رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الانتخابات التي جرت في إيران تَشي بتغييرات مهمة في موازين القوى، ولا مصلحة للعرب في أن يقفوا منها موقف المتفرجين.
(١)
الخبر الرئيسي لصحيفة "معاريف" يوم الأحد 2/28 كان عنوانه كالتالي: "جهاز الأمن في إسرائيل يستعد للتغيير في طهران- قد تكون هذه فرصة كبيرة". وتحت العنوان تفصيلات عن متابعة شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) لنتائج الانتخابات الإيرانية (مجلس الشورى ومجلس الخبراء)، وثمة إشارة إلى أن الجهات الأمنية الإسرائيلية لاحظت أن إيران عمدت في الآونة الأخيرة إلى الحد من تمويل حزب الله في لبنان، الأمر الذي عدته تطورا جوهريا، كما لاحظت تلك الجهات أن الرأي العام الإيراني يريد انفتاحا أكبر على الغرب. في اليوم ذاته خصصت صحيفة "يديعوت أحرونوت" افتتاحيتها للحديث عن المفاجآت التي يمكن أن تسفر عنها الانتخابات الإيرانية، وعن حدود الحركة المتاحة أمام الرئيس الحالي حسن روحاني في ضوء النتائج التي ستسفر عنها عملية فرز أصوات الناخبين، والحظوظ المتاحة أمام ممثلي التيار الإصلاحي في مجلس الشورى.
اهتمام الصحافة الإسرائيلية برصد التحولات الحاصلة في إيران يعبر عن إدراك لإرهاصات التحول الحاصلة على أكثر من صعيد هناك. بالمقابل فإن موقف وسائل الإعلام العربي إزاء الحدث يبدو متواضعا، ومتأثرا إلى حد كبير بالاشتباك السياسي بين إيران من ناحية وأغلب الدول العربية من ناحية ثانية. ورغم أنه اشتباك مبرر فإنه لا يمثل سببا مقنعا للتهوين إعلاميا من شأن حدث له أهميته الاستراتيجية بالنسبة للعالم العربي. ذلك أن إجراء أول انتخابات إيرانية بعد توقيع الاتفاق النووي ورفع الخطر المفروض منذ ٣٧ عاما، يعد خطوة باتجاه تشكيل الوضع المستجد في إيران، الذي يتجه صوب الاقتراب من الغرب وتلوح فيه مؤشرات الابتعاد عن العالم العربي. وهو أمر له تداعياته التي ينبغي أن تكون محل رصد وانتباه. ورغم أن ما بين إسرائيل وإيران بعد الثورة الإسلامية من خصومة يفترض أن يكون أعقد وأعمق مما بين إيران والعالم العربي من خلافات، فإن ذلك لم يحل دون رصد الاستخبارات الإسرائيلية لمجريات الأحداث في الداخل الإيراني، وهو رصد لا يخلو من محاولة التقاط أي بادرة تلوح لصالح إسرائيل في ثنايا تلك التحولات. خصوصا أنه ما عاد سرا أن احتمالات تلك الفرص واردة في ظل صعود الإصلاحيين الذين يضمون أطيافا عدة متباينة الاتجاهات.
(٢)
في الأجواء الراهنة يحتاج المرء إلى درجة عالية من ضبط النفس ليتمكن من قراءة المشهد الإيراني الداخلي بمعزل عن قناعاته ومشاعره الشخصية إزاء مغامرات السياسة الخارجية الإيرانية التي أحدثت فجوة عميقة وغضبا عارما في العالم العربي. وأعترف بأنني فشلت في ذلك عدة مرات، وجدت فيها أن التحفظ على تلك المغامرات ضروري لتحديد المواقع والمواقف والتطلع إلى المستقبل، وهو ملف لا يمكن تجاهله، لذلك سأفرد له حديثا آخر.
وجدت طهران غارقة في الإعلانات الانتخابية التي كادت تطمس معالم الشوارع والميادين، وكان ذلك مفهوما نظرا لتنافس ألف مرشح على ثلاثين مقعدا لمجلس الشورى. (فاز الإصلاحيون بها جميعا). ورغم أن المدينة شديدة الازدحام بطبيعتها (سكانها عشرة ملايين) فإن الجديد في الصورة أن فنادق العاصمة أصبحت تعج بالنزلاء القادمين من كل صوب. وقد كنت في السابق أرى الوجوه الآسيوية تتصدر نزلاء الفنادق خلال سنوات الحصار الاقتصادي، إلا أن الصورة اختلفت الآن بصورة جذرية. إذ شهدت الفنادق زحف رجال الأعمال والزوار الذين توافدوا على طهران بكثافة مشهودة بعد توقيع الاتفاق النووي ورفع الحظر المفروض على إيران. وهو ما أشاع انطباعا قويا بأنها مقبلة على طفرة اقتصادية موازية للتحولات السياسية الجذرية التي لاحت مقدماتها في الأفق بعد توقيع الاتفاق، وارتفاع أسهم الإصلاحيين والمعتدلين في حين تراجعت بصورة نسبية حظوظ المحافظين.
