رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

381

د. فاطمة سعد النعيمي

حين يمشي الإنسان إلى قدره

01 مايو 2026 , 07:45ص

يمضي الإنسان في دنياه كأن الطريق ممتد بلا نهاية، يخطّط، ويبني، ويؤجّل، ويظن أن بينه وبين الرحيل مسافات طويلة من الزمن، غير أن الحقيقة التي يقرّرها القرآن الكريم بوضوح لا لبس فيه، أن الموت ليس حادثة طارئة، بل هو قدر ملازم، يسير مع الإنسان حيث سار، حتى إذا بلغ أجله، انكشف له ما كان يغفل عنه. إننا، في عمق المعنى، لسنا إلا جنائز مؤجلة، نؤخَّر لحكمة، ونُمهل لغاية، لكن النهاية ثابتة لا تتبدل.

يقول الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، وهي آية تقطع كل وهم بالخلود، وتردّ الإنسان إلى حقيقته الأولى: أنه مخلوق محدود بزمن، محكوم بأجل لا يتقدم ولا يتأخر. ويقول سبحانه: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]، ليؤكد أن الهروب منه وهم، وأن التحصّن منه مستحيل، وأنه أقرب إلينا مما نظن.

غير أن القرآن لا يطرح الموت بوصفه نهاية عبثية، بل يربطه بالحكمة والابتلاء، فيقول: { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]، فالموت ليس انقطاعًا، بل انتقال، وليس فناءً مطلقًا، بل بداية لمرحلة أخرى يُحاسَب فيها الإنسان على ما قدّم. وهنا تتغيّر زاوية النظر: من خوف سلبي يشلّ الحركة، إلى وعي إيجابي يدفع إلى العمل، وإلى استثمار اللحظة قبل أن تُسلب.

إن استحضار هذه الحقيقة القرآنية يعيد ترتيب الأولويات؛ فالدنيا ليست دار استقرار، بل ممر، والأعمال ليست تفاصيل عابرة، بل رصيد ممتد لما بعد الرحيل. ومن يدرك أنه «جنازة مؤجلة» لا يعيش في قلق، بل في يقظة؛ لا يغرق في الترف المؤقت، بل ينشغل بما يبقى.

لقد كان السلف يستحضرون هذا المعنى لا لييأسوا، بل ليزكّوا أعمالهم، ويصفّوا نياتهم، ويُحسنوا خاتمتهم. فالموت في الرؤية القرآنية ليس خصمًا يُخشى، بل حقيقة تُهذّب، وتدفع الإنسان ليكون أصدق مع نفسه، وأقرب إلى ربه، وأنفع للناس.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الصادق الذي يطرحه هذا المعنى في قلب كل إنسان: إذا كان الرحيل حتميًا، فماذا أعددنا له؟ وهل نعيش كما لو أن الموت بعيد، أم كما لو أنه أقرب مما نتصور؟ هنا يبدأ التحوّل الحقيقي… حين يدرك الإنسان أن الأجل قد يتأخر، لكنه لا يُلغى.

مساحة إعلانية