رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
■ الشعوب العربية تلتقي بودٍ ومحبة بعيداً عن "صداع" السياسة وتقلباتها
■ تواجد أعداد غفيرة من الجماهير يجسِّد اللُّحْمَة العربية
■ قطر بوصلتها مركزة على جمع العرب ونبذ الخلافات وتبذل الجهود لأجلها
■ شبابنا بحاجة إلى لقاءات مباشرة بدلاً من الفضاء الرقمي الذي يثير النعْرَات
■ نحن بحاجة إلى كسر الحواجز وبناء علاقات أخوية بين الشباب العربي
■ ما أحوج شعوبنا "المُتْعَبَة" لمساحات من الطمأنينة بدلاً من "غبار" يلفُّ سماءنا العربية
■ الدوحة تحتضن الأشقاء بدفء وحميمية وترحب بحضورهم كأنهم أهل المكان وأصحاب الدار
بادئ ذي بدء..
يا هلا ومرحباً بالأشقاء من جميع الدول العربية في بلدهم وبين أهلهم في دوحة الجميع ..
كم هو جميل هذا الجمع الكبير لأشقائنا العرب هنا في قطر..
شوارع قطر لا تزدان بأعلام الدول العربية فحسب، بل هي اليوم تجسد اللُّحْمَة العربية في أبهى صورها من خلال هذا التواجد الكبير لمختلف الجماهير العربية، وفي لقاءاتها العفوية خارج مدرجات الملاعب.. في سوق واقف.. في كتارا.. في الميناء القديم.. في مشيرب.. على كورنيش الدوحة.. وفي المولات والأسواق والشوارع المختلفة داخل الدوحة وخارجها.
تلتقي الشعوب العربية بودٍّ ومحبةٍ بعيداً عن "صداع" السياسة العربية وتقلباتها، التي لطالما "أسقطت" على الشعوب، وأقحمت فيها، وهي لا ناقة لها فيها ولا جمل.
هي قطر..
هي الدوحة دائماً تحتضن الأشقاء بدفء وحميمية، احتضان أخوي، وترحيب يُشْعر الحاضرين بأنهم أهل المكان، وأصحاب الدار...
كأس العرب التي أحيتها قطر منذ أعوام أربعة، بروح جديدة، وتنظيم مميز، وملاعب عالمية، وبُنى تحتية بمواصفات نوعية، وتسهيلات فوق الوصف، يجعل من هذه البطولة مقصداً شعبياً، ليس من أجل التنافس على "الكأس"، بل قبل ذلك من أجل لقاءات الشعوب التي يتلهف الجميع لها، فما أجملها، وما أجمل تلك الجلسات التي تجمع السعودي بالمصري بالسوداني بالمغربي بالفلسطيني بالإماراتي بالبحريني بالتونسي بالعماني باليمني بالأردني بالكويتي باللبناني بالجزائري بالليبي بالعراقي بالسوري بالموريتاني بالصومالي بالجيبوتي بجزر القمر.. باحتضان أخوي قطري.
هذه اللقاءات هي التي تتطلع لها الشعوب العربية، في لحظات صفاء ومودة ومحبة، وما أحوج شعوبنا "المُتْعَبة" إلى هذه المساحات، وما أحوجنا في العالم العربي كله أن نُوجِد ملتقيات ومناسبات تستظلُّ بها هذه الشعوب، تتنفس روحاً نقية، بدلاً من "غبار" يلفُّ سماءنا العربية.
لماذا لا يستمتع الشاب العربي بالمرافق عالية الجودة، والإمكانات الكبيرة، التي تتوفر في أوطاننا، وما أكثرها، وأن نتيح لهم فرصاً من الإبداع ليس فقط في الملاعب الرياضية، إنما في كل القطاعات، ويمكن أن تكون هذه الملاعب مكاناً لتنفيذ كل الأنشطة والفعاليات، وألا تكون مقتصرة على حدث يُقام كل عام أو عامين.
