رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تفكيك مفهوم الإنسان
ليس كافياً أن نقول إن الإنسان هو الركيزة الأساسية للنهضة، فقد طال التشويه حتى مفهوم الإنسان وصارت المفردة مشحونة بدلالات ليست أصيلة خصوصاً إذا استخدمت في سياق قطري. فمثلاً، ما المقصود إذا قلنا: إنسان سوداني؟ هل الإشارة إلى الإقامة الجغرافية أم الدم أم الثقافة أم ماذا؟ إن محاولة نسبة النهضة إلى إنسان مخصوص ينطوي على القول إن الشعب المعين هو بالضرورة جماع إنساني متميز ويمكن أن يقوم وينهض على أساس هذا التفرد والصفات التي تميزه عن غيره من الشعوب. هذه الفكرة ربما كان يسندها بعض المنطق عندما كانت الشعوب هي تجمعات قبلية تربطها أواصر الدم بما يحمله من مشتركات جينية، كما تربطها ثقافة مشتركة وتاريخ طويل. ولكن الشعوب بعد الدولة القطرية فقدت في كثير من الأحيان – خصوصا في الدول حديثة التكوين – ذلك الرابط الدموي والتجانس الثقافي القائم على تاريخ مشترك طويل. لذلك فإنه ينبغي عند الحديث عن النهضة المعتمدة على الإنسان أو الشعب الذي هو مجموع من الأناسي في البلد الواحد، ينبغي أن نكون حذرين من تعميم صفات إنسانية معينة على الشعب واعتبارها رصيداً يمكن التعويل عليه لبناء النهضة على أكتاف الناس. وحتى يستبين الأمر بشكل أفضل نضرب مثلاً بالشعب السوداني وما يظن أنه هو وما يظن أنها صفاته وخصائصه، ولنبدأ بتفكيك المصطلح.
• ما هو الشعب؟ الشعب بحسب القواميس العربية هو إشارة إلى التفرق وبعضهم قال إنه يشير إلى التفرق والتجمع معاً فهو من الأضداد، ويطلق على القبيلة الكبيرة. بينما يعرف قاموس أوكسفورد كلمة شعب (people) بأنه مواطنون ينتمون إلى بلد معين أو أعضاء أمة أو مجتمع أو اثنية معينة. على هذا فإن الشعب السوداني هو مجموع الأفراد التي تنتمي إلى القبيلة أو مجموعة القبائل السودانية، أو هو مجموع المواطنين الذين ينتمون إلى دولة السودان، وهذا يستدعي أن نعرف ما هو السودان.
• ما هو السودان؟ معلوم أن السودان هو اسم أطلق عبر التاريخ على مساحات جغرافية مختلفة وظل إشارة إلى أرض السود. وقد أطلق في فترة على طول الخط الإفريقي جنوب الصحراء، ثم أطلق على شريط النيل جنوب أسوان حتى منابع النيل في يوغندا، ثم أطلق على الجمهورية التي رسمها الانجليز وشملت دارفور وسواكن و(الجنوب)، ثم أخيراً أطلق على ما تبقى من ذات البلد بعد انفصال الجنوب. وكلمة الشعب السوداني أو السودانيين كانت تطلق على قاطني هذه المساحات المختلفة ما يعني أن الكلمة لم تحمل معنى ثابتاً بل كانت تتغير بتغير الجغرافيا والتاريخ.
كل هذا يدعونا لإعادة النظر في (شخصنة) الشعوب القُطرية بشكل عام، والشخصنة أعني بها إطلاق صفات شخصية على عموم الشعب بحيث يصوَّر وكأنه مكون من مجموعة أفراد يحملون صفات (شخصية) عامة متكررة وهامش لبعض الاختلافات الفردية. بتعبير آخر، شخصنة الشعب هي نحت لقالب ثقافي يشكل الملامح الثقافية الأساسية للشخصية وتصوير الشعب على أنه مجموع من اللبنات التي تأخذ جميعاً شكل ذلك القالب حتى وإن اختلفت المادة المكونة لكل لبنة.
مثال ذلك هو أن نقول إن الشعب السوداني يمتاز بالشجاعة والكرم والكسل وقلة احترام الوقت، ما الذي يجعل فرداً من الحلفاويين وآخر من البجا وآخر من الفور وآخر من الأنقسنا جميعاً يحملون هذه الصفات؟ لا شيء، سوى أن الحس القومي لدى مواطني أي قطر يدفعهم لتصوير اجتماعهم الشعبي على أنه يقوم على أكثر من مجرد التقسيم الجغرافي الذي أجراه الأوروبيون أو غيرهم في فترة تاريخية معينة، بل يقوم – كما يصورونه – على مشتركات عنصرية وثقافية وتاريخية راسخة تجعل منه خليطاً متجانساً، والاختلافات التي تبدو عليه يصورونها على أنها تنوع يثري هذا الاجتماع ولا يعكره، مجرد أوهام فرضتها الحاجة لإيجاد جوامع لأخلاط من الناس المختلفين غير جامع القطر السياسي، ولكن هذه الأوهام تكذبها الوقائع باستمرار. فالشعب السوداني ظل حتى وقت قريب يشمل القبائل الجنوبية، ما يعني أن (الشخصية السودانية) بصفاتها المتصورة كانت تشمل الدينكاوي والاستوائي، ولكن بعد أن انفصل الجنوب أصبح الجنوبي في حل من صفات هذه الشخصية ويمكن للجنوبيين أن يصوروا شخصية أخرى تجمع شتاتهم، بينما يعدل المخيال السوداني صورة الشخصية السودانية على استحياء ليحذف منها صفات القبائل الجنوبية العنصرية أو الثقافية ويقدم الشخصية المعدلة على أنها راسخة الثقافة وشديدة التجانس رغم التنوع الشديد فيها!.
