - في مذكراته " لو كانت مع الفلسطينيين كاميرا تليفزيونية واحدة عام 48 لما قامت " دولة إسرائيل "، نقول أين الإعلام ونتذكر ما قاله الجنرال الصهيوني (يوآف جالانت) الذي كان أثناء العدوان الأخير على غزة قائد ما يسمى بالمنطقة الجنوبية.. فعشية توقف العدوان وكما نقل عنه موقع (فيليكّا إسرائيل) الإلكتروني قال: " إن إيقاف الحرب كان لأن إسرائيل لا تريد التورط أكثر في حرب إعلامية ضدها بدأت أوساط الإعلام الغربي تتجاوب معها.. وإن ما تحقق من أهداف العدوان لم يكن ممكنا تحقيق أكثر منه " في الظروف الحالية " وأضاف: "إن الوضع السياسي في العالم العربي يوجب على إسرائيل الزعم بأنها أوقفت الهجوم لأن باراك أوباما لن يكون سعيدا بأن تطغى أحداث غزة على أنباء توليه منصب الرئاسة بشكل رسمي، ولأن حلفاءهم من العرب (!) ليسو في وضع يسمح لهم بتحمّل الضغوط الشديدة..
آخر القول: عدونا خاص في عداوته وكيده وحقده وخطره ولا أخلاقيته ولا قانونيته ؛ فهل سنترك الأسرى وإضرابهم ومعاناتهم للضمير اليهودي والصمت الدولي والتلهي العالمي؟ وهل سننتظر أن نرى وربما بعد أيام قليلة – لا قدر الله - مئات الجنازات تتوالى تباعا في الديار الفلسطينية.. وإن لم يتكلم إعلامنا وإعلاميونا اليوم فمتى سيتكلمون؟
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
667
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
967
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
609
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4305
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2571
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1170
| 28 سبتمبر 2026