المظاهر المعلنة تعبر عن أحد أوجه المشهد الإيراني، لأن المرء لا يلبث أن يلاحظ أن الجزء الغاطس من المشهد حافل بالإشارات المثيرة التي تبرز الأوجه الأخرى المسكوت عليها. لأسباب مفهومة فإن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تشكل إحدى الساحات الأساسية المعبرة عما هو غاطس وغير معلن على الملأ. بوجه أخص فإن تلك المواقع أصبحت المنابر المتاحة أمام كثيرين للتعبير عن احتجاجهم ورفضهم لبعض السياسات المعلنة في الداخل والخارج. إذ منذ أحدث انتخابات عام ٢٠٠٩ التي شهدت ما سمى بالثورة الخضراء، التي ووجهت بإجراءات أمنية وقمعية شديدة آنذاك، فإن الأغلبية نقلت مظاهر الاحتجاج من الشارع إلى الفضاء الإلكتروني. إذ باتت تلك المواقع تحفل بالانتقادات الموجهة إلى المغامرات الخارجية التي تورطت فيها حكومة طهران. إضافة إلى الإجراءات القمعية التي يمارسها القضاء الذي يهيمن عليه المحافظون، ومنها منع ظهور صور أو تصريحات الرئيس الأسبق محمد خاتمي في وسائل الإعلام، وكذلك منع نشر تصريحات الشيخ هاشمي رفسنجاني رغم أنه يشغل منصب رئيس مجلس تشخيص المصلحة، والاكتفاء بنشر مقابلاته فقط. ومن المفارقات التي وقعت في هذا الصدد أن رئيس تحرير جريدة "السفير" اللبنانية الزميل طلال سلمان كان في زيارة لمقر صحيفة "إطلاعات" التي يرأس تحريرها السيد محمود دعائي ممثل المرشد في الصحيفة، وتطرق الحديث إلى إجراء حوار مع السيد خاتمي نشرته الصحيفة الإيرانية إلى جانب صحيفة السفير اللبنانية، فأحيل السيد دعائي إلى القضاء لأنه انتهك الحظر المفروض على خاتمي. من المفارقات التي تناقلتها المواقع أن الجهات المختصة ألغت ترشيح حفيدين للإمام الخميني في الانتخابات، أحدهما حسن الخميني حفيده لابنه، والثاني علي مرتضى إشراقي حفيده لابنته. ومما ذكرت المواقع أيضا أن سبعة من أهل السنة الذين رشحتهم جمعية الدعوة والإصلاح كانوا أيضا من بين الذين منعوا من الترشح، وهو ما دفع الجماعة إلى إعداد قائمة لمرشحين معتدلين من الشيعة ودعت أهل السنة إلى التصويت لصالحهم (عدد السنة في طهران يقدر بمليون شخص يمثلون كتلة تصويتية تقدر بنحو ٤٠٠ صوت).
(٣)
هذا المقال يكتب قبل الإعلان رسميا عن نتائج فرز الأصوات، سواء في انتخابات مجلس الشورى أو مجلس الخبراء. إلا أن القدر المعلن أن الإصلاحيين حققوا اكتساحا في العاصمة طهران بفوزهم بكل مقاعد تمثيل المدينة، وأن حضورهم في مجلس الشورى سيكون قويا. أما مجلس الخبراء الذي ينتخب المرشد ويفترض أن يشرف على أدائه، فقد فاز بأعلى الأصوات فيه الرئيسان اللذان يدعمان قائمة الإصلاحيين، هاشمي رفسنجاني وحسن روحاني.
وقبل أن أعرض ملاحظاتي على المشهد ألفت الانتباه إلى الحذر من الاستسلام للانطباعات المتعجلة في تقييم مواقف الإصلاحيين والمحافظين. ذلك أن كل فريق يضم أطيافا عدة تلتقي في نقاط وتختلف في نقاط أخرى، وداخل كل منهما متطرفون ومعتدلون، لذلك فإن المصطلح في الحالتين يتحدث عن ائتلاف بين جماعات عدة وليس عن جماعة واحدة. وفي الآونة الأخيرة فإن الموقف من الاتفاق النووي كان من العلامات الفارقة في مواقف المحافظين. آية ذلك مثلا أن السيد علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى المحسوب على المحافظين كان من مؤيدي الاتفاق، لذلك فإن المحافظين لم يدرجوه ضمن لائحتهم فوجد نفسه أقرب إلى الإصلاحيين، وفاز في "قم". وكان من أشهر مؤيديه الجنرال قاسم سليمان قائد فيلق القدس متعدد النشاط في الإقليم، وهو الأقرب تقليديا إلى المحافظين.
