رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة أحمد الكواري

fatmaalkuwari21@

مساحة إعلانية

مقالات

489

فاطمة أحمد الكواري

ليلة العمر ليست مشروع استغلال

01 يوليو 2026 , 11:04م

لم تعد تكاليف الأعراس مجرد أرقام عابرة في دفتر الحسابات، بل أصبحت عبئا كبيرا على كاهل الأسرة القطرية، في ظل ارتفاع تكاليف قاعات الفنادق، وأسعار التصوير، و"الكوشة" التي تُكلف أكثر من أثاث بيت كامل، والضيافة التي تُحسب بالشخص لا بالبركة، كلها تحولت من كماليات إلى "فروض اجتماعية"، قد تدفع الشباب إلى بداية حياتهم الجديدة بالقروض، أو ان يؤجلوا حلم سنوات حتى يجمع ثمن ليلة واحدة، أو يرضى بزواج منقوص يُشعره بالتقصير أمام الأهل والأصدقاء.

لم نعد نتحدث عن حالات فردية، فقاعة الفندق تفرض "باقة ذهبية" لا تقبل التجزئة تتضمن تصويرا ودي جي وإضاءة، وتنسيق زهور، وضيافة فاخرة، وبطاقات مطرزة، وهدايا للمدعوين فإذا رفضت بنداً واحداً، خسرت الحجز كله. وبهذا يجد العريس نفسه مجبرا على دفع ثمن خدمات لا يحتاجها أصلاً، فقط لأن السوق قرر أن "هذا هو المعيار".

إن الأسرة القطرية التي عُرفت بأن الزواج فيها "مشروع مجتمع" تُباركه الأمهات والجدات بالدعاء والرضا، صارت اليوم تواجه "مشروع سوق" تُقاس فيه قيمة العرس بحجم القاعة وعدد الأطباق.

ولم يعد الأمر مجرد همس مجالس أو سوالف بين الأصدقاء، بل امتد لمجلس الشورى، الذي ناقش الظاهرة بصراحة، وتوقف عند جذورها، والتي تتمثل بعضها في التنافس المظهري الذي يُغذي مواقع التواصل، وعقلية "الباقات الإجبارية" التي تسلب المعرس حق الاختيار، وغياب البدائل اللائقة بأسعار معقولة، وأصبح المطلوب الآن قرارات عاجلة تُعيد التوازن بين حرية السوق وحق الشباب في بدء حياة كريمة.

نحن لا نطالب بخنق القطاع الخاص أو تجميد الاستثمار في قطاع الأفراح بل على العكس، السوق الحر ركيزة للنمو. لكن الحرية بلا ضوابط تتحول إلى فوضى، والفوضى هنا ثمنها مجتمع بأكمله. الحل يبدأ بشراكة حقيقية بين وزارة التجارة والصناعة وغرفة قطر وإدارات الفنادق والقاعات الكبرى لوضع أسعار مدعمة واسترشادية لخدمات الأعراس الأساسية.

ويمكن اعتماد باقات لزواج تكون أكثر وضوحا وشفافية، تغطي الحد الأدنى الذي يليق بالعادات القطرية دون إسراف، مثل قاعة بسعة مناسبة وضيافة محلية أصيلة وتصوير أساسي وتنسيق بسيط، وتُعلن أسعارها للجميع، وتكون خياراً متاحاً لا إجبارياً، فلا يجب أن نترك الشاب يُصارع وحده أمام عروض مبالغة فيها وتتضمن خدمات وهمية.

من حق أبنائنا وبناتنا أن يشعروا أن الدولة تقف معهم في أهم محطة في حياتهم وأشكال الدعم كثيرة ولا تحتاج ميزانيات ضخمة. ومنها إلزام القاعات والفنادق المصنفة بمنح تخفيض ثابت لكل من يُبرز عقد زواج رسمي أو موعد محكمة مُحدد. هذه الخطوة رمزية ومادية معاً. ترسل رسالة واضحة: "زواجك يُهمنا، واستقرارك أولوية".

كذلك، يجب توسيع نطاق قروض الزواج الميسرة، وربطها ببرامج توعية مالية حتى لا يتحول القرض نفسه إلى عبء جديد. وتشجيع بناء قاعات أفراح وقفية أو مدعومة في كل بلدية، بإدارة احترافية وأسعار مدروسة، يكسر احتكار القاعات الفندقية المبالغ في أسعارها.

سيخرج من يقول: "التسعير تدخل في السوق الحر". ونرد: السوق الحر لا يعني السوق المُستغِل عندما تتحول "ليلة العمر" إلى كابوس مالي يؤجل الزواج ويُفكك أحلام الشباب، فالخسارة الوطنية أكبر من هامش ربح أي فندق.

إن ضبط الأسعار ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية فهو رد اعتبار لقيمة الزواج كـ "مشروع استقرار" لا "مشروع استغلال".

مساحة إعلانية