رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في اليوم 390 من الحرب على غزة (نحن في يوم الخميس31 أكتوبر2024) واصلت إسرائيل ارتكاب المجازر المروعة بحق أبناء القطاع وفي غضون ذلك طالب حزب الله اللبناني سكان 25 مستوطنة إسرائيلية بإخلاء منازلهم بينما اعترف جيش الاحتلال الاثنين بمقتل 3 جنود وإصابة أكثر من 60 آخرين في معارك جنوب لبنان والخميس قتل 5 أشخاص بصواريخ من لبنان، وسط تصدي حزب الله للتوغل البري في بلدة الخيام جنوبي لبنان.
هذا نموذج من أخبار يومية كأنما تؤكد انقلاب الأوضاع رأسا على عقب! ومن جهة ثانية زعم المراسل العسكري لـ»القناة 12» (نير دفوري) أن «سلاح الجو الإسرائيلي نفّذ ضربات دقيقة لتدمير القدرات الإيرانية وركزت العملية المسماة «أيام التوبة» على أهداف عسكرية في إيران من قواعد ومواقع دفاع جوي ومستودعات أسلحة رغم محاولة الإيرانيين تعطيل الهجمات بنيران مضادة للطائرات لكن يبدو أنهم لم يطلقوا الكثير من هذه النيران ربّما بسبب الأضرار الإسرائيلية التي لحقت بنظام الدفاع الجوي وبدوره ذكر الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية (عاموس يدلين) أن «الأربع ساعات الأخيرة فجر السبت الماضي التي استغرقها الهجوم على إيران تمّ الإعداد لها منذ عشرين عامًا وكان من الواضح للنظام الأمني الإسرائيلي أنه يتعين الاستعداد لمثل هذا الرد ويمكن وصف هذا الهجوم بأنه «عملية إعدام دقيقة» للقدرات الإيرانية تحمل رسالة استراتيجية مفادها أن دولة الاحتلال تعرف كيف تعمل ضمن هذه النطاقات.
*وفي السياق ذاته قال مراسل الشؤون العربية (أوهاد حامو) إن «الأهداف التي اختارتها الطائرات الإسرائيلية هي قواعد الحرس الثوري دون مهاجمة أي شيء يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، ويبدو أن إيران «الرسمية» تحاول جاهدة التقليل من شأن هذا الحدث، وأشار مراسل الشؤون الحزبية (يارون أبراهام) إلى أن «المجلس الوزاري السياسي الأمني وافق على الهجوم خلال محادثة هاتفية وتم إبلاغ الولايات المتحدة بالتوقيت قبل ساعات قليلة من بدء الهجوم وهي لم تكن تريد أن يخرج الحدث عن نطاق السيطرة خاصة في هذا الوقت الحساس قبل انتخاباتها الرئاسية الأمريكية، أما الرئيس السابق لشعبة التخطيط في جيش الاحتلال (يسرائيل زيف) فذكر أن «الهجوم الإسرائيلي على إيران يوصل الصراع معها إلى لحظة الحقيقة ومن المتوقع أن يؤثر هذا الهجوم على نتيجة الترتيب الإقليمي برمته في ضوء انهيار أذرع إيران في المنطقة وهي التي بنتها طوال عقود ماضية وبالتالي فإن مفهوم التصعيد الإقليمي لم يعد قائماً وتابع: «لأن إيران لا تزال عاجزة ومكشوفة ودون طبقات خارجية من الحماية صحيح أن لديها مجموعة من الطائرات بدون طيار والصواريخ في نطاق مئات العناصر وتفاصيل صاروخية أكثر قليلاً ولكن كما تبين فإن بعضها في حالة سيئة من الخدمة.
* إلى ذلك جاء في مقال نشرته القناة 12 وترجمته «عربي21: «سمعنا الكثير من تهديدات إيران في الأيام الماضية وتشير بشكل رئيسي إلى ضغوط كبيرة لكن ما تبين في الساعات الأخيرة أن قدرة دولة الاحتلال على الهجوم والتدمير أفضل بكثير من تهديدات إيران، وأضاف المقال نفسه: “الأمر الذي من شأنه أن يشكّل تحولاً في معادلة الردع الإقليمية لصالح دولة الاحتلال بحيث سيكون أمامها فرصة لتغيير الاتجاه والذهاب إلى الترتيب الإقليمي لأن ما قامت به في الفترة الماضية وصولا الى ساعات الفجر الأولى هو رصيد من شأنه أن يؤدي إلى إنجازات مستدامة وترتيبات من شأنها أن تضمن سنوات من الهدوء بأمان رغم أن أي ترتيب يتطلب تنازلات!
