رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتناول نقاشاتنا وأحاديثنا الروتينية في كثير من الأحيان اتهامات أو ادعاءات موجهة في الغالب إلى حكومات العالم العربي، تتعلق بتقدير الكادر الأجنبي من ذوي العيون الزرقاء، بحسب ما يصفهم البعض، وتفضيلهم على الكادر الوطني والانبهار بهم، في إشارة - على الأغلب - إلى الأوروبيين والأمريكان تحديداً ولأصحاب الثقافة الانجلو ساكسونية بشكل عام.
في الواقع فإن تلك العقدة وما يسفر عنها من تفضيل لا تقتصر على الأنظمة السياسية والحكومات، بل باتت متأصلة في الخيال الجمعي لكثير من أفراد وشعوب المجتمع العربي والشرق الأوسط بشكل عام.
وفي محاولة لفهم هذه الظاهرة دائما ما تتم الإحالة إلى ما سطره ابن خلدون في مقدمته من "أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده".
في هذا المقال لن يكون حديثنا عن هذه الظاهرة من حيث صحتها أو خطئها، فالثقافة الغربية والحضارة الصناعية هي المهيمنة على أرض الواقع، ولا مناص لدولة تريد أن تنهض وتتقدم من تلمس خطى الغرب شئنا أم أبينا، فالصين واليابان وكوريا وسنغافورة لم تنشغل بكيفية اختراع العجلة لكي تلحق بركب الحضارة! ولا يمكن لدولة من الدول مهما كانت عزيمتها وإصرارها أن تبدأ من الصفر لمواكبة ما وصلت له الحضارة الصناعية، بل لا بد من البناء على تجارب الآخرين، بدل التغني بماضي الأسلاف واستحضار الأمجاد الغابرة بالقول "يوم كنا ولا تسل كيف كنا".
إن السؤال المهم هنا يتمحور حول ماهيّة التقليد الذي من شأنه أن يزج بنا في ركب الحضارة، وما المقصود بالتقليد المفيد لدى الغرب وتجنب التقليد "الأعمى"؟ هل علينا تقليد مشيتهم والاستماع لأغانيهم والتخاطب بلغتهم مع بعضنا البعض؟ أم نكتفي باقتباس كيفية تنسيق الزهور أمام فناء منزلنا؟ فنكون ظفرنا بالمفيد منهم! وعلى الرغم من أن السؤال يبدو بسيطا في ظاهره، إلا أننا لم نجب عليه واقعيا بعد، فلا زلنا نتخبط وننتقد الانبهار بالغرب في حين أننا غارقون في التقليد دون أن يقدم لنا ذلك التقليد أي دفعة إلى الأمام، فلغتنا أصبحت لغتهم وأشكالنا قاربت أو كادت أن تكون مثلهم، وتراثنا وثقافتنا أصبحت بحاجة للإنعاش والمثابرة لتبقى بارزة على السطح دون أن تغرق جراء ملاطمة أمواج الحضارة الغربية الفاتنة.
إننا عندما نستورد منتجاً حضارياً من الغرب أو الشرق على حد سواء، فإن ذلك لا يعد بأي شكل من الأشكال دليلاً على تحضرنا، وهو ما نصبو إليه دائماً. كما أننا عندما نؤسس لشراكات مع الدول الصناعية لإنشاء مصنع في أوطاننا يقوم بتشغيله والعمل فيه وإدارته عناصر خارجية برؤوس أموالنا، فإن ذلك لا يعني أننا أصبحنا دولاً صناعية بتلك البساطة، ولن يقدم لنا ذلك المصنع في الغالب - باستثناء الانبعاثات الكربونية - سوى القليل.
إن استخدام الهاتف الذكي أو الكمبيوتر أو قيادة سيارة فارهة وغيرها من منتجات الحضارة لا يعني أننا طرقنا سبل التحضر، ومن دون النظر للخلفية التاريخية والمعرفية لتلك المنتجات لن نعدو كوننا مستخدمين سذجا لها، علينا أن نسأل أنفسنا قبل كل شيء وقبل الانشغال بطرح التساؤل المتعلق بالتقليد، كيف انبثقت الحضارة الغربية؟ وكيف استطاع الغرب أن يحقق هذا التفوق بالرغم من وجود حضارات متقدمة ومتطورة سادت ثم بادت إلا أننا ما زلنا حتى الآن على الاقل، ننعم بما تقدمه لنا الحضارة الغربية، وهي من استطاعت، بحسب معلوماتنا الحالية على الاقل، أن تصنع فارقا ونقلة نوعية في مسيرتنا التاريخية.
وبالرغم من أننا في عصر المعرفة وانكشاف أسرار التقدم، وتوفر المعلومة والمعرفة العلمية وتمكّن أيا كان من الاطلاع والاستزادة من كافة أشكالها، بدءا من كيفية صناعة الطائرة وتخصيب اليورانيوم إلى صناعة المايكرويف وغلاية المياه، جميعها موجودة وفي متناول أيدينا متى أردنا ذلك، وهي بالمناسبة في تطور وتراكم مستمرين لا يتوقفان، إلا أننا لم نقدح بعد شرارة التقدم. وحتى مع التحجج بوجود استثناءات بسيطة ومعوقات موجودة فعلا أمام الاستفادة من المعرفة وتوظيفها، منها الطغيان الاقتصادي والسياسي وسيطرة الشركات متعددة الجنسيات، إلا أن ذلك ليس الحائل والعقبة الوحيدة أمام تقدم الأمم.