المفارقة بين المطلوب والواقع هو أن الناس في الواقع تجمعهم دول قطرية لم تراع في نشأتها درجة التجانس بين الناس في الدولة الواحدة بالشكل الذي يمنحها شيئاً قريباً من الشخصية المشتركة. وحيث إن الناس في عالمنا المتأخر قريبو عهد بالقبلية فقد صوروا الشعب القُطري على أنه قبيلة كبيرة كما تقول المعاجم، فاعتبروا أن ذات الجوامع التي تجمع القبيلة الصغيرة يمكن أن تجمع القبيلة الكبيرة كالدم والثقافة والتاريخ المشترك ما يعني أن الصفات التي يمكن أن تعمم على القبيلة الصغيرة، كالقول إن بني مخزوم يتصفون بالشجاعة، يمكن كذلك أن تعمم على القبيلة الكبيرة كالقول إن الشعب السعودي يتصف بالشجاعة. والقول الأول تعميم مقبول ولكن القول الثاني تعميم غير مقبول ويقوم على شخصنة الشعب القُطري دون أسس جامعة تشكل هذه الشخصية المشتركة.
أما المطلوب فهو الإقرار بأن مفهوم الشعب القُطري هو مفهوم ديناميكي غير ثابت، وبالتالي فإن الصفات التي تميز هذا الشعب هي في الغالب صفات إنسانية عامة نجدها في كثير من الشعوب، وأن هناك تناسباً عكسياً بين مقدار التنوع في مكونات الشعب القُطري وحداثة القطر من ناحية، وإمكانية شخصنة هذا الشعب أو وصفه بصفات شخصية مشتركة من ناحية أخرى.
بالعودة الآن إلى موضوع النهضة واستخلاصاً للشاهد من النقاش أعلاه، فإن الشعب الذي يبتغي النهضة في هذا العصر سيكون في الغالب مقيداً بالدولة القطرية وإشكالات السيادة. بمعنى أن التغيير الذي سيحدثه أو سيرغب في أحداثه أي شعب سيكون محصوراً فيما له فيه سيادة من سلطة سياسية أو مؤسسات مدنية، وأن تجاوز حدود الدولة القطرية يمكن فقط أن يأتي في إطار حراك شعوبي متفق أو تأثير ينتج عنه اقتداء. وحيث إننا فصلنا في القول إن الشعب في الدولة القطرية ليس له في الغالب شخصية خاصة مميزة عن من حوله من الشعوب، وأن تميزه محدود حتى عن عامة شعوب الأرض، فإن إصلاح الإنسان لأجل النهضة لا يكون مبنياً على خصوصية هذا الإنسان القطرية، فمشروع النهضة السودانية لن ينبني على صفات الشخصية السودانية كالكرم والشجاعة والأمانة وحسن الخلق، هذه ليست صفات سودانية بل هي صفات إنسانية يتفاوت الناس فيها بعوامل كثيرة ولكن أقل هذه العوامل هو الدولة القطرية كما أبنت أعلاه.
النهضة السودانية ينبغي أن تقوم على الإنسان السوداني بغض النظر عن صفات (الشخصية السودانية) المتوهمة، أما الإنسان السوداني، فهو ذلك الإنسان بصفاته الإنسانية العامة الذي يستوطن السودان بغض النظر عن جغرافيته الآنية، هذه الوصفة ستكفل الاعتماد على الإنسان للنهضة في أي تاريخ أو جغرافيا وبغض النظر عن العنصر أو حتى الدين، فالإنسان الناهض لا يفلح في نهضته لكونه مسلماً أو مسيحياً، بل لكسبه وأخذه بالأسباب المؤدية إلى النهوض والرفعة، فالنهضة إذا تقوم على الإنسان الذي يكافئ مطلوباتها، أما الصفات التي تلحقه دون ذلك فهي سراب في صحراء التخلف، شديدة اللمعان عديمة الري!.
مركزية الإنسان في الإصلاح والنهضة (7)
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); هناك ثلاث فئات من النخب التي يمكن أن تكون في طليعة أي حركة... اقرأ المزيد
1466
| 23 يناير 2015
مركزية الإنسان في الإصلاح والنهضة (6)
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ساقية الجهلإذا امتنعت النخبة في المجتمعات المتأخرة عن نشر الوعي للأسباب التي ذكرنا... اقرأ المزيد
1047
| 16 يناير 2015
مركزية الإنسان في الإصلاح والنهضة (5)
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); إصلاح الإنسان.. إشكال الوعي من رحمة الله بالإنسانية أن وصفة النهضة والإصلاح ليست... اقرأ المزيد
1062
| 09 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12162
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10356
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3489
| 22 أكتوبر 2026