وفي صحيفة يديعوت أحرونوت نجد تعليق المراسل العسكري (يوآف زيتون) الذي ذكر أن «جيش الاحتلال هاجم مجمعات عسكرية وأنظمة دفاع جوي ومنشآت إنتاج صواريخ ومنصات إطلاق صواريخ أرض-أرض في طهران وخوزستان وإيلام وقطعت الطائرات مسافة 1500 كيلومتر بعد 25 يوماً بالضبط من الهجوم الصاروخي الباليستي من إيران، وتابع: «استمر الهجوم لأكثر من ثلاث ساعات مكثفة في ثلاث موجات مختلفة أصابت 20 هدفاً مختلفاً لكن في طهران حاولوا التقليل من حجمه في ظل رسائل التحذير الأمريكية التي تلقوها وأضاف (زيتون) عبر تقرير ترجمته «عربي21» أن «هذا الهجوم الإسرائيلي أضرّ كثيرا بأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية للسماح بحرية العمل لطائرات القوات الجوية لمواصلة الهجوم وعلى صوت الانفجارات خرج الإيرانيون المذعورون إلى الشوارع وكان هناك قلق من استهداف المطارات لكن المقصود كان هو منشآت إنتاج صواريخ أرض-أرض انطلاقا من المعلومات الاستخبارية التي وفرها جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان).
*من جهتها نشرت صحيفة (الغارديان) البريطانية تحقيقا يؤكد عداوة إسرائيل الجديدة لمنظمة الأمم المتحدة من خلال مهاجمة وكالة الغوث «الاونروا» ومنعها من القيام بواجب إعانة الفلسطينيين في حياتهم وهو ما نددت به 123 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتزعم الصحيفة أن واشنطن هي الوحيدة القادرة على ثني نتنياهو عن هذا المروق الشامل عن القانون الدولي وذكرت بقرار محكمة العدل الدولية الذي دعا إسرائيل الى التعاون الكامل مع منظمة الأمم المتحدة واحترام بنودها وعدم تجاوز مواثيقها الا أن رئيس حكومة الاحتلال لم يعر هذه التحذيرات أي أهمية كما نرى ذلك في مواصلة القصف الإبادي لغزة و لبنان!.
حول هذا المحور قال الرئيس الفرنسي (ماكرون) الاسبوع الماضي: «إن الأمم المتحدة هي التي أنشأت دولة إسرائيل ومن العبث أن تتنكر إسرائيل لباعثها من عدم بقرار نوفمبر 1947 الذي يقسم أرض فلسطين شطرين شطر للعرب وشطر لليهود» من جهة موازية أعرب الدبلوماسي البريطاني (برايان أوركهارت) وكيل الأمين العام السابق للشؤون السياسية الخاصة عن أسفه بأن «تقوم دولة إسرائيل بتشويه صورة المنظمة وتمزيق سمعتها والمس من هيبتها كما لم تفعل أي دولة أخرى».
** وهنا أعود بقرائي الكرام الى الإجابة عن السؤال المطروح في عنوان مقالي لأقول إن واشنطن تملك القدرة بالقوة على رسم ملامح الشرق الأوسط الذي يناسبها ثم تأتي إسرائيل بمروقها عن الشرعية الدولية المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة هي الأقدر على فرض قواعد جديدة للتوازنات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط وفي آخر القائمة يأتي العرب وهم يرزحون تحت بلدانهم المثقلة بالمخاطر والمهددة باندلاع حرب كونية ثالثة تمتد من الشرق الى الغرب.
في نفس الموضوع كتب الصحفي السعودي عبد الله خلف: «أمريكا دولة عظيمة بلغت القمر وتسعى لأقمار أُخرى ولكنها تسير في دروب المزالق... بسبب تأثير لوبيات (الأيباك) في توجيه سياساتها أما فلسطين فهي صاحبة التواريخ العريقة تقف بوجهها مع من تأسس بعد الحرب العالمية الثانية حيث انقلبت المفاهيم
هل تعلمون أن المجند الأمريكي يُخيّر أين يريد تجنيده في أمريكا أو إسرائيل وكأن بلاده وإسرائيل وطن واحد؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3951
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2229
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1911
| 24 مارس 2026