رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أشرت سابقا إلى القصة المتداولة في تراثنا وأدبنا العربي عن القرية التي اجتاحها المغول فاغتصبوا كل نسائها إلا واحدة قاومتهم فما كان من المغتصبات، بعد خروج الغزاة، إلا أن قتلوا العفيفة الوحيدة بينهن. وفي الأدب الانجليزي، يقول شكسبير في الفصل الرابع، المشهد الثاني، ج2 من مسرحيته «هنري السادس» على لسان أحد أشرار الرواية الذين يحاولون إسقاط الملك، «دعونا أولا نقتل كل المحامين» بمعنى اقتلوا كل الذين يستطيعون كشف الحقيقة ومناصرة الحق وإقامة العدل. وهكذا حياة البشر، صراع لا ينتهي بين الخير والشر، لكن بعض الناس تخصصوا في الشر واحترفوه وباتت مهنتهم التي يجنون من خلالها الثروات ويسيطرون بها على السلطة والحكومات. وقد كانت هذه عقيدة أحفاد ابن سبأ على الدوام، منذ أن احتكروا توكيل الشر في العالم: «اقتلوا كل الطيبين.. اقتلوا كل الشرفاء وأشعلوا الثورات في وجه الصالحين». بل إن هذا مكتوب في أكثر مخطوطاتهم قداسة واتباعا وتطبيقا. وهذا بالضبط ما فعلوه قديما وحديثا. ومن هنا نستكمل قصة هدم الخلافة وإشعال النيران حول السلطان عبدالحميد، آخر خليفة حقيقي للمسلمين.
ولأن هذا ليس سردا تاريخيا فلن ندخل كثيرا في التفاصيل الدقيقة ليوميات سقوط الخلافة، لكن سنواصل قراءة معاني الأحداث وما بين السطور. وقد كنا توقفنا عند تسخير «أعداء الإنسانية» الصحفَ والكُتّابَ لتخريب عقول الجماهير وتأليبهم على سلاطينهم وخاصة في المائة سنة الأخيرة من عمر السلطنة ثم تحريض النُخب والجيش على السلطان عبدالحميد. يلاحظ هنا أن السلطان كان يفهم مكائد هؤلاء، كونه كان انضم لجمعية العثمانيين الجدد مطلع شبابه - وفق مصادر تاريخية وثقها الكاتب التركي آيدِن بَيْرام، وترجمها الباحث محمد شعبان أيوب- ولمس بنفسه أن تلك الجماعة، يحركها الإنجليز ومن وراءهم، كانوا يريدون إلغاء الدين الإسلامي بالكلية من حياة الإمبراطورية، من خلال الدعوة الشيطانية لفصل الدين عن الدولة، وهو الأمر الذي نجحوا فيه في أوروبا قبل ذلك. لكن في الفترة التي استلم فيها عبد الحميد الحكم كانت خيوط المؤامرة قد وصلت إلى مرحلة الاكتمال شبه التام فلم تُجدِ محاولاته نفعا لوقفها. وقد اعتمد هؤلاء على إثارة تمرد الضباط، واحتضنوهم في محافلهم الماسونية في سالونيك، بعيدا عن قبضة السلطان (كتاب السلطان عبدالحميد لمحمد علي أورخان ص 212). وتحكي المصادر كيف استضافت محافل سالونيك لقاءات المتمردين في بداياتها حتى تم لهم الأمر وتوجهوا بتمردهم إلى اسطنبول لخلع السلطان. بل إن إمانويل كاراسو اليهودي الذي سلم السلطان قرار عزله كان يدير محفلا ماسونيا في سالونيك، وكان الضباط المتمردون مثل مصطفى كمال وطلعت وأنور وجمال (السفاح) يلتقون فيه. («سلام ما بعده سلام» 38-54، والأفعي اليهودية، ص 75- 102). وربما لا يعلم كثيرون أن جمال باشا السفاح ذاك هو من قاد الانقلاب على السلطان وهو الذي ارتكب جرائم بشعة بحق شعوب كثيرة منها الأرمن والسوريين لكنها نسبت زورا إلى الدولة العثمانية، إمعانا في تشويهها، مع أنه كان ينفذ تلك الجرائم باسم الماسونية واليهود والإنجليز.
