رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ بدايات تشكل الدولة المدنية الحديثة بالقرن السابع عشر وهي تقوم على ثلاثة أسس رئيسية: حدود جغرافيا سياسية تحدد كيانها، ومواطنون من سكانها البشر، وقوانين يتساوى أمامها مواطنو الدولة البشر بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو عرقهم أو دينهم أو لغتهم.
هذه أسس الدولة المدنية الحديثة وفق مبادئ الليبرالية الديمقراطية، وتتطلب إدارة الدولة انتخاب من يديرها كفريق حزبي يتشكل وفق تلك الأسس الثلاثة، أي أن أي فريق حزبي ينوي الترشح لإدارة الدولة وحكمها عليه أن يتأسس وفق المواطنة وليس وفق الدين أو المذهب أو العرق أو اللغة أو اللون وخلافه، وأي حزب يتشكل لخوض الانتخابات وإدارة الدولة وهو قائم على العرق، مثل الحزب النازي الألماني أو الحزب القومي الديمقراطي أو عصبة الدفاع الإنجليزية أو "القوة البيضاء" الأمريكية أو الطريق الثالث بفرنسا وغيرها من الأحزاب العنصرية بالديمقراطيات العريقة يمنع من خوض الانتخابات لإدارة البلاد، لأنه يقوض الدولة المدنية بفكره ويفجر تعايش فئاتها المختلفة.
هذه المبادئ لم توضع في وجه الأحزاب الدينية الإسلامية فقط، ولم يتم اختراعها وتفصيلها للحيلولة دون وصول الأحزاب الإسلامية للحكم، فقد وضعت قبل ظهور أي من أحزاب الإسلام السياسي التي نراها اليوم، وهي ليست موجهة ضد دين أو قومية أو عرق بعينه، ولكنها قواعد عامة للعملية السياسية الديمقراطية في أي بلد ينشد الديمقراطية.
هذه المبادئ تتناقض مع حكم "حزب جمهوري إسلامي" الذي وصل السلطة بطهران بالانتخاب ثم مسح الآخرين مسحا من الساحة السياسية، وهي ضد وصول حزب الدعوة العراقي، لأنه حزب يقوم على مبادئ طائفية بحتة وتفاسير دينية للسياسة تتناقض تناقضا تاما مع مبادئ الديمقراطية، والمشهد العراقي الدامي خير دليل على ذلك، وتتعارض هذه المبادئ مع فلسفة "حزب الله" السياسية بلبنان وديمقراطية الثلث المعطل! وهي ترفض أن تحكم حماس الشعب الفلسطيني بكل قواه السياسية ومسيحية، مثلما فعلت بغزة ثم ألغت الآخرين، وترفض أيضا أن يقفز حزب الإخوان المسلمين باسم الجبهة القومية الإسلامية السودانية على السلطة عام 1989 ثم تلغي الآخر بالتحالف مع العسكر الذين أقصوهم بعد ذلك.
باختصار، ترفض المبادئ الديمقراطية أن يكون هناك أي حزب يقوم على الدين وحده، لأن ذلك يعني أنه لطائفة واحدة من أهل هذا الدين حسب تفسيرهم له وبالتالي فهو طائفي بالتبعية، ويستثني أهل الأديان والطوائف الأخرى ويفسر الحياة الدنيوية بناء على تفاسير دينية خاصة به يحددها دعاة ومشايخ ذلك الحزب.
إن القول بأن في ذلك إلغاء للدين ولأهله مجاف للحقيقة، فالمبادئ الديمقراطية تضمن بقاء الدين وحريته- كل الأديان وحرية كل العبادة، وترفض استفراد دين واحد بتفسير الحياة الدنيوية وفق تفسيراته الخاصة للدين ومحاولة ترجمتها على الواقع وحياة الناس، وهو الأمر الذي تكرر فشله في أكثر من بلد. بل إنها تقبل استمرار الدعوة لأي دين في أي بلد وتشكيل قوى ضغط انتخابية ولوبيات سياسية تدافع عن حقوق أهل الأديان مهما صغر عددهم.
