رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

168

د. عبدالله بندر العتيبي

الوساطة وهندسة الكرامة

01 يونيو 2026 , 10:10م

في كل طاولة تفاوض، يبدو القائد وكأنه يجلس وحده أمام خصمه، لكنه في الحقيقة لا يفاوض منفرداً. فخلف كل مقعد تفاوضي يقف جمهوران لا يغيبان عن الحساب: جمهور داخلي يراقب، ويحاسب، ويقيس قوة القيادة بميزان المكاسب والتنازلات؛ وجمهور خارجي من دول وحلفاء وخصوم وأسواق وإعلام، يختبر صدقية الدولة، ويحدد إن كانت شريكاً يمكن الوثوق به، أم طرفاً يمكن الضغط عليه. لذلك، فإن المعركة في التفاوض لا تدور حول بنود الاتفاق فقط، بل حول الصورة التي ستبقى بعد انتهاء الأزمة.

هنا تكمن معضلة التفاوض، فالقائد لا يبحث فقط عن تسوية تحقق مصلحة بلاده، بل عن تسوية يستطيع الدفاع عنها أمام شعبه. ما يبدو في نظر الوسطاء حلاً عقلانياً، قد يراه الداخل تنازلاً غير مقبول. وما يمنح الدولة قبولاً دولياً، قد يُفسر محلياً بوصفه خضوعاً للضغط. وفي المقابل، قد تمنح الصلابة القائد شعبية مؤقتة في الداخل، لكنها قد تغلق أبواب الحل في الخارج، وتدفع الأزمة نحو مزيد من التصعيد.

لهذا لم تعد التنازلات في السياسة مجرد أرقام أو بنود أو ترتيبات أمنية. التنازل أصبح مسألة رمزية تمس الهيبة والكرامة وصورة الدولة. والقائد يعرف أن صورته السياسية قد تكون أحياناً أهم من المكسب المادي المباشر؛ لأن المكاسب تُشرح للخبراء، أما الصورة فتصل فوراً إلى الجمهور. ومن هنا تصبح اللغة جزءاً من الاتفاق، وطريقة الإعلان عنه جزءاً من مضمونه، وترتيب الخطوات بين الأطراف أحياناً أهم من الخطوات نفسها.

وقد زادت البيئة الإعلامية الحديثة من تعقيد هذه المعادلة. في الماضي، كانت المفاوضات تجري في غرف مغلقة، حيث يملك الدبلوماسيون هامشاً واسعاً للمناورة، ثم يخرجون إلى العلن بعد صياغة التسوية بعناية. أما اليوم، فكل تصريح يُحلل فوراً، وكل تسريب يتحول إلى موقف، وكل تعبير على وجه القائد يصبح مادة للتأويل السياسي. لقد أصبح التفاوض يجري تحت ضوء كاشف لا يرحم، وكلما زاد الضوء، ضاقت مساحة المناورة.

وهنا يقع العبء الأكبر على الوسيط، فمهمته لم تعد مقتصرة على تقريب وجهات النظر أو صياغة حل وسط بين المطالب المتعارضة، بل أصبحت تشمل هندسة مخرج سياسي يحفظ ماء وجه الأطراف. الوسيط الناجح هو من يستطيع أن يمنح كل طرف رواية قابلة للتسويق: رواية تسمح للقائد بأن يعود إلى جمهوره قائلاً إنه لم يتراجع بل منع الأسوأ، لم يتنازل بل انتزع ضمانات، لم يخضع بل فرض اعترافاً بموقعه ومصالحه.

ومن يتأمل المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة اليوم يلمس هذه المعضلة بوضوح. فالأطراف ترفع سقف خطابها في العلن، ثم تبحث في السر عن مخارج لا تظهرها في موقع الضعف. هناك ملفات أمنية واقتصادية وإستراتيجية مهمة، لكن خلفها جميعاً سؤال أكثر حساسية: كيف يمكن لكل طرف أن يقبل بالتسوية دون أن يبدو مهزوماً؟ هذه هي العقدة الحقيقية التي تجعل مهمة الوسطاء شديدة الصعوبة. فهم لا يتعاملون فقط مع مطالب سياسية، بل مع مخاوف نفسية، وحسابات داخلية، وضغط إعلامي، ورغبة كل طرف في صياغة سردية نصر خاصة به.

وفي هذا السياق، تبدو أهمية دول المنطقة، وفي مقدمتها باكستان وقطر، في قدرتهم على فهم هذا البعد الدقيق من التفاوض. فالوساطة الناجحة لا تقوم على فرض الحلول، بل على توفير مساحة آمنة للأطراف كي تتراجع دون انكسار، وتتنازل دون إذلال، وتقبل بالتسوية دون أن تخسر صورتها أمام جمهورها. إنها دبلوماسية تدرك أن الدول لا تتحرك بالمصالح وحدها، بل بالكرامة والهيبة والخوف من الحكم العام أيضاً.

مساحة إعلانية