وبالعودة إلى السؤال عن الظروف الموضوعية لانبثاق الحضارة الغربية، نجد أغلب المؤرخين يتفقون على أن شرارتها انطلقت بالثورة الكوبرنيكية، والتي بها أفل نجم حقبة العصور الوسطى، وسطعت شمس عصر الحداثة، فالثورة الكوبرنيكية، بحسب موسوعة ويكيبيديا "هو مصطلح يشير إلى الثورة على النظرية المعروفة بنموذج مركز الأرض التي كانت تقوم على فكرة أن الأرض هي مركز المجرة، بزعم كوبرنيكوس أن الشمس مركز النظام الشمسي. كانت تلك النظرية نواة لثورة علمية في القرن السادس عشر الميلادي".
إذا كيف لقضية مركزية الأرض أن تقود إلى ثورة علمية؟ وما تأثير تلك القضية على صناعة الطائرة والسيارة والهاتف الذكي والكمبيوتر؟ خصوصا إذا ما علمنا أن كثيرا من تلك الاكتشافات والنظريات الثورية في حينها، جرى التعديل عليها لاحقا، أو أن بعضها تبين خطؤه من الأساس؟ وفي كل الأحوال فإن تلك المعارف لا تقدم أي فائدة تذكر للحقل العلمي في وقتنا الراهن، وهل لو أنك أخبرت أحدهم بأن الأرض ليست مركز المجرة وأن الشمس هي مركز مجموعتنا الشمسية سيتمكن من صناعة جهاز أو برمجة حاسوب؟ ولكن رغم ذلك شكلت تلك الحقيقة شرارة التقدم للغرب، كيف؟
إن ما قدمته الثورة الكوبرنيكية هو التغيير الجذري لنمط وآلية التفكير، ورغم أن نظريات كوبرنيكوس لم تتبلور إلا بعد مائتي عام من النزاع والشك والجدل، حتى توالت الاكتشافات إلى أن جاء جاليليو مؤكدا لنظريات كوبرنيكوس الأمر الذي تسبب في تقديمه لمحاكم التفتيش واتهامه بالهرطقة ومحاولة ثنيه بسلطة الكنيسة، إلا أن شرارة المعرفة انطلقت ولا يمكن إيقافها، كما حقق الأوروبيون في عصر الحداثة تقدما ونقلة كبيرة بالعودة والاستزادة من المعارف الكلاسيكية التي سطرتها الفلسفة الإغريقية وتناولت قضايا كبيرة ومهمة في علم الوجود ونظرية المعرفة والأخلاق وعلوم المنطق والرياضيات.
وفي حين يحتج البعض بأن الطريق الذي سلكه الأوروبيون نحو مصادر المعرفة مر بكتب الفلاسفة العرب والمسلمين وترجماتهم للمعارف الإغريقية التي تمت خلال العصر العباسي وأنهم استفادوا منها أيّما استفادة، كما شكلت لهم خريطة لاكتشاف الفلسفة الإغريقية، والذي يعتبرها البعض سرقة ونهوضا على أكتاف الآخرين، إلا أننا لم نسأل أنفسنا قبل ذلك، أليست المعارف في عصرنا الحالي وكما أسلفنا مطروحة ووافرة للجميع؟ لماذا لم "نسرق" منها - إن صح التعبير- ونقوم بتوظيفها والخروج من دائرتنا المغلقة؟.
ثم أليست كتب الفلاسفة العرب جاءت ضمن سياق أوسع وحركة أشمل من الترجمة ونقل لمعارف وعلوم الآخرين، كما أننا ننسى أو نتناسى أن العلم والمعرفة ليسا حكراً أو رمزيات نتفاخر بها أو شهادات نعلقها على الجدران دون أن نعمل بها، فالمعارف والعلوم تتناقلها الحضارات والأمم والشعوب، ومن التجني اعتبار تلك الحركة الطبيعية بمثابة "سرقة". والسؤال الأهم هو: كيف استفدنا نحن من تلك المعارف قبل أن يظفر بها الغرب؟ وكيف تعاملنا مع الفلسفة عبر العصور؟ ألم يتعرض الفلاسفة المسلمون تاريخيا لما يشبه محاكم التفتيش الفكرية؟ والتي هي مستمرة إلى الآن بالمناسبة.