أتذكر قبل استضافة قطر لبطولة كأس العرب في 2021، والتي تمثل إحياء لهذه البطولة بهذا المستوى من التنظيم العالمي، أن المسؤولين القطريين أكدوا أن هذه الملاعب العالمية التي أعدتها دولة قطر لاستضافة بطولة كأس العالم 2022، سوف يجربها الشباب العربي، وصدقت قطر بما وعدت كعادتها، فكانت بطولة كأس العرب في 2021 التي سبقت كأس العالم 2022.
نحن اليوم بالفعل نعيش أجواء مقاربة لأجواء كأس العالم من حيث الحضور الجماهيري، الفرق أن جميع من يجتمعون هنا بالدوحة هم الأشقاء، في القُرْبَى وصِلَة الرَّحم والنسب، مهما بعُدَت بينهم المسافات، أو فَرَّقَتْهم الجغرافيا، وحَدَّت من تواصلهم الحدود.
قطر التي دائماً بُوصْلَتها مركزة على وحدة العرب، ونبذ الخلافات، والتوحد في صف واحد، لأننا أمة واحدة، تبذل كل ما في وسعها من أجل تجميع الشعوب، وتقريب الدول، ولطالما أثمرت جهودها الخَيِّرَة عن نجاحات نفتخر بها، وتفتخر بها شعوبنا العربية جمعاء، لأن هدفنا جميعاً: أمة واحدة من المحيط إلى الخليج.
قطر بقيادتها الرشيدة تعمل من أجل جمع العرب، وبثّ روح الأمل في الشعوب، وتوفير كل السبل التي تذلل الصِّعَاب، ووضع الإمكانات لكي يستفيد منها أبناء أمتنا، ليس فقط في قطاع الرياضة وعالم الرياضيين، إنما من يتابع التوجهات القطرية يلحظ بوضوح هذا المسعى النبيل لتسخير الإمكانات من أجل الشباب العربي ورفعته وإبداعه وتمكينه من بناء مستقبل مشرق يليق بأمتنا وتاريخها وحضارتها.
العرب هي الأمة الوحيدة ـ إضافة إلى عالمنا الإسلامي ـ التي تبلغ نسبة الشباب فيها أكثر من 60 %، وهو ما يعني أنها أمة "شابة"، أمامها المستقبل، وهو ما يفرض على دولنا أن تعتني بهذه الثروات الحقيقية، وأن توفر لها البيئات الصالحة للنهوض بأوطانها، وقيادة مسارات التنمية، وهذا لن يتأتى إلا من خلال الاهتمام بهم في جميع الفئات العمرية (بنين وبنات)، وفي جميع المجالات.
التقيت عدداً من الشباب العربي، والكثير منهم يتذكر أحداثاً ومواقف ولحظات جميلة في كأس العرب 2021 وكأس العالم 2022، وأنه اليوم بالدوحة يسترجع هذه الأحداث، ويثق أن نسخة 2025 ستضيف الكثير إلى ذكرياته ومخزونه الفكري وعلاقاته الجديدة مع أشقاء آخرين من أقطار عربية يلتقي بهم لأول مرة.
الشباب بأمسِّ الحاجة في عالمنا العربي إلى لقاءات حُضُورية في عالم الواقع، بدلاً من "الفضاء" الذي في كثير من الأحيان يحمل "الغَثَّ" ويثير النَّعْرَات والصراعات، مع وجود آلاف الحسابات والمنصات التي تخلق الفتن، وتعمل على خلق المزيد من المشاكل بين الشباب العربي.
نحن بحاجة إلى كسر الحواجز الموجودة، وبناء علاقات أخوية بين الشباب في عالمنا العربي، لأنهم يشكِّلون اليوم نصفَ الحاضر، وكلَّ المستقبل، وسيكون من بينهم صُنَّاع قرار، وقادةً في مجالات شتى تستند إليهم الأوطان في نهضتها.
قطر تَسْعَدُ بكم أيها الأُخْوَة الكرام، ودوحتها تزدان بكم حُباً ومودَّة وكرامة..
فمرحباً بكم في بلدكم وبين أهلكم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
9462
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2715
| 26 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
2157
| 30 مارس 2026