رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد كشفت لنا الثورات العربية المباركة في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا مجموعة من الحقائق التي كان يزيّفها الإعلام العربي دهوراً من الزمن، ولقد أسهمت تلك الثورات في كشف أوراق العديد من الحكام العرب وأسقطت عنهم تلك الأقنعة التي كانوا يلبسونها ليضللوا بها شعوبهم مستعينين بأجهزة إعلامية حكومية ورسمية أشبه ما تكون بسحرة فرعون الذين كانوا يضلون الناس بسحرهم.. تقرّباً إلى فرعون وإلى بلاط القصر الحاكم في كل وقت ومكان.
لقد كشف لنا النظام السوري عن وجهه القبيح الذي ظل دهوراً من الزمن يتغنى بالعروبة والقومية وهو منهما بعيد كل البعد بغدره وخيانته لأبناء وطنه وبسفكه لدمائهم وهتكه لأعراضهم الأمر الذي يجعلك تجزم بأنه لا يمت إلى العروبة ولا إلى القومية بصلة وإنما هو إلى البربرية والتترية والمغولية أقرب وألصق، وكما اتضح لنا عبر مسلسل الوقاحات التي يصرّح بها أعوان النظام السوري وأنصاره في العراق ولبنان، اتضح بما لا يدع مجالاً للشك في أن الولاء الحقيقي لذلك النظام ولتلك العصابة من القتلة والمجرمين هو الولاء الطائفي والعنصري البغيض لإيران التي كشفت لنا هي الأخرى عن وجهها القبيح وعن مخططاتها ومآربها التي تصبو إليها من خلال إشعالها للتوترات في دول الخليج العربي وبقية دول العالم العربي ومن خلال إشعالها نار الفتنة الطائفية في العالم العربي والإسلامي من خلال إرسالها لطلائع الغزو المذهبي المحارب لهذا الدين في أصوله ومصادره الثابتة، ولعلنا في العالم العربي والإسلامي تساهلنا كثيراً في التقارب مع الدولة الفارسية دون الدخول معها في جدل عميق وجاد حول نواياها المستقبلية ودون الخوص معها في برامجها النووية وما تسعى إليه من وراء تلك البرامج المقلقة في المنطقة حتى أننا جلسنا نتفرج على الآخرين وهم يجادلون إيران في برنامجها النووي حيناً ويفرضون عقوباتهم نحوها حيناً ويهددونها حيناً آخر دون أن يكون لنا أي اهتمام معهم ودون أن يكون لنا دور ريادي في تحريك المجتمع الدولي ضد أي برنامج يهدد أمننا وخطرنا سواء كان مصدره إيران أو كان مصدره إسرائيل.. الأمر الذي يفتقد إلى التوازن والعقلانية، فكما أن إسرائيل هي معقل الشر ومكمن الخطر لدى دول العالم العربي والإسلامي، فإيران كذلك قد اتضح لنا بما لا يدع مجالاً للشك بأنها تمثل خطراً قادماً إلى دولنا وإلى شعوبنا وإلى ثقافتنا وإلى ديننا بشكل لا مداهنة فيه، وكفانا ضحكاً على بعضنا البعض عندما نخفف من حدّة العنصرية الفارسية والمد الشيعي وننعتها بالمذهب أو نحوها من الألفاظ التي تدلل على الاختلاف والتكامل بينما هو في واقع الأمر لا يشكل مذهباً أو حزباً أو تياراً يحمل الولاء والوفاء لهذه الأمة العربية والإسلامية وإنما هو كيان أيديولوجي يعتمد على "إبادة" الآخر بأي طريقة كانت، حتى وإن استلزم ذلك سفك الدماء والاعتداء على المناهضين لهذه العقيدة المنحرفة، وهو ما لمسناه كثيراً في تصريحات قادتهم في إيران والعراق وسوريا ولبنان، أو من خلال حرب الإبادة الجماعية للمخالف لتلك العقيدة المنحرفة والتي بدأتها إيران على أرضها عندما أعدمت الناس في الشوارع والميادين زيادة في التعذيب والتنكيل والتهديد والإرهاب للمخالف لها، وهي الآن تمارس نفس الدور من خلال "عرائسها" المتحركة في العراق وسوريا ولبنان حيث حزب "اللات" أقصد حزب الله الذي يتسمى بهذا الاسم بينما يفعل ما يبرأ منه الله ورسوله في جسد الأمة العربية والإسلامية.
لقد كشفت لنا هذه الثورات مدى سذاجة القول بأن إيران أو حزب الله في لبنان أو النظام المجرم في سوريا كانوا في عداء واضح مع العدو الصهيوني، وتبين لنا أنها لعبة قذرة يحيكها الشياطين مع أوليائهم في إسرائيل بهدف إحكام السيطرة على العالم العربي والإسلامي من خلال نخره من الداخل على يد أولئك المنافقين الذين يتشبهون بنا في ظواهرهم ويكيدون لنا كيداً في بواطنهم وعند إخوانهم من الشياطين في المشرق والمغرب، ومما يجعلك تؤمن جازماً بأنهم يشتركون مع أعداء الأمة في تضليلهم للناس وضرب معتقداتهم والإساءة إلى أنبيائهم، عندما أفتى إمامهم بقتل سلمان رشدي لإساءته للأنبياء في رواية "آيات شيطانية" ثم وجدنا أنهم كاذبون ومنافقون في إظهارهم الدفاع عن الأنبياء وعن هذا الدين، فمنذ خروج تلك الفتوى حتى وقتنا الحالي أي ما يزيد على خمس عشرة سنة ولم نسمع بمحاولة واحدة لاغتيال سلمان رشدي من أتباع ذلك الإمام الذي يطيعونه في كل أوامره ونواهيه، كما أن ظهور الكثيرين منهم ممن يتطاولون على الأنبياء والصحابة وأمهات المؤمنين من بين ظهرانيهم يجعلك تدرك بأن سلمان رشدي كان ملاكاً طاهراً بالنسبة إليهم.
إننا نحتاج في عالمنا العربي والإسلامي كحكام وشعوب وعلماء ومثقفين وقادة رأي إلى أن نساهم في توجيه وتوعية الرأي العام بتلك المخاطر التي تهدد عالمنا العربي والإسلامي وفق المتغيرات الجديدة التي ظهرت لنا من بعد أحداث تلك الثورات المباركة التي أزاحت عن أعيننا الغمام قبل أن تزيح عن الشعوب العربية استبداد بعض الحكام، فإن معرفة الأعداء في الداخل والخارج هو السبيل للبدء في إصلاح ونهضة الشعوب، آملين أن تتوجه الجهود الآن لإسقاط الصنم السوري الذي تدعمه بكل خبث وحقد إيران ومن معها من أذيالها هنا وهناك، وعلينا أن ندرك جيداً أن في زوال هذا الطاغية المجرم بداية النهضة لأمة غفلت عن أعدائها في الداخل حتى تتفرغ لأعدائها في الخارج على حد سواء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
696
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
675
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
630
| 22 يناير 2026