غالبا ما يضرب دعاة الأحزاب الدينية الإسلامية في عالمنا العربي المثل بتجربة حزب العدالة والتنمية التركي ليدللوا على مرونة أحزابهم بالتكيف مع المبادئ الديمقراطية، وهو ادعاء غير دقيق، ناهيك عن أنه يتيم، فحزب العدالة والتنمية وصل للسلطة عبر قنوات الديمقراطية الليبرالية العَلمانية التي كانت قائمة ولم يساهم هو بخلقها، أي أنه لم يصل بثورة مثلما جرى بالربيع العربي، بل وصل عن طريق قواعد اللعبة الديمقراطية، وكان – ولا يزال- يكرر علمانيته وتمسكه بتلك القواعد في كل مناسبة، بل حين حاول النكوص عنها يوم كان اسمه حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان ألغي الحزب، بعدما انشق عنه عبد الله جول ورجب طيب أردوغان وشكلا مع آخرين حزب العدالة والتنمية العلماني الحاكم الحالي.
وعسى أن تسير تونس بطريق ديمقراطي مختلف، فرغم الاغتيالات السياسية المخزية لرموز مدنية كبالعيد والبراهمي، فقد توافق التونسيون بشكل عام – بما في ذلك الإخوان المسلمون (النهضة)- على مسودة دستور عسى أن يكون بداية لتجربة مدنية ديمقراطية حقيقية تقدم نموذجا لإسلام سياسي مختلف قادر على التكيف حقا مع المبادئ الديمقراطية.
للعملية السياسية وفق الليبرالية الديمقراطية قواعد أساسية، وأهمها تنزيه الدين عن السياسة، والسمو بالدين فوق السياسة المتقلبة التي لا تعرف حلالا ولا حراما ولكنها تعرف مصالح متغيرة، بينما بالدين تعاليم إيمانية ثابتة غير قابلة للتغيير والتبديل ولا تعترف بالمصالح الدنيوية البراجماتية على حساب تلك المبادئ العقائدية، والقول بأن عزل الدين عن السياسة أساسها غربي بسبب تسلط الكنيسة التي لا يقابلها تسلط المسجد السياسي عندها، مردود عليه لمغالطته الحقائق، ولا يفسر كيف تشكلت أكبر الديمقراطيات بالهند وواحدة من أنجحها باليابان ونموذج ماليزي محترم وآخر إندونيسي رغم تعثره، فلا تاريخ للكنيسة المتسلطة عند هذه الدول!
تقوم الديمقراطية على آليات ومبادئ، وعلى من يريد الدخول باللعبة السياسية وفقا للمبادئ الديمقراطية أن يلتزم بها، لا أن يستخدم آلياتها للوصول إلى السلطة دون الإيمان بمبادئها ثم الانقلاب عليها وإقصاء الآخرين مثلما فعل الإخوان المسلمون بعد وصولهم للسلطة بمصر عبر آليات الديمقراطية الانتخابية، فالديمقراطية ليست أحزابا وبرلمانا ودستورا وانتخابات وحسب، بل مبادئ للتوافق وللحرية والتعددية وضمان حقوق المعارضة والأقليات والأديان والقوميات الأخرى. وللديمقراطية السياسية عملية لها قواعد محددة، وعلى من يقبل المشاركة بها أن يلتزم بقواعدها وإلا فهو حل منها، أما أن تتذاكى الأحزاب الدينية بالوصول للسلطة عبر الآليات الديمقراطية دون الإيمان بمبادئها، فذاك أشبه بمن يمارس طقوس العبادة الدينية وهو ملحد، ويشبه من يقبل اللعب بمباراة كرة قدم ويصر على تسجيل الأهداف بيده لا بقدمه، فعندها سيطرده الحكم، وهو ما جرى بمصر حين طرد الحكم - أي الشعب المصري - الدكتور محمد مرسي بعد تدميره الممنهج لقواعد اللعبة.
المعارضة والبحرين
"نشكر كل من يتضامن ويؤيد مطالبنا للإصلاح ببلدنا البحرين ونرفض فرض أية أجندات سياسية خارجية من أية جهة... اقرأ المزيد
578
| 29 يونيو 2016
المعارضة والبحرين
المعارضة والبحرين "نشكر كل من يتضامن ويؤيد مطالبنا للإصلاح ببلدنا البحرين ونرفض فرض أية أجندات سياسية خارجية من... اقرأ المزيد
1917
| 28 يونيو 2016
هل نصر الله عميل؟
بخطاب حسن نصرالله الأخير- على الأقل هو آخر خطاب ألقاه قبل كتابة هذا المقال لأن خطاباته تكاثرت مؤخرا-... اقرأ المزيد
2251
| 26 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1920
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1302
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1161
| 11 أكتوبر 2026