أما الملاحظات الأساسية التي خرجت بها فإنها تتلخص فيما يلي:
< في الوقت الراهن فإن نتائج الانتخابات سيظل تأثيرها محصورا في السياسات الداخلية، لأن السياسات الخارجية يقررها المرشد. بمعنى أننا لا ينبغي أن نتوقع تغييرا يذكر في السياسة الخارجية الإيرانية في الأجل المنظور. إلا أن التغيير في موازين القوى إذا ظل يرجح كفة الإصلاحيين فإن تأثيره سيكون أوضح في الأجل البعيد.
< إن الرموز الثلاثة الأبرز للإصلاحيين لا يؤيدون التمدد الإيراني في العالم العربي، وآراؤهم تلك يرددونها في محيطهم الخاص. على الأقل فهذا ما سمعته من العناصر التي تحيط بهم، وهذه الآراء غير معلنة في وسائل الإعلام التي تخضع لتوجيهات ومراقبة السلطة. والرموز الثلاثة الذين أعنيهم هم الرؤساء، هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وحسن روحاني.
< إن الإصلاحيين يستمدون قوتهم من الشارع الذي أعرب عن تأييده لهم بشدة في طهران، أما المحافظون فهم يعتمدون على قوة مؤسسات السلطة التي يهيمنون عليها وقوة حرس الثورة، وهؤلاء جميعا يدينون بالولاء للمرشد السيد علي خامنئي.
< في الوقت الراهن ثمة صراع مكتوم بين رئيس الجمهورية حسن روحاني الذي يقود الحكومة الشرعية، وبين حرس الثورة (باسداران) الذي يمثل الحكومة الفعلية التي تتحكم في مصائر العباد والبلاد. وقد ندد الرئيس روحاني أكثر من مرة بالفساد الشائع في إمبراطورية حرس الثورة. وتم ذلك التنديد تصريحا مرة وتلميحا عدة مرات. إلا أن الصدام لم يخرج إلى العلن بعد، وقد يتفاقم إذا ما تعزرت مواقع الإصلاحيين بعد الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات.
< إن احتمالات التغيير في السياسة الخارجية الإيرانية واردة أكبر بعد رحيل المرشد البالغ من العمر ٧٦ عاما. ورغم تواتر الشائعات حول إصابته بالسرطان، فإنه قيل لي إن حالته ليست بالتدهور الذي تروج له وسائل الإعلام، وإن الرجل لا يزال يزاول رياضة تسلق الجبال في شمال طهران ثلاثة مرات كل أسبوع. وهى الهواية التي يحرص عليها وله كتيب ألفه بخصوصها.
< إن رياح الاتجاه إلى الغرب تهب قوية على إيران (حسب استطلاع للرأي فإن ٨٠٪ من الإيرانيين يؤيدون ذلك الاتجاه). وقد كانت زيارة الرئيس حسن روحاني إلى أوروبا في أول رحلة له خارج بلاده دالة على ذلك (في روما غطوا أحد التماثيل العارية مراعاة لمشاعره). أما علاقات إيران مع الولايات المتحدة فهي تتحرك ببطء، وإن كانت صفحة الخصام فيها قد طويت. إلا أنها مرشحة للازدهار، خصوصا أن في الولايات المتحدة ثلاثة ملايين ونصف مليون إيراني، قدرت ثرواتهم بـ٤٠٠ مليار دولار، ولهم "لوبي" قوى هناك.
< أخيرا فإن الشعور الوطني والقومي في إيران تعالت مؤشراته بقوة بعد توقيع الاتفاق النووي، الذي كان مطلبا محل إجماع مختلف التيارات، وهذا التنامي له أصداؤه التي تهم العالم العربي كثيرا في المرحلة القادمة.
(٤)
لا يملك العرب ترف إغماض الأعين عن التحولات الحاصلة في إيران. لذلك فإن السؤال الكبير الذي تستدعيه هذه الخلفية هو: كيف سيتعاملون مع الصعود المرتقب لوزنها ودورها في المرحلة المقبلة؟ ــ أحاول الإجابة عن السؤال في الأسبوع المقبل بإذن الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5496
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4923
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3048
| 24 سبتمبر 2026