لقد انقض المتآمرون على رأس وقلب الخلافة فحرضوا الشباب، وخاصة أبناء الطبقات الراقية، وأغروهم بمعسول الكلام المبطن بالسم عن ضرورة التحديث وفوائده وأهميته، وحتمية تقليد الغرب من أجل النهوض، وهو ما سيستمر شعارا كاذبا لكنه جاذب حتى يومنا هذا لكثير من الشباب الحالم بحياة أفضل. ومثلما حدث في أوروبا إذ هُدم الدين رسميا بهدم سلطة الكنيسة، نجح أعداء الإنسانية في إلغاء الإسلام على المستوى الرسمي بهدم الخلافة وتنصيب نظام أتاتورك الذي لم يكتف بالهدم بل ناصب الإسلام العداء. ومثلما حدث في أوروبا أيضا، كانت المهمة الأصعب هدم الدين في نفوس الرعية، فعملوا على مواصلة إرجافهم وتضليلهم للناس عبر وكلائهم، في أشلاء الإمبراطورية، الذين نصّبُوهم وصنعوهم على أعينهم، فأمعنوا في تطبيق سياسة «فرق تسد»، وأعملوا مقص «القومية» في جسد الأمة، فتقطعت الدولة الإسلامية الواحدة أشلاء وعرقيات وأوطانا (سايكس بيكو)، لا تفرق بينها الحدود المصطنعة فقط ولكن الحزازيات الطائفية والدينية والمذهبية، التي كان يغذيها ويؤجج نيرانها شيطان الاستخراب العالمي. وهذا ما لم يفعله الفتح الإسلامي في أي أرض دخلها (وفي هذا حديث لاحق).
وكما كان خنجر القومية هو الذي وجه الطعنة القاتلة للإمبراطورية ومزقها إربا، سيتم توجيه نفس الخنجر نحو بقية شعوب الخلافة يمزقها ويفرق بينها ويضع بينها الحدود تلو الحدود، (تفتيت المفتت)، حتى توقف العقل الجمعي عن التفكير بل عن الحياة وباتت أمة الإسلام أحزابا، كل حزب بما لديهم فرحون، لا بل، ويتعايرون ويتطاحنون. على أن ما يدهش حقا في هذه المسيرة الطويلة من صراع الخير والشر هو أن يتحول الوضع بين أجزاء ما كان سابقا خلافة وأمة واحدة من تعاضد وتلاحم إلى شقاق وتخاصم ثم من سباق لتحقيق الهوية الذاتية الضيقة إلى سباق نحو الهاوية بعشق العدو والانضواء تحت كنفه (التطبيع)، في دورة عكسية شبه كاملة لحركة التاريخ، فيما بات يعرف نفسيا في العصور الأخيرة بمتلازمة ستوكهولم.
يعيدنا هذا مرة أخرى إلى سؤال «كيف تشكل عقلنا الحديث؟». ونجيب بأن القصة لم تكن في أي من مراحلها مجرد عملية هدم لسلطة سياسية ولا إسقاط ملك أو خليفة بعينه، بل كانت مسيرة متواصلة «مستمرة» لمحو الدين من حياة الناس وإلغائه من مفرداتهم ومسحه من نفوسهم وعقولهم في إطار «صناعة الكفر». ولما كان إسقاط الحكومات واغتيال الأنبياء والملوك والمصلحين واحتكار المال والثروات وسائل في سبيل تحقيق ذلك فقد فعلوا كل ذلك، وما خفي أعظم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3792
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3579
| 01 يوليو 2026
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
2466
| 07 يوليو 2026