إن القضية تتمحور حول طريقة التفكير والتعامل مع المعرفة، وعلينا هنا أن نسأل أنفسنا بموضوعية.. هل تجاوزنا المرحلة البدائية في طرق التفكير والتعامل مع المعلومة؟ بل والأهم من ذلك كيف تعاملنا ولا زلنا مع أصحاب الفكر وأصحاب الرأي الصادم لأفكار المجتمع برؤية جديدة لم يألفها، ألسنا مستمرين في طرح التساؤل الدائم حول جدوى الأبحاث التي تجريها الجامعات العريقة ومراكز الأبحاث حول العالم، ونسخر من أهمية المعرفة في حد ذاتها ونتساءل ماذا سيفيد إن اكتشفنا هذا العنصر أو ذاك، ونربط الأبحاث والاكتشافات بالتطبيقات العملية ونتساءل. ماذا سنتسفيد من تلك الاكتشافات؟ وكأننا نضع العربة أمام الحصان! كما أننا نربط مخرجات التعليم بسوق العمل وكأن العلم والمعرفة مقتصران على الوظيفة.
إن طريقة التفكير وطريقة التعامل مع المعارف أهم بكثير من المعلومة بحد ذاتها، والشغف بالمعرفة لا يجب أن يتم ربطه بالتطبيقات العملية لتلك المعرفة، فلو أن الأمر كان كذلك لما توصلنا لأي من مظاهر التقدم والتكنولوجيا التي بحوزتنا الآن، فالشغف بالمعرفة هو الذي قاد إلى اكتشاف الكهرباء، وليس الرغبة في اقتناء غسالة الصحون!.
يقول العالم الفلكي الشهير كارل ساغان، "العلم هو طريقة تفكير أكثر بكثير من كونه مجموعة من المعارف".
اذا فالقضية ليست متعلقة بالمحاكاة والتقليد سواء كان تقليدا أعمى أم تقليدا مفيدا، إن المسألة أعمق من ذلك وهي متعلقة بالنظر إلى الآلية التي حققت قفزة نوعية وتجاوزت أطر التفكير والتعامل مع المعلومة، ونقلت الإنسان من التفكير الخرافي الأسطوري إلى التفكير المنطقي والعلمي، ومن محاكمة الفكر والحفاظ على النمط السائد إلى الانفتاح الفكري الذي قاد بدوره إلى حزمة أشمل من تقبل الآراء والمسائل المتعلقة بحرية الفكر وحقوق الإنسان، ونحن أمام ذلك لسنا بحاجة إلى طرح مسألة التقليد على طاولة الحوار بل الأجدر بنا وبناء على ما سبق النظر في صياغة إطار جديد للقضية يتعلق بمحاكمة أنماط التفكير وتفعيل المنهج العلمي في التعامل مع المعارف.
ومع الأخذ بالاعتبار مشروعية الحجج المتعلقة بقصور المنهج العلمي والتفكير المنطقي في التوصل إلى الحقائق والمعارف، فالعلم حتى هذه اللحظة وبالرغم مما يقدمه لنا من أدوات حققت للبشرية قفزات نوعية هائلة، إلا أن القصور الذي يكتنف وظيفة العلم في شرح الظواهر وحل المشكلات لا زال قائما، فالعلم يقدم شرحا للظواهر ولا يخبرنا على وجه الدقة ما هي، كما أن العلم لا يقدم لنا ضمانات على مدى صحة النظرية والتفسير، وهذا بالمناسبة مصدر قوة العلم، فالعلم يشرح الكهرباء والجاذبية، إلا انه لا يخبرنا ما هي! كما أن العلم لا يجزم بالعلاقات السببية بين الظواهر وهو ما يزيد تواضعنا ويكشف لنا جليا بأننا لا زلنا في أول الطريق.
والقضية الأخيرة تعد سببا أساسيا في رفض المنهج العلمي لدى الكثير والاستعاضة عنه بالثوابت المعرفية القديمة التي تجزم بصحة التفسير مكتسية رداء التقديس، إلا أن ذلك يعد سببا من أسباب عدم النهوض وتجاوز الإشكاليات، وفي هذا السياق يقول كارل ساغان "العلم بعيد عن كونه أداة العلم المثالية، لكنه أفضل ما لدينا، في هذا الصدد وكما هو الحال مع الكثير، فإنه يشبه الديمقراطية". وهو ما يشي بأننا على أعتاب ثورة أخرى تتجاوز الأدوات العلمية المحدودة التي بحوزتنا، ولكن يظل الفكر المستنير هو الفيصل في تحقيق تلك القفزة.
سيرى العالم قدرة قطر على استضافة أحداث عالمية بنجاح استثنائي
في عام 1993، انتهى "شكلياً على الأقل" نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أو ما يسمى بالـ(الأبارتايد)، والقائم... اقرأ المزيد
4350
| 10 نوفمبر 2022
المجلس المنتخب بين الواقع... والمأمول
خلال الفترة الماضية، تصدرت مستجدات مجلس الشورى عناوين الأخبار، وما زالت، إلا أنها لم تعد كالسابق، فقد انتقلت... اقرأ المزيد
2485
| 16 ديسمبر 2021
هكذا تكلم أبو تريكة
اعرف ابو تريكة بالاسم، ولكنني لو شاهدته قبل اليوم لما عرفته، ليس لكونه مجهولاً بل لجهلي أنا الكبير... اقرأ المزيد
3607
| 09 ديسمبر 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8721
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2820
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
1809
| 30 أكتوبر 2026